اليونان: الحياة في ظل سياسات التقشّف

عامِلة يونانيّة في قطاع الوجبات السّريعة تتحدّث عن الحياة تحت سياسات التقشّف، وصعوبة التّنظيم العمّالي، ومعنى «لا»

شرطيّ مكافحة شغب يمشي مرورًا بمتسوّل في أثينا (2012)
شرطيّ مكافحة شغب يمشي مرورًا بمتسوّل في أثينا (2012)

إيريك فورمان يجري مقابلة مع إيليني إيليفثيريوس

أطلق اليونانيّونَ الأحد الماضي صيحة «لا» تجاه سياساتِ التقشّف في استفتاءٍ شعبيٍّ تاريخيّ. كانت نتيجة الاستفتاء أن أدلى 61% من المُصوِّتين في الاقتراع بأصواتهم ضدّ صفقة التقشّف المُقتَرَحة من قِبل الدائنين، وصوّت 39% معها، إذ كانت نسبة الإقبال للنّاخبين المؤهّلين حوالي 63% (3.5 مليون شخص في أمّةٍ تعدادُ سكّانها 11 مليون نسمه). ولكن قبل أن ينتهي الأسبوع ذاك، بدى أنّ رئيس الوزراء اليوناني أليكسس تسيبراس انقلب على عقِبيه واقترح حُزمةَ تقشّفٍ جديدة لم تتضمّن إلّا القليل من إجراءات تخفيفِ عبئ الدّيون. ما سيجري عقب ذلك لا يزال مجهولًا – فهل ستقوم «المؤسسات» الأوروبّية، العازِمة على جعلِ اليونان عِبرة، برفض الصّفقة باعتبارها ليس وحشيّة بشكلٍ كافي؟ – ولكن ما هو جليّ على الرغم من كلّ ذلك هو أنّ الأوضاع الاقتصاديّة المميتة التي قاساها الشّعب اليونانيّ مُقررٌ لها أن تستمرّ.

إذًا، كيف غيّرت الخمس سنواتٍ الماضية الحياةَ اليوميّة للطبقة العاملة اليونانيّة؟ كيف يتصوّر الفقراء اليونانيّون من العمّالِ حياتهم والإمكانيّات التاريخيّة المتأصّلة فيها؟ ما هو الدّور الذي يلعبه العمّال والعامِلات في نقاباتهم في هذا الطّريق الوعِر حيث يختفي اليورو مِن البنوك وتنحدر اليونان لاختلالٍ اقتصاديّ مستمر؟ وكيف ينظر العمّال والعامِلات لإمكانيّة خروج اليونان من منطقة اليورو؟

للإجابة على هذه الأسئلة، قام إيرك فورمان بمقابلة مع «إيليني إيليفثيريوس»، وهي عامِلة في مطعم وجبات سريعة في مدينة «سالونيك» في اليونان، في الفترة السّابقة لاستفتاء الأسبوع الماضي. تمّ تعديل المقابلة واقتطاعها للتوضيح.



كيف انتهى بِك الأمر بالعمل في مطاعم الوجبات السّريعة؟

منذ تخرّجي من المدرسة الثانويّة، بدأت بالعمل في متاجر الوجبات السّريعة كلَّ صيف، ولكن حينها لم يكن عليّ العمَل إلّا لأشهرٍ قليلة كلّ عام لقدرة والديّ على توفير بعض المال لأقضي أموري وأنا في الجامعة. كان والدي عامِلًا في مصنع لمدّة خمسة وثلاثين عامًا، وأمّي تعمل كموظّفة مكتبيّة مدنيّة في قاعدة عسكريّة.

ولكن في الأعوام الثلاثة الماضية، وبسبب الأزمة، لم يعد بإمكانِ والديّ توفير المال لي، وبالتالي وجب عليّ إيجادُ وظيفةٍ أدفع مِن خلالها آجار سكني وفواتيري. تقاعد والديّ لأنّ الحكومة ستخفّض رواتِب التقاعد لمن يتقاعدون لاحقًا على ما يبدو.

بدأتُ دراستي الجامعيّة عام 2004، وأنهيتها بعد عشر سنوات بسبب حاجتي للعمل، وأيضًا بسبب انخراطي في الحركة الطلّابيّة. أرادت الحكومة السّابقة – تحت حزب «الديموقراطيّون الجدد» – أن تمرِّرَ تشريعاتٍ جديدة تخصخص بها نظام الجامعات، وكان مِن حسن حظّي أن شاركت في الحركة التي طالبت بإيقاف ذلك، إذ قُمنا باحتلال كلّ كليّات الجامعة لمدّة عامين، وبذلك حقّقنا مُبتغانا، وبسبب هذا النّضال لا يزال التعليم الجامعيّ مجانيًا في اليونان. وبسبب هذه الأحداث تطلّب منّي التخرّج عشرة أعوام، ولكنّي لستُ نادمةً على أيٍ من ذلك، فهو ما جعل منّي ما أنا عليه اليوم.

منذ تخرّجي، أرسلت سيرتي الذّاتيّة (CV) لما يتجاوز المئة شركة، ولم تستجب شركة واحدة حتى. ونِصف الشّركات التي أرسلت لها سيرتي الذاتيّة أغُلِقَت العام الماضي.

ماذا حدث حين بدأت الأزمة؟

كان عام 2010 أول عامٍ تجلّت فيه عواقِب سياسات التقشّف التي فرضها الاتّحاد الأوروبيّ وما يسمّى بحزب «الديموقراطيّة الجديدة»، إذ قاموا بدايةً بتخفيض معاشاتِ التّقاعد ورواتِب القطاع العام. كان النّاس يحلمون بالحصول على وظيفةٍ في القطاع الحكوميّ، إذ توفّر فيه الأمان الوظيفيّ، فكان ذلك أول ما استهدفته حكومة حزب «الديموقراطيّة الجديدة»؛ خفّضوا معاشاتِ التّقاعُد للّنصف تقريبًا وقبِلت الحكومة بكلّ ما أتى مِن الترويكا. كان الحدّ الشّهري الأدنى للأجور حواليّ 700 يورو، قاموا بتقليصِه حتى وصل لـ500 يورو. طردت الشّركاتُ العديد من النّاس وارتفعت البطالة بمستوياتٍ كثيرة.

وحصلت تغييراتٌ في نظام الصّحة العام الذّي لا يزال يُدار مِن قِبل الحكومة. سابقًا، كان الجميع يملكون تأمينًا صحيًا إمّا مِن خِلال مُوظِفيهِم أو – إن كانوا عاطِلين عن العمل – بإمكانهم الحصول على تأمينٍ من الحكومة مباشرةً. وبإمكانِك زيارة الطّبيب بالمجّان في المستشفيات الحكوميّة، ولكن يجب عليك دفع بعض المال للأدوية والعلاجات.

قامت الحكومة السّابِقة بفرضِ نظام مشاركةٍ في السداد إذ عليك دفع 5 يورو لزيارة الطبيب بحدّ ذاتِها. قد لا يبدو ذلك مبلغًا كبيرًا، ولكنّ العديد من النّاس ليس بإمكانِهم تحمّل هذه التّكاليف ولذلك لا يزورون الأطبّاء. وما هو أسوء من نظام السداد المُشترك هو أنّ العديد العديد من النّاس لا يملكون تأمينًا صحيًا الآن ولم يعودوا قادِرين على تحمّل تكاليف الأدوية.

كيف أثّرت الأزمة على عمّال مطاعم الوجبات السّريعة؟

حسنًا، دعني أبدأ أولًا بالتّأمين الصّحي. هنا في اليونان، لكي تحصل على تأمينٌ صحّي كعاملٍ في القطاع الخاص يجب على رئيسك أنّ ينبّه الحكومة بأنّك تعمل عددًا معيّنًا من الساعاتٍ بأجرٍ معيّن. وتعطيك الحكومة بعدها «طوابِع» تُؤهّلِكَ للحصول على تأمين، وتحتسِبها ضمن راتِب تقاعدك. تُلزَمُ الشّركات كلّ ثلاثة أشهر بإرسال تقريرٍ للحكومة يبيّن عدد العاملين لديها وعدد السّاعات التي يعملونها. يحصل العمّال على «طابِع» واحد لكلّ مناوبة تتجاوز الأربع ساعات على الأقلّ.

قبل انتخابِ ائتلاف اليسار الرّاديكالي («سيريزا») للحكم، بإمكانك مع حصولك على مئة طابع مِنَ الحصول على تأمينٍ من الحكومة، ولكن منذ بداية الأزمة بدأت أغلبُ الشّركات بتزوير هذه التقارير، وقلّلوا فيها من عدد السّاعات التي يعملها موظّفوهم كي لا يحصلوا على طوابِع. وسببُ فِعلهم هذا هو أنّ الحكومة تفرض عليهم «ضريبة جدول رواتِب» قدرُها حواليّ 200 يورو لكلّ موظّف شهريًا تغطّي تأمين موظّفيهم.

إن لم يكن لديك طوابِع كافيّة لأنّك لم تعمل ساعاتٍ كافية – كما يظهر في التّقارير – فمعنى ذلك هو عدم تأهُّلِك للحصول على تأمينٍ صحّي وبذلك لن يضطّر رئيسُك لدفع ضريبة هذا التّأمين. وإن مرِضت فعليك دفع كلّ تكاليف عِلاجك، وذلك أمرٌ مستحيل.

قبل وصول «سيريزا» للحكم، مرّرت حكومة «الديموقراطيّة الجديدة» فِعلًا قانونًا يحارب التزوير لمنع الرؤساء من تقليل ساعات العمل في التقارير، وفرضوا غرامة قدرُها 10 آلاف يورو على الرؤساء الذين لا يدفعون ما يتوجّب دفعه من أسعار الطوابع. وكان ذلك بالنّسبةِ للعمّال سلاحًا إضافيًا بإمكانِهم توظيفُه لتهديد الرؤساء.

تمكّن العمال في بعض الحالات من استخدام هذا السّلاح لتهديد رؤسائهم والحصول على طوابعهم ليحصلوا على تأمين، ولكن المشكلة هذه ما تزال قائمة. على سبيل المثال، بعد العملِ لمدّة شهرين في المطعم الذي أعمل فيه حاليًا، بدأت بالسّؤال حول الحصول على تأمين، وسألت رؤسائي حواليّ خمس مرّات، ولكنّهم تجاهلونني.

وبعد حواليّ ثمانية أشهر من العمل في المطعم ذاته، رآني رئيسي في صفِّ اعتصام في إضرابٍ لدى مطعم وجباتٍ سريعة آخر، فأنا عضوة في «نقابة النادلين والطبّاخين» هنا في مدينة «سالونيك». وحين عُدت للعمل، كان أحد رؤسائي – ولديّ أربعة مِنهم – جالسًا في المطعم يقرأ نشرة لأحد زُملائي، النشرة ذاتها التي كنّا نوزّعها في الاعتصام. لم أكن خائفة من أن أُطرَد – إذ أعلم أنّهم إن قاموا بأيّ شيء، سيأتي أربعون شخصًا للتظاهر أمام المطعم.

بعد انتهاء مناوبتي، عرض عليّ رئيسي أن يُوصِلني للمنزل وسألني: «إليني، هل يوجد لديكِ أيّة مشاكل هنا؟ إن كان لديك أيّة مشاكل بإمكاننا مناقشتها»، فأجبته: «نعم، لديّ مشاكل بالفعل، أريد أن أحصل على تأمينٍ صحّي». هل تعلم بماذا أجاب؟ قال أنّه نسي أن يُرسِل ملفّي. إذًا، بعد ثمانية أشهر من العمل في هذه الوظيفة، قام بإرسال ملفّي وحصلت على تأمينٍ صحّي.

أعرف العديد من العمّال الآخرين الذين طلبوا من رؤسائهم إرسال طوابِعهم وتمّ طردهم. كان من حسن حظّي أنّ رئيسي ليس بتلك العدوانيّة. ولكن مع ذلك، فهم الآن لا يحتسبون إلّا نصف عدد ساعات عملي. فأنا أعمل ما بين الثمان للعشر ساعات يوميًا، ولكنّ رئيسي لا يحسب إلّا نِصف عدد ساعاتي، وذلك يعني أنّني أحصل على تأمينٍ صحّي، ولكنّ طوابعي لا تُحتسب ضمن معاش التقاعد.

ما هو مستوى الأجور في قطاع الوجبات السّريعة؟

منذ تخفيض الحدّ الأدنى للأجور لـ500 يورو أعقاب بداية الأزمة، أصبحت أغلبيّة العمّال في هذا القطاع تحصل على حوالي 3 يورو للسّاعة. بالطّبع، إن أراد رئيسُكَ أن يعطيك أكثر من ذلك فبإمكانه القيام بذلك، ولكنّ أغلب الرؤساء يُبرِمون عقودَ عملٍ برواتِب منخفضة. فكما هو واضح، إن كان بإمكانك دفعُ رواتِب أقلّ، فستفعل ذلك بالتأكيد.

راتبيّ الحالي هو 4 يورو للساعة، وأعرف صديقًا واحدًا يحصل على 5 يورو في السّاعة، ولكنّ الأغلبيّة يحصلون على 3 أو 3.50 يورو. هذه الوظائف تشمل من يصنعون القهوة طوال اليوم أو يعملون على خَبْزِ البيتزا في درجة حرارة تصل للـ40 مئويّة أو توصيلها في زُحام الشّوارِع على دراجاتٍ ناريّة صغيرة. ينتهي الوضع لدى أغلب الناس بأن يحصلوا على 500 يورو شهريًا، ولربّما تزيد قليلًا.

ما هو وضع ساعات العمل؟ وكيف تجري الجدولة؟

يعتمد ذلِك على المَتجر. ففي بعض المقاهي، ستجِدُ أناسًا يعملون من العاشرة صباحًا وحتى الثالثة والنّصف عصرًا، أمّا بعض المقاهي الأخرى المفتوحة 24 ساعة يوميًا، توجد مناوبتان أو ثلاث يوميًا، إذ يعمل النّاس هناك اثنا عشر ساعة يوميًا. خلال العامين الماضيين، لم أكن أعمل إلّا ليلًا، وتعتمد ساعات العمل على اليوم المعنيّ وجدول المتجر نفسه.  في أيامٍ معيّنة أعمل لمدّة سبع لثمانِ ساعات، وأمّا في عطلة نهاية الأسبوع أعملُ لمدّة عشر ساعات، منذ الثامنة مساءً وحتى السادسة صباحًا.

في كلّ المتاجر الأخرى التي أعرِفها، يتغيّر الجدول أسبوعيًا. أمّا في المتجر الذي أعملُ فيه، قُمنا – لحسن الحظ – بتغيير ذلك بحيث نُنظّم نحن جدولنا بأنفُسِنا. في الشّتاء، أعمل أربعة أيامٍ أسبوعيًا، وأمّا في الصّيف حيث لا يكثر الزّبائن، أحصل على يومين من العمل.

كيف يكافح عمّال الوجبات السريعة ليبقوا على قيد الحياة؟

الأوضاع صعبةٌ جدًا. دعني أشرح قليلًا. انخفضت الإيجارات خلال الخمس سنواتٍ الماضية، ولذا بإمكانك إيجاد مسكنٍ بحواليّ 150 يورو، قد لا يكون مسكنًا جميلًا جدًا، ولكنّ على الأقل لديك سقف تستظلّ بِه. يدفع أغلب النّاس حوالي 200 يورو للإيجار، ومع الفواتير الأخرى – الغاز والماء والكهرباء – تحتاج لحواليّ 250 يورو.

إن كُنتَ تحصل على 500 يورو شهريًا، وهذا هو الحدّ الأدنى للأجور وراتِب أغلب موظّفي هذا القطاع، فسينتهي بك المطاف بأن تعيش على 50 لـ100 يورو للشّهر الكامل. إن كنت تعيش لوحدك وليس لديك أطفالٌ أو أفراد عائلة تعيلهم وتُطعِمهم، قد تكون الحياة صعبة عليك، ولكنّها ممكنة. وأمّا إن كان لديك من تعيله، فالوضع يستاء بشدّه.

أغلبُ زملائي الأربعة في العمل لديهم أطفال، وهم الأفراد الوحيدون الذين يعلمون في عوائلهم، لأنّ زوجهم أو زوجتهم تمّ تسريحهم أثناء الأزمة. يعملُ كلٌ منهم لأجل إعالة عائلاتهم إلى ما يصل لاثنا عشر وأربعة عشر ساعة يوميًا. والعمل لهذا العدد من السّاعات أمرٌ غير قانونيّ، ولكن ليس لديهم طريقة أخرى للمعيشة.

إن كنت في هذه الحال، فأنت تقوم واقِعًا بعملِ شخصين، فساعات عمِلك تصل لضعف أسبوع العمل الاعتياديّ: ستّين لثمانين ساعة أسبوعيًا. وفي هذه الحال، أنت لا ترى أطفالك أبدًا. في المتجر الذي أعملُ فيه، الرّاتب هو 4 يورو للسّاعة، فبالإمكان الحصول على 1000 يورو شهريًا إن كنت تعمل بهذا القدر من السّاعات. وإن كنت تعمل في متجرٍ حيث الأجرة هي 3 يورو للسّاعة، فوضعُك أسوء بالتّأكيد.

وهنالك أيضًا عمّالٌ يُدفَعُ لهم راتبٌ ثابِت لمناوباتِهم، 30 يورو مثلًا، وهذا هو الحدّ الأقصى. تخيّل إذًا إن كنت تعمل عادةً ثمان ساعات، فأنت تحصل على ما يتجاوز الـ3 يورو للسّاعة بقليل. وإن قضيت ساعتين أكثر لتنظيف المتجر في الأيام المزدحمة بالزبائن، فلن يُدفع لك أجرها، وأنت الآن تحصل على 3 يورو للسّاعة.

ما هي قيمة أسياخ الدّجاج اليونانيّة (سوفلاكي)؟ وهل لا يزال الرؤساء يحقّقون أرباحًا؟

يُسرُّني كونك سألت هذا السؤال، فقد حصلت أنا شخصيًا على دكتوراه في السوفلاكي خلال الخمس سنواتٍ الماضية. في المتجر الذي أعمل فيه، حيث أحصل على 4 يورو للسّاعة، قيمة السوفلاكي 3 يورو. أمّا في الجهة الأخرى من الشّارع، قيمة السوفلاكي 1.50 يورو، وهنالك محلّات بيتزا تبيع الشّريحة الواحدة بقيمة 80 سنت-يورو. بإمكانك تخيّل مدى انخفاض الأجور كَي يحقّق الرؤساء أرباحًا.

الأرجح أنّ قطاع الوجبات السّريعة يملك أكبر حصّة من العمالة. متاجر البيتزا والحانات والمقاهي ومتاجر الوجبات السّريعة، ولذا هو قطاعٌ كبيرٌ جدًا بأوضاع عملٍ سيئة جدًا. تكاد اليونان ألّا تحوي مصنعًا واحدًا، فأغلبهم أُقفِلوا خلال السنوات الأخيرة بسبب الأزمة، والعديد منهم انتقلوا لبلغاريا حيث بإمكانهم دفعُ أجورٍ أقلّ.

أغلب الشركات الصغيرة تملِكُها إمّا عوائل أو رؤساء وتحوي ثلاثة أو خمسة أو ستّة عمّال. كثيرٌ من هذه الشركات الصّغيرة أُقفِلت أيضًا. فإن مشيت في أرجاء إحدى المدن الكبيرة، سترى أنّ المتاجر مُغلقة، ولكنّ المتاجر المفتوحة لا زالت مفتوحة لأنّها تحقّق أموالًا، لربما لا تكون هذه الأموال كثيرة، ولكنّها تحقّق رِبحًا.

في المتجر الّذي أعمل فيه، ولأننا نحسب ما في آلة تسجيل النّقود ونطلب المنتجات – لذلك نعرف التكاليف والإيرادات – بإمكاننا التّقدير أنّ ما يحقّقه الرّئيس مِن أرباح يقدّر بـ3 آلاف يورو شهريًا، أي ما يكفي لمضاعفة أجور كلّ العمّال، ولكنّه لا يزيد الأجور. عِوضًا عن ذلك، هنالك أربعة رؤساء لا يقومون بأيّ شيء سوى التّسكّع هنا وشرب البيرة وقراءة الجريدة طوال اليوم، وستّة عمّال يحصل كلٌ مِنهم على 4 يورو للسّاعة.

كيف كانت الأوضاع في قطاع الوجبات السّريعة قبل الأزمة؟

لقد كانت أفضل مما هي عليه الآن، وإن لم تكن حقًا جيّدة. بإمكان العامل أن يحصل على 6 يورو للسّاعة، أو حتى 7 يورو. وأغلب الرُّؤساء اتّبعوا أساسيّات قوانين العمل. على سبيل المثال، إن عمِلت طوال الليل حتّى صباح اليوم التالي، يجب أن يدفَع لك أكثر.

لم تعد الأمور كما كانت عليه، وهذه الأمور لا تطبّق الآن في أيّ مكان تقريبًا. فالقوانين تنصّ على أنّ العمل يومَ الأحد يُوجِب الرّئيس أن يُدفَع لك 175% من الأجر لساعات العمل الإضافيّة (overtime). وإن كنت تعمل في الإجازات، يجب أن تحصل على الضّعف. لم تعُد هذه الأمور تُطبّق، مع أنّ عدم تطبيقها مخالف للقانون. لقد أصبح من العاديّ العمَل بدون تأمين صحّي وبدون أجر لساعات العمل الإضافيّة وللعمل في الإجازات. وأتعسُ ما في ذلك أنّ العمّال – بشكلٍ ما – قبِلوا بهذا الحال كالوضع الطبيعيّ الجديد.

كيف تعامَل النّاس مع الأزمة؟

في الخمس السنوات الماضية، أغلب أصدقائي من المدرسة الثانوية غادروا البلاد لإيجاد وظائف. أغلبهم غادروا لشمال أوروبا، أي أنّهم «لاجئون بسبب الاقتصاد». بعضهم يعملون في الحقل الذي درسوا فيه، مِثل الهندسة. وأمّا البعض الآخر يعملون في قطاع الخدمات الغذائيّة. فإن درست الفلسفة، على سبيل المثال، لن تجد عملًا هنا، وحتى لو ذهبت لألمانيا فلن تجد عملًا هناك، وسينتهي بك المطاف بالعمل في قطاع الخدمات الغذائيّة.

هنا في اليونان، إن تمشي في شوارع المدن الكبيرة، سترى آثار الأزمة تنتشر أكثر فأكثر في الخمس سنواتٍ الماضية؛ أناسٌ يبحثون عن الطّعام في أكياس القمامة، وأناسٌ يغضبون على أتفه الأشياء كي يجدوا عذرًا لافتعال شجار. كل هذا الضّغط الكامن في داخلك يجب أن ينفّس عنه بطريقةٍ ما، ونراه أحيانًا ينفّس بُطرقٍ معادية للمجتمع مثل الشجارات.

لقد حدثت انتحاراتٌ كثير جدًا جدًا. ذلك أمرٌ مروِّع، ولكنّ أغلب الناس اعتادوا على هذا الوضع. من المروِّع أن تتقبل اعتيادك على انتحار جيرانِك.

في أحدِ الأيام في طريقي للعمل، مررت بحشدٍ قدره خمسون شخصًا تجمّعوا أسفل أحد المباني. كان هنالك رجلٌ على السّطح يريد أن يقفز من المبنى بسبب الديون. وفي مرّةٍ أخرى حين كان صديقتي في العمل، رأت رجلًا مُسِنًّا لديه عُلبة بنزين بدأ يسكُبُها على جسده، ولكن لحسن الحظّ أمسكه أحد أصدقائي الصالحين وتمكّن من إيقافه قبل أن يُخرِجَ ولّاعته ويُضرِمَ النّار في جسدِه. هذه الأمور تحصل دائمًا.

هل يتدبّر عمّال الوجبات السّريعة عيشتهم؟

في السّنوات الأخيرة، كان لدى «نقابة النادلين والطبّاخين» نضالاتٌ كثيرة في مقرّات العمل الصّغيرة. على سبيل المثال، في مخبز في مدينتنا اسمه «بليه» لم تُدفع الأجور لأغلبِ العمّال لأشهرٍ عِدّة. ظلّت الشّركة تقول للعمّال أنّها لا تمتلك أموالًا وأنّها ستدفع لهم مُستقبلًا. هذا هو الواقع في السنوات الماضية الأخيرة في اليونان. وبذا قرّر بعضهم أن يطالبوا بمستحقّاتِهم، وساعدتهم نقابة مع بعض مجموعاتِ التّضامن الأخرى للحصول على أجورِهم.

استخدمنا تكتيكاتٍ متنوّعة – مظاهراتٍ أمام المخبز، وإشهار أوضاع العمّال في هذا المتجر، والدعوة لمقاطعة. كان ذلك النضال نضالًا كبيرًا في «سالونيك»، وتبِع ذلك العديدُ من النّضالاتِ الصّغيرة، نظّمَ فيها العمّالُ أنفُسَهم للحصول على حقوقهم. وفي أغلبِ هذه النضالات، حصل العمّال على كلّ مُستحقّاتِهم.

ما تزال هذه الأمور مُستمرّة في العديد من المتاجر في هذا القطاع. والمثير للسّخرية هو أنّه حين يسألك شخصٌ إن كان لديك وظيفة وتُجيب بـ«نعم»، ستكون ردّة فِعلهم هي: «واو! لديك وظيفة؟!» فهم يندهشون مِن ذلك. والسّؤال الذي يتليه دائمًا هو: «هل يُصرفُ لك راتِب؟» وإن كان الجواب نعم، سيقولون لك: «واو! على الأقل لديك راتِب. يجب أن تَقْنَعَي بحصولك على وظيفة».

ولهذه الأسباب، يصعب أحيانًا أن تُقنِع العمّال بالنّضال. والواقع هو أنّ هنالك العديد من العمّال الذين لا يُصرَفُ لهم رواتِب، أو يُصرَفُ لهم 100 أو 200 يورو شهريًا. يقول الرّئيس للعمال: «هذا كلّ ما أستطيع إعطائك إيّاه بسبب الأزمة، هل تريده أم لا؟»، والمثير للسّخرية هو أنّه بإمكانك أن ترى كون أمورِ المتجر تجري بأمرٍ طبيعيّ، فالزبائن لا زالوا يراودونه. وبإمكانِك رؤية الأوراق النقديّة تمرّ عبر يدِك إلى آلة تسجيل النّقود. يستغلّ الرؤساء البطالة المرتفعة كي يدفعوا الأجور للأسفل، أو لأجل عدم دفع الأجور.

هل كانت هنالك نضالاتٌ في القطاعات الأخرى؟

لقد كانت هنالك نضالاتٌ أخرى كثيرة، فعلى سبيل المثال، احتلّ الموظّفون فرعًا لمطعم «أبلبيز» (Applebee’s) في «سالونيك» لعدّة أشهر حين أغلقته الشّركة. قام مالِكُ الأرض في آخر المطاف باستدعاء الشّرطة لأجل إخلائهم، ولكنّ ذلك ساعد على إلهام عمّالٍ آخرين في مصنعِ أسمدة «فيو.مي» للأسمدة (Vio.me). في عام 2012، قرّر الرؤساء إغلاق المصنع، ولذا قرّر العمّال أن يحاولوا تشغيل المصنع بأنفسهم – وتلقّوا تضامُنًا من كلّ أنحاءِ العالم.

أرادوا من وزارة العمل أن تكتب قانونًا يشرّع مثل هذه الحالات: إن هجر الرّؤساء شركةً ما، يحقّ للعمّال إدارة الشركة بأنفسهم. تلقّوا دعمًا حينها من «سيريزا» قبل انتخابِها، ولكنّ «سيريزا» لم تفي بوعدها حتى الآن، والآن قد يُغلق المصنع نتيجة أمرِ محكمة. لا زال العمّال يُنتجون أسمدةً، إذ كانوا يعملون في بادئ الأمر بشكلٍ غير قانونيّ، ولكنّهم قاموا بعدها بالاتحاد وتكوين شركة ليتمكّنوا من بيع منتجاتِهم في السّوق. كانت هذه أوّل مرة يحصل فيها مثل هذا الشّيء في اليونان، وهو أمرٌ مُلهِم.

لربما أكبر مثال لتنظيم العمّال الذاتي في اليونان كان استيلاء العمّال على «شبكة الإذاعة والتلفاز اليونانيّة العامة» مِن قِبل موظّفيها حين قرّر حزب «الديموقراطيّة الجديدة» إغلاقها. أغلق الحزب الحاكم حينها الشّبكة العامة وافتتح «شبكة الإذاعة والتلفاز والإنترنت الهيلينية الجديدة» المُدارَة مِن قِبل الحكومة بغرض نشر بروباغاندا الحزب. قام العديد من عمّال الشبكة المُسَرَّحين باحتلال مبنى الشبكة العامّة وتولّوا إدارته ونصّبوا هوائيّات تلفزيونيّة بشكلٍ غير قانونيّ في كلّ أنحاء المدينة.

أصبح العمّال أكثر راديكاليّة: بدأوا بالتواجد في الحركات الاجتماعية في المدينة، منخرطين مع الحركات المختلفة، ولأوّل مرّة أصبحت الشّبكة العامة تلفازًا شعبيًّا لا تلفازًا حكوميًا. احتلّ العمّال المحطّة وشغّلوها بشكلٍ غير قانونيّ كمتطوّعين لمدّة سنتين. واجه العمّال مشاكلًا في البداية مع الشّرطة، ولكنّ النضال كان ضخمًا ودَعَمُ أناسٌ مِن كلّ أرجاء البلاد هؤلاء العمّال.

خافت الدولة من مُلاحَقتِهم، بالخصوص قُبَيْل الانتخابات، فذلك سيشوّه من صورتهم. ولدى حزب «الديموقراطيّة الجديدة» ما يكفيهم من الأعداء، ولديهم محطّة للبروباغندا الخاصة بهم على أيّ حال.

هل تغيّر أيٌ من ذلك بسبب انتخاب «سيريزا»؟

بخصوص الإعلام، أغلقت «سيريزا» تلفاز الدولة الذي أنشأه «الديموقراطية الجديدة» لإذاعة بروباغاندا الحزب، وأعادوا افتتاح الشبكة العامة مع العمّال المُسرّحين، وها هي الشّبكة تعمل. كان ذلك نصرًا كبيرًا. ولكن بالنّسبة لأغلب العمّال، ما تزال الأوضاع سيّئة جدًا. ولا يسعني القول إلّا أنّ أوضاعهم لم تتغيّر كثيرًا. ظلّت «سيريزا» تقول قبل الانتخابات أنّه بإمكانها رفع الأجور لـ600 يورو، وبعد انتخابِهم بعام سيرفعونها لـ700 يورو. ولكنّهم لم يقوموا بأيّ من ذلك.

كانوا على مدى الخمسة أشهرٍ الأخيرة يرتحلون ذهابًا وإيابًا ما بين «بروكسل» و«أثنيا»، محاولين أن يُفاوِضوا. أحد الأمور الجيّدة التي نفّذوها هي خفض عدد الطوابع التي يحتاجها الفرد للحصول على تأمين من مئة طابع لخمسين. ألغوا نظام الدّفع المشترك (copay) في المستشفيات، ولكن لا يزال يجب على الفرد دفع سعر الأدوية الكاملة. إن كان لديك تأمين، فستدفع الحكومة جزءً من السّعر.

قامت «سيريزا» أيضًا بتمريرِ قانونٍ يمنح الجنسيّة اليونانيّة لأبناء المهاجرين المولودين في اليونان. هذه بداية جيّدة على الأقلّ للعديد من المهاجرين. وأمّا بالنّسبة للحراك، فهنالك أمرٌ واحد قد تغيّر: وهو كون عُنفِ الشّرطة انخفض بشكلٍ كبيرٍ جدًا.

أن تذهب لمظاهرة أثناء حكم «الديموقراطيّة الجديدة»، فأنت بحاجة لجلب خوذة وأقنعة لأجل الغاز المسيّل للدموع، فقط لتتمكّن من التنفّس، وكان عُنفُ الشّرطة وحشيًا. وفي «سالونيك» – حين تذهب لمظاهرة – يقوم الشّرطة بمحاصرة المظاهرة وملاحقة المتظاهرين. أمّا الآن فبإمكانك الذّهاب للمظاهرات وأنت تلبس «صندل».

في ذلك الوقت، كان حضورُ مظاهراتٍ كذلك يعطيك شعورًا سيّئًا – وحتى وإن كنت خارج المظاهرة، لربما ستعتقد أنّ المتظاهرين إرهابيّون بسبب مظهرها. ولكن كلّ ذلك تغيّر الآن بعد الانتخابات مباشرةً، لم يعد هنالك شرطة في المظاهرات ولم يعد هنالك عُنف.

ماذا يجب على الشّعب اليونانيّ فِعله حسب اعتقادكِ؟

في السّنوات الأخيرة الماضية، حاول الشّعب اليونانيّ – وبالخصوص الشّباب والعمّال مِنهم – الابتعاد عن الأضواء لكي يحافظوا على وظائفهم وأجورهم، وإن كانت لا تتجاوز الـ500 يورو لا تشمل تأمينًا صحيًا. يجب على النّاس أن يبدؤوا بالتفكير في مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وأن يفكّروا بالمطالبة بحقوقهم من رؤسائهم، ففرضُك لحقوقِك على رئيسك أمرٌ واجِبٌ عليك.

يجب على كلٍ منّا أن القيام بذلك إن أردنا لأبنائنا أن يعيشوا حياةً كريمة، لا أن يحصلوا على 1 يورو في السّاعة أو 100 دراخما [العملة اليونانيّة السابقة لليورو]، حسب ما ستنتهي عليه الأمور. هذا أمرٌ مرتبطٌ بِنا جميعًا. ولست أتحدّث هنا عن الأحزاب السياسية، أنا أتحدّث عن استخدام الهِمّة والقوّة التي يمتلكها العمّال لاسترداد سيطرتهم على حيواتهم الخاصة ومجتمعاتهم عن طريق الحراك الجماعيّ.

أنا عُضوَة في «نقابة النادلين والطّباخين» في «سالونيك»، وهي نقابة لعمّال لقطاع الأطعمة. العديد يسألوننا: «أنا لست نادلًا، أنا أتعامل مع السوفلاكي»، وأقول لهم بأنّ أي شخصٍ يعملُ في أي مكان له علاقة بالأطعمة بإمكانه الانضمام لنا. فهذه نقابة مسجّلة قانونيًا، ولكنّها مُختلفة عن بقيّة النقابات البيروقراطيّة لأننا لا نحتوي أحزابًا سياسيّة مختلفة نشطة داخل النقابة، ولسنا منحازين لأيّ حزبٍ سياسيّ.

جميعُنا عمّال، ولدينا نفس المشاكل، وليس لدينا قياداتٌ تقرّر بالنّيابة عنّا، وإنّما نحن نتّخذ كلّ القرارات في تجمّعنا. نحن نقيم تجمّعينِ شهريًا يحضرهم كلّ الأعضاء. ولدينا مجلسٌ منتخب مكوّن من خمسة، ولكنّنا لا ننتخب المجلس إلّا إذا هُدِّد أحد أعضائنا مِن قبل رؤسائهم، وذلك لوجود قانون في اليونان يمنع طرد إداريّي النقابات. يوفّر ذلك قوّةً لك ليس فقط لأنّه القانون، ولكن لأن الرؤساء يعلمون أنّهم إن يعبثوا معك، فستتواجد مجموعاتٌ تتظاهر أمام المتجر.

أخبرتُ زملائي بعد عامين من العمل أنّني عضوة في هذه النقابة، ووصل كلامي للرؤساء، فبدأوا بالتّعامل معي بلباقة ومقابلتي بالابتسامة، ولا يفكّرون ولو للحظة بألّا يدفعوا أجورنا، وهو ما فعله رؤساءُ آخرون في متاجر أخرى هذا الأسبوع متّخذين الاستفتاء الشّعبي كذريعة.

قبل الأزمة، كانت كلماتٌ كـ«السندكاليّة» و«النقابات» تُخيف النّاس. إذ ظنّوا أنّ معناها هو أن تكون عضوًا في حزبٍ سياسيّ فاسد، وأن يُدفع لك من قبل الحزب وألّا تقوم بشيء في وظيفتك، وأنّك بشكلٍ ما تقف مع الرؤساء لا مع العمّال – ومن الصّعب أن تُقنِع العمّال بأن ينضمّوا لمنظّمةٍ كهذه. ولكنّ النقابات المماثلة للنقابة التي انضممتُ لها – أي النقابات الأفقيّة – أصبح لها شعبيّة أكثر في السنوات الأخيرة من الأزمة. بدأ العمّال بإنشاءِ نقاباتٍ أفقيّة في قطاع الأطعمة في «أثينا» و«وانينا» وغيرها من المدن.

توقّفت شخصيًا عن استخدام كلمات كـ«الحركة العمّالية» و«الطبقة العاملة» لكوني لا أريد أن أتحدّث باسم العمّال كأنّهم كتلة غير متمايزة، فكلّ عاملٍ مختلفٌ عن الآخر. ولكن في السّنوات الأخيرة من الأزمة، بالإمكان أنّ نرى ازديادًا في استقطاب المجتمع، ونرى العمّال يطالبون بأمورٍ أكثر.

إن كانت تجارة المحلّ الذي تعمل بِه لا تجري جيّدًا، وأنت لديك عائلةٌ تعتني بِها، ولكنّ الرئيس يقول بأنّه لا يملك مالًا، فعليك الاختيار: هل تهتمّ أكثر بتجارة رئيسك أم بعائلتك؟ وهو قرارٌ سهل، فعليك أن توفّر لعائلتك لقمة عيشهم وذلك يعني ضرورة النضال كما نقوم نحن في «نقابة النادلين والطبّاخين».

ما هي نظرة زُملائك للاستفتاء الشّعبي؟

كُنت في المتجر حين وصلتني أخبار الاستفتاء. ومباشرةً بعد انتشار الخبر، خَلَت المدينة من الناس وكأنّما هنالك حربٌ قادمة. بإمكانِك أن ترى النّاس مصطفّين أمام مكائن المصرف الآلي ليسحبوا أموالهم من البنك، وكأنّما الحكومة تريد أن تأخذ أموالِهم، فقد أصاب النّاس حالةٌ من الذّعر.

ولكن بعد انتهاء يوم الإثنين، أصبح الوضع أكثر هدوءً وبدأ النّاس بالمجيء للمطعم كالعادة. وبالإمكان سماع ورؤية محادثاتهم حول الاستفتاء، وحول ما إذا يجب أن يصوّتوا بـ«نعم» أو «لا». واستمرّ ذلك الوضع طِوال الأسبوع.

في مقرّ عملي، كلٌ من الموظّفين والرّؤساء سيصوّتون بـ«لا»، وذلك أمرٌ مُهِم، إذ أنّ أغلب الرؤساء في قطاع الوجبات السريعة قد يصوّتون بـ«لا»، لأنّ الاتّحاد الأوروبيّ يريد رفع الضرائب على مُوظِفي قطاع الأغذية – و«سيريزا» رفضت ذلك.

هنالك الكثير من الرؤساء الصغار المنتمين لـ«سيريزا»، والذين يديرون شركاتٍ بحوالي خمسة لعشرة عمّال، ومن الأرجح أنّ الكثير منهم لا يصرفون رواتِبًا لموظّفيهم بما يتوافق مع القانون. فـ«سيريزا» – كأيّ حزبٍ حاكم – تريد أن يصطفّ أغلب النّاس لجانبها: الرؤساء والعمّال والجنود والشّرطة والمتقاعدون، أي كلّ الناس. وذلك أمرٌ طبيعيّ، إذ أنّ أي حكومة سترغب بدعم الأغلبيّة. أمّا في حالة «سيريزا» فهي تريد أن تحمي العمّال والمتقاعدين، ولكن عليها كما هو واضح أن توازن مصالح كل هذه الدوائر الانتخابيّة المختلفة، وذلك سيصعّب على «سيريزا» من القيام بتغييرٍ شديد الراديكالية.

من المُضحِك أن أتناقش أنا مع رئيسي حول «سيريزا» ونتّفق، ولكن هذا هو الهدف الآن، فلا يُوجَد نضالٌ طبقيّ حاليًا ضدّ رؤسائنا، والوضع في هذا الأسبوع هو أنّنا نحن جميعًا و«سيريزا» نقف ضدّ إجراءات الاتّحاد الأوروبي. وهنالك خلافاتٌ بالطّبع بين الرؤساء والعمّال، ولكننا الآن متّحدون حول هذا الاستفتاء.

أغلب الشركات في اليونان في هذا الوقت صغيرة، تجد فيها رئيسًا أو رئيسين وخمسة لاثنا عشر عامِلًا، وأغلب هذه الشركات تدخل في قطاع الخدمات الغذائيّة، بالتّالي بإمكانك أن ترى أنواعًا مُختلفة من الرؤساء في القطاع: رؤساءٌ يميلون لليسار، رؤساءٌ يمينيّون وقاسون جدًا مع عُمّالِهم، ورؤساءٌ يصوّتون لـ«سيريزا»، أو أعضاءٌ في الحزب الشّيوعي. فهم لا يرون أنفسهم كأناسٍ مُتَرَفِّهِين في هذه الأزمة، فهي قد أثّرت في أوضاعهم بشدّة.

أمّا بالنسبة لي، فـ«أوشي» [لا] تعني أنّني لا أريد أن ينخفض أجري مرّة أخرى العام القادم، ولا أريد أن ينخفض معاش التقاعد مرّة أخرى، ولا أريد كلّ إجراءات التقشّف هذه، والتي يجب على اليونانيّين أخذها حسب اعتقاد الأوروبيين. فبالنّسبة لهم، المسألة ليست سوى مسألةِ أرقام، فهم لا يفكّرون بِنا كبشرٍ حقيقيين. ولكن عمومًا، «لا» تعني أننا لا نريد إنقاصًا في مستوى معيشتنا، ولا نريد إنقاصًا في كرامتنا. فنحن الآن بالكاد نحصل على رواتِب.

ماذا تعني «لا» لأغلب الناس؟ هل يراها العمّال كعودةٍ للدراخما؟

لست مُتأكّدة أنّ أغلب أقراني – أي العمّال في القطاع الذي أعمل فيه – يفهمون معنى «لا»، فلم يحاول أحد أن يشرح لنا معناها ولم يحاول أحد هندسة «خطّة باء» في حال خرجنا من منطقة اليورو. وأعتقد أن «سيريزا» لا تريد أن تخرج من اليورو، أو لربّما لا يعلمون كيف ستجري الأمور لو خرجوا.

ولكن أغلب زملائي يعلمون كيف جرت الأمور السنوات الماضية، ويعلمون أنّه لا يمكن أن نسمح لهذا الوضع بأن يستمر، وحتى لو أدى التصويت بـ«لا» لوضعٍ أصعب في السنوات القليلة الماضية، فبإمكاننا تحمّل ذلك إن كنّا سنكسب حياةً كريمة، وسنكسب كرامتنا.

ولكن ليس الجميع كزملائي، فأنا خائفة جدًا مما سيجري في هذا الاستفتاء، فهنالك حملة بروباغاندا ضخمة في الإعلام، من الحكومة السابقة ومن الحركة الاشتراكيّة اليونانيّة (باسوك) ومن «الديموقراطيّة الجديدة» ومن الأوروبيين، فهم يقولون أنّ اليونان ستغادر أوروبا إن مرّ الاستفتاء. ويقولون أنّه، بعد ذلك، سينهار النظام الاقتصاديّ بأكمله ولن يوجد لدينا معاشات للقطاع العام لعدّة أشهر ولن يكون هنالك واردات أو أنّ الواردات ستكون غالية جدًا، أو لن يكون هنالك أدوية، وأنّ وضعنا سيشابه نهاية العالم، وأننا سنصبح بشكلٍ ما شعبًا فاشل.

بعضٌ من الّذين سيصّوتون بـ«نعم» هم أناسٌ استغلّوا الأزمة: الرؤساء الكبار ورجال الأعمال، أي أناسٌ لم تستأ حياتهم بسبب الأزمة، هم وأبناؤهم، ولكن سيكون هنالك أناسٌ سيصوّتون بـ«نعم» أيضًا لأنّهم خائفون من الخيار الآخر.

إن كنت شخصًا يفكّر بشكلٍ عاديّ، وبإمكانك أن ترى كيف استاءت حياتُك خلال الخمس سنواتٍ الماضية – كعاملٍ أو كمتقاعِد – لن يصعب عليك فهم ذلك، لا يمكن أن نعيش كعبيدٍ بعد اليوم. فمعنى هذا الاستفتاء بالنّسبة لي هو التّالي: أن نقول «لا» لهذا النّوع من السياسة، أن نقول «لا» للعيش كالعبيد. لن يحلّ هذا الاستفتاء بالتأكيد كلّ مشاكلنا – ولست أعتقد أن «سيريزا» بإمكانه حلّ كلّ مشاكلي – ولكنّها بدايةٌ جيدة، أن نقول بأننا لا نريد أن نعيش هكذا بعد اليوم.

كمواطِنة في هذا البلد، وكعامِلة، أودّ أن أحصل على بعض المعلومات حول «الخطّة باء» هذه، أي خطّة مغادرة منطقة اليورو، ولكن لا أحد يتحدّث عنها اليوم. تتحدّث الأحزاب اليساريّة الأخرى عنها، ولكن «سيريزا» لا تذكرها.

الواقع هو أنني فقيرة الآن مع اليورو، وسأكون فقيرةً مع الدراخما أيضًا، ولكنّي أعتقد أنّه مع هذه الـ«لا»، سنرى بداية نحو استعادة كرامتنا، فهذه الحياة لا كرامة فيها. ولكن مهما حصل في الخامس من يوليو/تمّوز، فستظلّ الفروقات الطبقيّة مكانها، فأنا سأبقى عامِلة، ورؤسائي سيبقون رؤساءً، وسيستمرّ النّضال.

المصدر: مجلّة جاكوبين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s