ما وراء الأصالة: داعش والتراث الفقهي الإسلامي

Image-ISIS-Logo

بِقلم: سهيرة صدّيقي

تعتقِد مجلّة «ذا أتلانتيك» أنّ داعش إسلامية، يختلف معهم في ذلك الرئيس أوباما وعديدٌ آخرون. بينما يحتدّ النقاش بالعديد مِنَ المحاورين، حُريّ بالمرء أن يتوقف ليتساءل عن فائدة مثل هذه التصريحات. هل ثنائية إسلاميّة داعش مِنْ عدمها – وهي ثُنائيّةٌ تبسيطيّة – طريقةٌ فعّالة لمناقشة وفهم الأسئلة الشائكة فيما يتعلق بالتراث الإسلامي وأصالته واستمراريته وتغيّره؟ للإجابة عن هذا السؤال البسيط، فإن المسلمين على امتدادِ العالم تحوّلوا لموقع الدفاع نافين وُجودَ أيّ علاقة بين دينهم وهذه الجماعة. سواءً أكانت الرسالة المفتوحة ذات الـ١٨ صفحة الصادرة عن شيوخٍ بارزين عالميًا، أو بيانُ أكبر ١٢ مسجد في بريطانيا، أو الفتوى المكتوبة والموزعة من قبل شيوخٍ سنة وشيعة في بغداد، فإن المسلمين حريصون على إبعاد أنفسهم عن الفظاعات المرتكبة باسمهم. ولكن مع ذلك، يزعمُ مقال غريم وود «ماذا تريد داعش حقا» في مجلّة «ذا أتلانتيك» المكتوب مؤخرًا أنّ أفعال داعش هي بالتأكيد إسلامية. مُنذ نشر المقال كان هناك فيضٌ من نقودات – بعضها يصحح أخطاء حقائقية، وبعضها ينبّه إلى أن الكاتب يتجاهل السياق السياسي والاجتماعي الذي سمح لداعش بالصعود وأخرى يشير إلى افتقار المقالة لأصواتٍ ذات مصداقية  يعتبرها غالبية المسلمين كثقة لديهم.

ومع استمرار الحرب بأعداد متنامية من المتجندين المتطوّعين، والصور المستفزة لإعداماتٍ وقرابين بأساليب بالية وتبريراتٍ مقدمة اعتمادًا على مصادرَ إسلامية، فذلك لن يعجّل من انتهاء الجدل حول إسلامية داعش من عدمها.  يغفل مقال وود ومقالات أخرى مثله عن القضية الأساسية في قلب هذا الجدل، وذلك عن طريق موضعة داعش ضمن التراث الإسلامي لمجرّد توظفيها لهذا التراث، فالقضية الأساسيّةُ هنا هي فهمُ داعش القضائي وعلاقته بالتراث الفقهي الإسلامي الكلاسيكي. إنّ قَرن داعش بثنائية الإسلامي وغير الإسلامي هو مقاربة تبسيطية جدًا في محاولة فهم ظاهرة داعش، فمعالم هذا الجدل تتجاهل الطبيعة غير المتبلورة للقانون، وتتجاهل كون القانون متناقض من حيث أنه ثابت ومطاط في نفس الوقت وأن صلاحية القانون معتمدة على الإطار العملي والمنظومة المُنشأة لإصدار القوانين. حقًا فلو أننا خرجنا من النقاش المفرغ حول أصالة داعش لفهم علاقة منهجية داعش بالتراث القضائي الإسلامي سنرى أن داعش تمثل رفضًا جوهريًا لمبادئه ومعايير عمله.

تطوّرَ القانون الإسلامي تاريخيًا وأنشأ بنيانًا يخلق استقرارًا ضِمْنَ القانون مع السّماح بالتغيير في نفس الوقت. ولكن لكونها جماعة تهدف لأن تكون تمظهرًا شرعيًا للإسلام فإن داعش تبني سُلطتها وصلاحَ أفعالها خارجَ حدود ما كان مقبولًا بشكل معياري من حيث صياغة مفهوم القانون وبشكلٍ أكثرَ تحديدًا في مجالِ الحرب.

كانت الحروب مجالًا مُعقدًا للنقاش ضمن الشريعة الإسلامية، فقد شمل النقاش الموازنة بين سابق فِعل النبي، والمبادئ القرآنية والحاجة لحماية والدفاع عن المجتمع الإسلامي. نتج عن ذلك أحكامٌ قانونية متنوّعة يجمعُها مبدآن وجهّا الاستنباط القانوني فيما يتعلّق بالحروب: الأول كان حماية غير المحارِبين، والثاني هو الحدّ والتقييد من العنف والحرب. اتّفق الفقهاء بأن الحربَ جائزة ولكن بطريق ينظم إزهاق الأنفس. ولكن بشكل معاكس فإن المبدأ المعمول به مِنْ قِبل داعش هو الترويج للعنف والفوضى، الأمر الذي يناقض مبادئ الحرب التي أنشأها الفقهاء. بالإضافة لهذا الفرق المهم في الأمور الجوهرية من القانون، ستبين هذه المقالة أن داعش تصيغ مفهوم القانون عمومًا بطريقة مختلفة اختلافًا صارِخ. نظّم الفقهاء القدماء وقبِلوا بتعدّدية الأحكام الأمر الذي سمح للفقهاء والحكّام بالتفاعل مع القانون على مستوى أكثر تآلفًا. عنى ذلك أن القانون بإمكانه أن يتطوّلا، وفي اتّخاذهم قراراتٍ بشأن الأحكام، فإن اختيارَهم لها اعتمد على أساس المصلحة العامة التي عنت حماية النفس والدين والملك والعرض للأفراد جميعاً، المسلمون وغير المسلمون سواء. بالنسبة لداعش، فإن هذه التعددية غير موجودة ضمن القانون بل إن القانون مطبق بشكل موّحد، ليس على أساس المصلحة العامة ولكن لتحقيق مسعاهم الرئيسيّ لتكوين خلافة وتشويه الخصم وترويج الفوضى والعنف. وبهذا، فعلى الرغم من أن داعش ربما تستدعي عناصرَ معيّنة من ضمن التراث القانوني أو السابق التاريخي فإنهم يفعلون ذلك بنقض مبادئه عينها وعلى ذلك لا يمكن أن يُأخذَ ذلك كمعيارٍ في القانون الإسلامي.

العنف والقسوة كمبدأ لعمل داعش

أضفي بعض الوضوح على أيدلوجية داعش في سبتمبر ٢٠١٤ عندما نبه جاك جينكز العالم إلى كتاب معنون بـ«إدارة التوحش». كتب الكتاب في عام ٢٠٠٤ من قبل أبو بكر ناجي، وهو اسم مستعار، وأصبح مؤثرًا جدًا ضمن الأوساط السلفية-الجهادية على المستوى العالمي. تُرجم الكتاب في عام ٢٠٠٦ من قبل وليم مكانتس في مجهود لإضفاء وضوحٍ أكثر على المسار الذي اتخذته معظم الحركات السلفية-الجهادية. هذا الكتاب ذو الأربعمئة صفحة هو دليلٌ لكيفيّة إنشاء خلافة عن طريق الخلق المُمنهج للجيوبِ فوضى، أو «مناطق توحش» تُجبر الأفراد فيها على البحث عن عاملٍ يجلب الاستقرار. في القسم الرابع من الكاتب المعنون «استخدام العنف»، يقدم الكاتب شرحًا لضرورة العنف والقسوة لتحقيق هذه الأهداف.

واحد من الأفكار المركزية في هذا القسم هو فكرة «دفع الثمن». يجادل ناجي أنه لو هاجم عدوٌ الجماعة فإن ردّها يجب أن يكون شديدًا بحيث يخلق إحساسًا من اليأس في الخصم واقتناعًا بأنهم «دفعوا ثمن» أفعالهم. وإضافةً لذلك، ويدعو ناجي بأنه عندما «يدفع الثمن»، لا يجب أن يكون الانتقام موجهًا بشكل مباشر للعدو بحيث «لو قام العدو بعمل عدائي على منطقة في جزيرة العرب أو في العراق فيتم الرد في المغرب أو نيجيريا أو إندونيسيا». ويُضيف متحدثاً بشكل أكثر مباشرة عن استخدام العنف: «إن لم نكن أشدّاء في جهادنا وتملكتنا الرخاوة كان ذلك عاملًا رئيسيًا في فقدان عنصر البأس». وفي سياق آخر يقول: «يجب أن يُصفّ الرهائن بطريقة مروّعة تقذف الرعب في قلوب العدو وأعوانه». بالنسبة لناجي، فالعنف ليس فقط مهمًا، ولكن استخدامه العشوائي، غير المحدد، والمخيف سيكون من الأهمية بمكان لتأسيس الخلافة. بهذا المعنى فإن العنف ليس ببساطة موضوعَ حرب فيزيائية، ولكن أداة استراتيجية يراد لها أن تكون ذات آثار نفسية على المنّفذين ومن يستهدِفهم هذا العُنف.

لو انتقلنا من كتاب إدارة التوحش إلى إصدارات داعش نفسها فإننا سنرى نفس الثبات على العنف المتعمّد المُضخّم من خلال استخدام الصور القاسية والبيانات التحذيرية واللِعانات اللاذعة. أصدرت داعش رسميًا عددًا وافرًا من فيديوهات الإعدامات، والقليل من الإصدارات الدعائية المطوّلة وربما أهمها، سبعة إصدارات من مجلّتهم الرسمية، المعنونة بـ«دابق». في العدد الأول خصّصوا أغلب المساحة لتفصيل ضرورة الخلافة، ولكن قُربَ نهاية العدد تُركّز المجلة على استخدام العنف. في تشابه مع كتاب إدارة التوحش يقول مقال مُبْرَز:

«لخلق أقصى مقدارٍ من فوضى، ركّز الشيخ [أبو مصعب] على توظيف أكثر الأسلحة فَعالية: السيارات المفخخة، العبوات الناسفة والاستشهاديين. كان يأمر بعمليات مكانية في العديد من الأماكن يوميًا، مستهدفًا وقاتِلًا المئات من المرتدين. بالإضافة لذلك فقد حاول إجبار كلّ جماعة مرتدة على الدخول في حربٍ شاملة. لذلك استهدف القوات العراقية المُرتدة (الجيش، الشرطة والمخابرات)، واستهدف الشيعة والأكراد العلمانيين». كان يقول: «هذه الهجمات ستجبر القوات المرتدة على الانسحاب جزئيًا من المناطق الريفية وتعاود التجمع. حينها تقوم الجماعة باستغلال الوضع وتزيد الفوضى إلى حد يصل إلى الانهيار الكامل للأنظمة الطاغية، وضعُ أسماه البعض بـ”الفوضى التعطيليّة”».

في هذه التصريحات، يُشجّع على العنف غير المقيّد كوسيلة لخلق الفوضى. وفي العدد الرابع من المجلة في مقال معنون «تأملات في الحملة الصليبية الأخيرة»، قال المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني أمرًا مُماثِلًا:

قضَّ مضاجعهم، ونغص عليهم عيشهم، وأشغلهم بأنفسهم.

فإذا قدرت على قتل كافر أمريكي أو أوروبي، وأخص منهم الفرنسيين الحاقدين الأنجاس، أو أسترالي أو كندي، أو غيره من الكفار المحاربين، رعايا الدول التي تحالفت على الدولة الإسلامية، فتوكل على الله، واقتله بأي وسيلة أو طريقة كانت، ولا تشاور أحدًا ولا تستفت أحدًا، سواءً أكان الكافر مدنيًا أو عسكريًا، فهم في الحكم سواء…على كل مسلم أن يخرج من داره ويجد صليبيًا ويقتله. من الضروري أن يُنسَبَ القتل إلى أنصار الدولة الإسلامية المطيعين لقيادتها. من السهل أن يتم الأمر بشكل مجهول وإلا أظهرت وسائل الإعلام الصليبية عمليات القتل هذه على أنها عمليات عشوائية.

بالنسبة للعدناني وبقية المبشرين بعقيدة داعش هذا العنف ليس مقيّدًا بالحرب المُشنّة ضمن مناطقهم. يتخيلون حربًا كونيّة مستمرة تستوجب استخدام العنف من قبل كل مسلم ضد أي شخص يُعتبر غير مسلم، ببساطة لا يوجد غير محاربين ولا يوجد طريقة تعتبر إسرافًا في الشدة. هذه المواعظ تجاه العنف تطابقها الصورُ الشنيعة للقتل والتعذيب، مُسعِرة العنف ذاته الذي يدعون إليه. من خلال مجمل الصور والمقالات والقتل، استخدام العنف يدفعه مبدأٌ بسيط يقول بأنه يجب أن يكون غيرَ مقيدٍ وتجب ممارسته بأقصى قسوة مُمكنة ليسَ فقط لهزيمة العدو فيزيائيًا، ولكن لضعضعته نفسيًا أيضًا.

في تناقض مع داعش، عندما قام الفقهاء بتأليف قوانين الحرب بين القرنين الثامن والحادي عشر، كانوا يفعلون بهدف تنظيم العنف وحماية غير المحاربين وحسب الأهداف العامة من القانون. وعلى ذلك، على الرقم من أن داعش ربما تستخدم سوابق تاريخية لتبرير أفعالها، فهي تفعل ذلك من خلال التلاعب بالتراث القضائي واستخدام الآراء الفقهية القديمة من غير الأكثرية والمرفوضة عادة. بالنسبة لداعش، نشر العنف وتوسع الخلافة، بصرف النظر عن إزهاق الأرواح، هو الهدف. بنيانهم القانوني مخلوق لتحقيق هذ المهمة، بغض النظر عن آراء الأكثرية ضمن مجمل الفكر الإسلامي القضائي.

تفسير ما هو إسلامي وما هو غير إسلامي

بالنسبة للمبتدأين فالقانون الإسلامي لم يكن أبدًا أمرًا مُطلقًا. ربما يُفاجئ المرء لتواجد تعدديّة في قانون الله، ولكن الواقع هو أنّ التعدد القانوني كان الشرط اللازم للقانون الإسلامي. لقد فهم السّنة بعد موت النبي أن الوصول إلى الله، المشرِّع، قد توقف وما بقي كان فقط المصادر النصّية: القرآن والحديث لهداية الناس بعده. بعد ذلك أصبح على عاتق الفقهاء مسؤوليةُ خلق منهجية تسمح باستنباط القانون من المصادر النصّية وتسمح أيضًا بتأليف صحيحٍ للقوانين في حال غياب نصٍ يُستدلّ مِنه. فما تمّ خلقُه كان نظامًا فقهيًا اجتهاديًا يسمح باستنباط الأحكام القانونية، ويسمح بتأليف قوانين جديدة، وأيضًا بتعديل القوانين الموجودة. مُورِس كُلّ ذلك مع إدراكِ كون الفقيه يصل إلى تقديرِه الأفضل عن إرادة الله في تلك الحالة، ولكن لا يمكن أن يكون متيقنًا لأنّ الصلة المباشرة بين البشر والله قد انقطعت مع موت النبي.

ولعدمِ تمكّنِ أيّ فقيه مِنَ القولِ مُتيقّنًا أنه وصل إلى شرع الله، فمن الممكن تواجد آراءٍ متعددة حول أيِّ قضية. في نفس الوقت اهتمّ الفقهاء بألّا ينتُج عن ذلك تعددية غير محدودة، ولذلك قيّدوها بعدّة طُرق: منع العوام من ممارسة الاجتهاد الفقهي، والحدّ من الاجتهاد الفقهي حتى ضِمنَ دوائر الفقهاء، والبحث عن التداخلات ما أمكن. نتج عن تعددية الحكم فهمٌ أنه سيتواجَدُ رأي للأكثرية حول الأحكام، مع قبولٍ أن الآراء الأقلويّة يمكن أن توجد. بالإمكان مقارنة ذلك بِوجود آراء مختلفة في المحكمة الأمريكية العليا حول قضايا قانونية حتى عند وجود نفس الدليل.

عند صياغة القانون الإسلامي فإن الفقهاء يبدؤون بالمصادر النصية، وهي القرآن والحديث.  وكان من الأمور المهمّة الامتثال بحياة النبي نفسه ولذلك أهميّةٌ خاصّة في أي نقاش حول الحروب ذلك لأن النبي نفسه شارك في عِدّة معارك عسكرية. عندما بدأ الفقهاء الحَدِيثَ عن قوانين الحرب، لم يناقشوا فقط المفهومَ الذي نربطه نحن في الغالب بالحرب الإسلامية، ألا وهو الجهاد. في الحقيقة، هم قد طوروا نقاشًا قانونيًا مكثفًا تحت عنوانين «السِّيَرْ»، وهو ما يترجم اليوم على أنّه القانون الإسلامي الدولي. شَمَلَت نقاشات السِّيَر في النصوص القانونية الجهاد، المغازي والأمان، واقتسام الغنائم والهُدَن، والضريبة على غير المسلمين (الجزية). كان الفقهاء حريصين على الإجابة عن ثلاثة أسئلة محورية: متى يكون القتال شرعيًا؟ ما هي الممارساتُ الشرعيّة أثناء القتال؟ وما الذي يجب فعله بعد انتهاء القتال؟ تمركز اهتمام الفقهاء حول الإجابة عن السؤال الثاني، أي ماهية المُمارسات الشرعيّة أثناء القتال. جادَلَ أحمد الداوودي، الذي كتب كتاباً شاملاً عن القانون الإسلامي للحرب بأن الفقهاء قسموا الحرب إلى ثمانية مواضيع[1]، وهي:

  1. حُرمة غير المحارب.
  2. الدّروع البشرية.
  3. الهجوم أثناء الليل.
  4. التمثيل بالموتى.
  5. الأسلحة.
  6. الأمان (المأوى والعبور الآمن).
  7. أسرى الحرب.
  8. معاملة الأسرى.

بينما يظهر الداووي بإيجاز الحجم الهائل من التنوع الحاضر ضمن النقاشات الفقهية، يبين أيضًا في كلِّ حالة أنه كان هناك رأي للأغلبية متجذّر في الفعل النبوي أو الآيات القرآنية.

ذُكِرَ أحد عناصِر منهجيّة داعش في الحروب آنفًا، وهي ترويجهم لقتل الأفراد دونَ تمييزٍ في دولٍ على امتداد العالم. يناقِضُ ذلك النقاشُ الفقهي عن عصمة غير المحارب، إذ أنّ هذا النقاشَ يهدف لحصر العنف ضدّ أي شخص لا يقاتل فِعليًا حتى لو كان يتفق عقائديًا مع العدو. ضَمَنَ علماءٌ مثل سفيان الثوري (توفي عام ٧٨٨) والغزالي (توفي عام ١١١١) والقرفي (توفي عام ١٢٨٥) وكثيرون غيرهم الأمان للنساء والأطفال، الشيوخ والعميان، والمرضى والمجانين، ورجال الدّين و – لربما أكثرهم لفتًا للانتباه – أيّ عسيفٍ، مِثلُ المزارعين، الحرفيين، أو الموظفين غيرِ المشاركين بشكل مباشر في الحرب. في حين تواجُدْ بعض الآراء الأقلوية قائلة إن المُعتقد كافٍ لجعل الفرد جزءًا من «العدو»، أغلبيةُ الفقهاء اتفقت على أن عدوان الفرد المحارب هو العامل الحاسم. كانَ الفقهاء متهمين بتحديد من يعتبر غير محارب للتّأكد من أن العنف كان محصورًا بهؤلاء المُظهِرين للعدوان. وفقط بعد تحديد هويّة المحميّين في أوقات الحرب انتقل الفقهاء لمناقشة الممارسة الفعلية للحرب ضد العدو.

بالانتقال الآن إلى المحاربين لا يجد متابعو ممارساتِ داعش قضيةً أشنَعَ مِنْ وحشيّتهم المهولة في التعامل مع أسرى الحرب. والقسوة في الحرب ليست أمرًا مُستحدثًا، فقد كانت أمرًا اهتمّ الفقهاء بِمُناقشتِه. وَجدَ الفقهاء السّابِقَةَ التاريخية لحلِّ هذه المسائل في وقت النبي محمد. على سبيل المثال، في أحد معاركه العسكرية، قُتِلَ عَّمُ النبي ومُثِّلَ بِجَسَدِه. يُروَى أنه حين عَلِمَ النبي بذلك قال: «لا تغدِروا ولا تُمثّلوا»[2]. أدّت هذه السابقة التاريخية بالنسبة للفقهاء إلى تحريم التّمثيل بالجُثث بِناءً على أنّها يَجِبْ أن تُعامل باحترامٍ بغض النظر عن مُعتقد القتيل. وفي حادثةٍ أخرى بعد زمن النبي، عاد قادة جيش الخليفة الأول أبو بكر من المعركة منتصرين برأس العدو، الأمر الذي نالَ عِقابًا مِنْ أبي بكر. وفي رده على دفاعهم عن فِعلتِهم بالقول «إنهم يفعلون ذلك بنا» قال لهم أبو بكر: «فاستنان بفارس والروم؟! لا يحمل إليّ رأس فإنما يكفي الكتاب والخبر». وفي بيان آخر يُنقل أن أبو بكر قال: «إياكم والمثلة فأنها معصية وفعل قبيح»[3].

وفي أمر ذي علاقة، نَاقَشَ الفقهاء – ضِمنَ نقاشهم عن الأسلحة – استخدام النار واتّفقت الأغلبيّة أيضًا على تحريم ذلك اعتمادًا على القول النبوي: «لا تعاقبوا خلق الله بعذاب الله»[4]. شمل النقاش حول النار مسألة حرق الناس، وأيضًا المباني والمحاصيل، ولكن كلّ الفقهاء تقريبًا منعوا بشكل موحّد استخدام النار كأداةٍ للحرب. فَهِمَ سفيان الثوري والشيباني (توفي عام ٨٠٥) وابن القدماء (توفي عام ١٢٢٣) والشوكاني (توفي عام ١٨٣٤) وكثيرون غيرهم تحريم النار بطريقين: الأولى تحت حكم عدم التمثيل بما أن النار طبيعيًا تمثّل بالجسد، والثانية ضمن إطار حصر العنف. يمكن للنار أن تنتشر بسرعة، وغير المحاربين قد يتأثرون بسهولة، مما يقوّض الحكم الفقهي الأول عن حصر العنف بالمحاربين.

ولكن ابن رشد (توفي عام ١١٩٨) لاحظ أن بعض الفقهاء أجازوا استخدام النار إذا استخدمه العدو أولاً. في هذه الحالة يمكن استخدام النار لتدمير الحصون التي تحمي المحاربين. أصبحت مسألة توظيف النّار أمرًا مُهمًّا إثرَ حَرْقِ الطيار الأردني معاذ الكساسبة. وفي العدد السّابع من مجلّتهم «دابق»، تستشهد داعش بعدة حالات تاريخية تدّعي أن النار استُخدم فيها لقتل العدو. من المهم ملاحظة أنهم لم يقوموا بالاستشهاد بأي نص قانونيّ يبرر الممارسة، بل أنّ تبريرهم كان مبنيًا على حالات تاريخية غير مؤكّدة، واستشهدوا بالآية القرآنية: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} (سورة النحل، الآية ١٢٦). ما عجزوا عن تقديمه هو رسالة الآية كاملة حيث تقول:

{ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ  وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ. وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّٰابِرِينَ. وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}

تدّعي داعش أنه لكونِ المسلمين قد قتلوا بنيران القنابل المُلقاة، فبناء على الآية التي اقتبسوا منها بإمكانهم الرد بحرق أسرى العدو الذي بحوزتهم وهم أحياء. ولكن لو نظرنا إلى سياق الآية، والأحكام القانونية التي وضعها الفقهاء، فإن مزاعم داعش تصبح إشكاليّة. وبغض النظر عما إذا كانت الحوادث التاريخية التي اقتبستها داعش صحيحة، فإنها مُهَوَّنة بتعارض الأدلة.

في الفترة التاريخية التي كان على عاتق الفقهاء إيجاد مبدأ أو قانون متّسق يجمَع بين النصوص المتعارضة أو لا يأخذ بأحد الأدلة المتناقضة مع مبدئٍ أقوى وأكثر قطعيةً. وعلى ذلك فقد حرّم غالبية الفقهاء التمثيل باستخدام النار.

ولهذا التحريم النبوي والفقهي للمثلة واستخدام النار ضد المحاربين صدىً في نقاش معاملة الأسرى. واجه الفقهاء مرة أخرى معضلة بسبب تعارض الآيات: آية قرآنية تقول حول الأسرى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}، بينما آية آخرى تقول: {فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}. ولتعقيد الأمور الأكثر فإن سابق فعل النبي يجده مطلقًا لسراحِ الأسرى في سياقٍ ما، عادمًا إياهم في سياقٍ آخر، ومبادلاً أو مسترقاً في سياقاتٍ أخرى.

في محاولة لحل الاختلاف، أطّر صحابة النبي وأوائل الفقهاء النقاش حول الآية القرآنية التي تقول: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا} (سورة الإنسان، الآية ٨-٩). ومِنْ هذا المُنطَلَق، جادل الفقهاء أن الجيش المنتصر يمكن له أن يبقي أسرى الحرب أو يبادلهم، ولكن ما داموا بحوزة المسلمين فيجب أن يعاملوا بكرامة، ولكن، لأن فعل النبي سمح بهذه الأفعال الأربعة، جادل الفقهاء اللاحقون بين القرنين الثامن والحادي عشر أنّ الخيارات الأربعة جائزة وأن القرار يجب أن يكون بناء على المصلحة العامة للمسلمين. فكرةُ أن كلّ حالة يمكن أن تُقيّم بناءً على المصلحة العامة عندما يكون هناك تعددية للأحكام – أو انعدام وجودِ حكم ثابت – سمحت للفقهاء والحاكم بدرجة معينة من المرونة، وذلك أمرٌ سنعود له لاحقًا.

جادل بروفسور القانون الإسلامي أحمد أحمد في محاولةٍ له لفهم هذ التعددية بأن أفعال النبي وقعت بين قطبين: التعامُل بإحسان بعض النظر عن أفعال العدو[5]، والقطب الآخر هو حماية والدفاع عن حرمة المجتمع الإسلامي المتزايد.[6] على ضوء ذلك، ظل التنوع موجودًا في أفعال النبي وكان على الفقهاء أن يتقبّلوا هذا التنوع وأن يُدركوا المبدأ الرئيسي المُستحكم بِه في الحروب. يجادل الداودي بالقول:

تبيّن نقاشات فقهاء المسلمين القدامى حول القضايا المتعلّقة بالحرب في وقتهم إلى أن اهتمامهم الطاغي كان الخوف من إزهاق أرواح الأعداء غير المحاربين، حتى لو كانَت تلك أضرارًا تَبعيّة. وتبيّنُ النقاشات حول قضايا الدروع البشرية، الهجومات الليلية والأسلحة اهتمامًا متناهٍ بعدم إحداث قتلٍ عشوائيّ بالأبرياء غير المحاربين أثناء العمليات العسكرية. طور الفقهاء جرّاء ذلك مبدأً متكامِلًا عن حصانة غير المحاربين اعتمادًا على مصادر إسلامية معيّنة تهدف لتنظيم سياقات الحروب محددة.

بالاتفاق مع هذين الهدفين، ومن أجل حماية غير المحاربين وتنظيم الحروب بالتّحديد، توافقَ الفقهاء على ما هو بنظرهم قراءة صحيحة للنصوص المرجعيّة وقراءةً صحيحة للتاريخ، الأمر جعلهم قادرين على الاتفاق على مبادئ إرشاديّة لسلوكيّات الحرب. ولكن على الرغم من كون تنظيم الحروب والعنف وحماية غير المحاربين أهدافًا طاغية للقانون الإسلامي المتعلّق بالحروب، صاغ الفقهاء كيفيّة تحقيقَ هذه المفاهيم بطرق مختلفة، وعلى ذلك فلكل قضية من الثمان التي تم تسليط الضوء عليها غيرها من القضايا، كان هنالك حكم للأغلبية وافق عليهم أكثرهم، ومن ثم تعدّد من الأحكام المنافسة. يصبح السؤال: كيف للمرء أن يختار الحكم لتطبيقه ومتى؟

لو قمنا بالإحالة على الخيارات الأربعة المتعلقة بأسرى الحرب، فإن الفقهاء في القرن الثامن إلى القرن العاشر قالوا في آخر المطاف إلى أنّ كل واحدٍ من هذه الخيارات الأربعة هو صالح ولكنّ الاختيار يجب أن يكون بناءً على المصلحة العامة للمجتمع. والمعنى الأوضح لذلك هو أنه أيًا يكُن مُتّخذ القرار لما يجب فعله بأسرى الحرب يجب أن يكون محيطًا بالمبادئ الإرشادية للحروب وبالحثّ النبوي العام بحسن معاملة الأسرى وبما هو في مصلحة المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت، ومن ثم يتمّ التقرير استنادًا لهذه الأمور. إذن فالقرار المُتَّخذ يعكس المبادئ الإرشاديّة للحروب وعقلية الشخص المتّخذ للقرار واللحظة التاريخية أكثر ممّا يعكس ما سمحت به الأحكام التاريخية الموضوعة في القرن الثامن. من المهم قول شيء ما هنا حول المفهوم الضبابي للمصلحة العامة.

مع تعددية الأحكام الحاضرة في أي قضية معطاة، كيف كان للحاكم أن يقرر؟ في أغلب الأحيان لم يكن الحاكم هو من يُصدر القوانين، أو يطبق القانون في الفترة الإسلامية الكلاسيكية، ولكن إذا ومتى برزت قضية أثّرت على نطاق الحياة العامّة – كالحرب – لعب الحاكم دورًا مهمًا. عند تقرير ماهية الحكم الواجب تطبيقه، كانت المصلحة العامة للمجتمع تُفهم في سياقها وبناءً على الأهداف العامة للقانون الإسلامي (المقاصد). يعطي الغزالي الصياغة الدامغة الأولى للفكرة ويقول عن وجود خمسة أهداف عامة للقانون الإسلامي، وهي: حفظ النفس والعقل، والدين والمال، والعرض، وهذه الأهداف كانت تُفهم على أنها تشمل المسلمين وغير المسلمين سواء. وعلى هذا لو عدنا إلى قضية أسرى الحرب، فإن القرار حول مصيرهم سوف يُتخذ بناءً على الأهداف العامة للقانون والأهداف الخاصة لقوانين الحروب. والآراء التي صيغت على أنها آراء للأغلبية كانت تفهم على أنها تحقق كلًا من هذين النوعين من الأهداف، ولكنّ الفقهاء أدركوا أنّ الأحكام يجب بالضرورة أن تتغيّر مع تغيّر الظرف، وعلى هذا كان على القانون أن يظل مرنًا سلسًا.

لا تَجِدُ التعددية القانونية التي كانت السمة المُعرِّفة للنظام القانوني الإسلامي الكلاسيكي لها مكانًا لدى داعش، حيث القانون مُطبّق بشكلٍ موحّد بدون ترك أيّ مساحةٍ للتفاوض. وعلى ذلك ليست داعش تختار القوانين انتقائيًا من التاريخ فحسب بل تفعل ذلك بطريقة فيها قراءة التاريخ الإسلامي والنصوص الدينية الإسلامية، مناقضة بذلك قراءة واستنتاج الفقهاء في الفترة التاريخية الصائغة للقانون. وعند معاينة ثقافة المحاكم للقرن الثامن حتى الفترة العثمانية كان السائد أن تكون المحكمة تعمل كمؤسسة وسيطة تسوي الخلافات بين الأفراد، أو تتوسط بين القانون كما يتصوره الفقهاء، والقانون كما هو مُطبّق من قبل الناس.

في كتابين مهمين يقيمان نظام المحاكم الإسلامي، «توزيع العدالة في الإسلام: القضاة وأحكامهم» و«التفسير القانوني الإسلامي: المفتون وفتاويهم»، نرى حالات غفيرة حيث يطعنُ الأفراد في حكم الفقيه ويسعون لاستشارة قانونية مختلفة من فقهاء آخرين. تعددية القانون وإمكانية الأفراد المطبِّقين للقانون لأن يكونوا فاعلين في عملية تطبيق القانون كانت أمرًا جوهريًا. بهذه الطريقة كان القانون ظاهرة تُطّبق من أسفل إلى أعلى، حيث يحاول فيها الفقهاء استنتاج القانون الإلهي وتطبيقه ضمن مجتمعهم وعلى حيوات الأفراد بناءً على السياق والظرف. بينما تظهر هذه المرونة على أنها تهدد أن تؤول إلى قانون نفعيّ صعبٌ الانقياد فإن النظام الاجتهادي الذي صنعه الفقهاء وكان يهدف في نفس الوقت إلى خلق معايير صارمة للمزاولة القانونية تجعل من التغيير والإبداع ممكنين.

ما نراه مع القانون في داعش هو قلبٌ للفهم التصاعديّ المذكور أعلاه وتحويله – عوضًا عن ذلك – لقانون مفرد ثابت يطبق بنموذج من أعلى إلى أسفل، ويفرض على الجماهير بدون اعتبارٍ للمجتمع أو العادات. وبينما ستتحدث داعش عن القانون باستخدام لغة المصلحة العامة، فإن المصلحة العامة تُرَى عبر عدسات خلق الفوضى وإنشاء الخلافة. وبذلك، هم يتبنون نموذجًا من أعلى إلى أسفل تكون المصلحة العامة فيه مسألة ثانوية بالنسبة لأهدافهم الأكبر وتُختَزل فيما يتصوره البغدادي ومناصروه.

إذا عدنا مجددًا للخيارات الأربعة الموجودة عن أسرى الحرب، وهم إطلاق سراحهم أو إعدامهم أو مبادلتهم أو استرقاقهم، من مجمل النقاش أعلاه بالنسبة للقانون الإسلامي، والمبادئ المعينة الموجهة للحروب، فهناك أربعة طرق يمكن للفقهاء أن يجادلوا بها ضد قسوة داعش. الأول ببساطة هو أن إعدام غير المحاربين هو ضد مبادئ الحروب القانونية ذاتها التي تحمي غير المحاربين وتنظّم العنف. الثاني أنه لو كانت داعش تجادل أن المصلحة العامة هي في القسوة، فإنهم فشلوا في بيان أن المصلحة العامة لكل المجتمع المسلم في العالم هي في القسوة. بل أن الرفض الشديدة لعنف داعش من قبل المسلمين يظهر أن أغلبية المسلمين لا يرون أن في أفعالهم المصلحة العامة للمجتمع. ثالثاً، بالإضافة إلى انتهاكها لمبادئ الحروب في الإسلام والمصلحة العامة للمجتمع، فإن داعش هي أيضًا تضعضع مقاصد القانون الإسلامي، وبالتحديد حفظ الروح والتي تمتد لشمل المسلمين وغير المسلمين سواء. أخيرًا، تقوّض الطريقة التي تفرض بها داعش القانون بشكل موحّد واستبدادي من تعددية القانون ذاتها وتقوّض القدرة على أن يؤخذ الأفراد والعادات والمجتمعات في الحسبان أيضًا.

داعش هذه ليست ظاهرة جديدة في التاريخ الإسلامي وفيها تشابهات مدهشة مع الجماعة ذات الآراء المتطرفة، ألا وهي الخوارج، والتي نشأت بعد ثلاثين سنة من وفاة النبي. كان الخوارج مؤيدين للحكم المطلق، يجذّرون مقاربتهم عن طريق فهمٍ حرفيٍ للنص. المبدأ الأساسي كان أن الحكم يكون لله فقط، وعلى ذلك يكون على أساس القرآن، وأن المختلفين معهم في الرأي، أو من لا يتبّعون عقائدهم عمّا يجب أن يكون عليه القانون الإسلامي، كانوا يُكفّرون باعتماد أنهم غير مؤمنين وكانوا يُستهدفون بالقتل. الميزة الأكثر بروزًا في الخوارج هي أفكارهم حول الشرعية بالنسبة لقراءة النص القرآني، حيث يجادلون ويقاتلون ضد أصحاب النبي الذين عاصروا زمن الوحي ونشوء القانون. هذه مثالٌ مبكّر لأقلية تعارض آراء الأغلبية. وحيث أن الخوارج حصلوا على بعض الزخم، فإن فشلهم في آخر المطاف يفصح عن مشاكل قطع الصلة مع المجتمع القانوني والمجادلة من خلال النّص لوحده وعدم وضع أي اعتبار لجميع المبادئ الحاكمة. صمد الخوارج لقرنين ولكنهم لم يجدوا قبولًا واسعًا بسبب منهجيتهم القانونية.

لو كانت داعش تدعي أنها إسلامية، يجب عليها أن تبني ادعائها للشرعية وقانونها حول السوابق التاريخية، ولكن كيفيّة فهمهم لذلك السابق التاريخي وكيفيّة تعاطيهم مع ذلك السابق التاريخي تفصح أكثر عن قسوة عقيدتهم ومنهجيتهم أكثر مما تفصح عن القانون الإسلامي الكلاسيكي. لو كانت داعش تغيّر الطريقة التي يُفهَمُ فيها القانون بشكل أساسي، ومعها المعايير ذاتها التي تحكم التفكير القانوني في مجالات مختلفة، إذن فعلى الأفراد أن يرفضوا ثنائية «الإسلامي» و«غير إسلامي» السطحيّة وأن يخوضوا بِعُمقٍ أكثر في هذه النقاشات. لا ينفي هذا أيضًا حقيقة كون وجود داعش منبعث من التدهور العسكري والثقافي المنهجي والمستمر للمنطقة التي تتحكم بها الآن، ولكن الهدف هو تقييم ادعائها بكونها إسلامية بشكل جدّي مُتجاوزًا الأصوات الناشزة لمن يوافقون أو يعارضون.

كما جادل خوان كول، فكل دين لديه «مركز جاذبية» يسمح له بتحديد ما هو معياري وما هو غير معياري. هل يمكن نظريًا لشخص أن يدعي بأنه مسلم ملحد؟ نعم، ولكن ذلك سيناقض بشكل أساسي الافتراضات العقدية المعيارية للإسلام. الأمر شبيه مع داعش، فقط لأنهم يستدعون نصوصًا دينية وسوابق تاريخية لإقامة حجّتهم فذلك لا يضعهم ضمن التراث الإسلامي المعياري. تغيّر داعش منظار ما يفهم على أنه حربٌ ذات شرعية بطريقة تتجاهل تمامًا وتشوه الفهم المعياري. بصيغة أخرى، إنهم يمحون الفهم التعددي للقانون كما تم تكوينه من قبل الفقهاء المسلمين على مدى القرون، وبتضاد يتبنون مفهوم الدولة-الأمة الحديث للقانون المفروض بشكل موحد من سلطة مركزية. هذا يجعل من المستحيل نسبُ داعش للعالم القروسطي. عوضًا عن ذلك يجب أن نقبل أنّ لوجودهم ولعقيدتهم عناصرُ حديثة جدًا.

المصدر: جدليّة


[1]أحمد الداودي، القانون الإسلامي للحرب: التبريرات والتنظيمات (بالغريف مكميلان؛ نيويورك، 2011) ص.111 (إنجليزي)

[2]للنظر في أحاديث أخرى متعلّقة بالأمر، أنظر صحيح مسلم، المجلّد الثالث: 9328 و8430.

[3]النووي، المجموع شرح المهذّب. الجزء الواحد والعشرين: ص. 8. للنظر في قائمة المراجع الكاملة، راجع الداودي، ص. 123

[4]الداوي، ص. 123

[5]ومثلها في الآيات القرآنية: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} (سورة المؤمنين، 23) و{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (سورة فصلت، 34)

[6]أحمد أحمد، الإسلام والحداثة والعنف والحياة اليوميّة (بالغريف مكميلان؛ نيويورك، 2009) ص.122-123 (إنجليزي)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s