خُرافة هيمنة اللوبي الصهيوني

رئيسة الوزراء الإسرائيليّة غولدا مائير مع الرّئيس ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر
رئيسة الوزراء الإسرائيليّة غولدا مائير مع الرّئيس ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر

ديفد ميزنر

في مارس عام ٢٠٠٦، نشرتْ مدرسة كينيدي بجامعة هارفارد ورقةً بقلم البروفسورين «جون ميرشايمر» و«ستيفن والت» على موقعها الإلكتروني. بعدها بفترة، نشرت «لندن رفيو أوف بوكس» نسخةً مختصرةً للورقة بعنوان: «اللوبي الإسرائيلي». وفي عام ٢٠٠٧، صدرت هذه الورقة ذاتها على شكل كتاب. في هذا العمل الأكاديمي النادر لإعادة تعريف الخطاب العام، كسر كتاب «اللوبي الإسرائيلي» التابو الذي يمنع مناقشة قوة لجنة العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية العامة (أيباك) وحلفائها بشكلٍ ضخم.

لكنّ الورقة بالغتْ في تقييم قوة اللوبي. حَجَبَتْ تهم معاداة الساميّة التي لا مفر منها الرؤية عن النقد الرصين الذي تلقته الورقة من أناسٍ كنعوم تشومسكي، الذي أشاد بطرح «ميرشايمر» و«والت» لهذا الموضوع قبل أن يدحض أطروحتهما، فقد أشار تشومسكي إلى أن مصالح الولايات المتحدة غالبًا ما توافقت مع مصالح إسرائيل، وأشار إلى أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط كانت «مشابهة جداً للسياسات التي تصبو إليها في بقية العالم، وهي حتى الآن ناجحة».

تبدو حجّة تشومسكي أكثر إقناعًا اليوم إذ يقوم الرئيس أوباما بمفاوضة إيران حول برنامجها النووي على الرغم من اعتراضات الحكومة الإسرائيلية الحانِقة، بل أن أوباما سابقًا عارَض اللوبي الصهيوني في قضايا أخرى، بدءًا بترشيح «تشك هيغل» وزيرًا للدّفاع وانتهاءً بالعقوبات على إيران. وبعد كلّ ذلك، يُقال إن أمريكا خاضِعة للوبي! بينما تدعم الحكومة الأمريكية هيمنة إسرائيل على فلسطين، فالهيمنة الإسرائيليّة ذاتُها لا تزال تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.

ولأنّ دعم أمريكا لإسرائيل متجذّرٌ في حسابات جيوسياسية صُلبَة، فإن غضب البيت الأبيض حول مناورات الرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فترة الانتخابات لن يؤدي إلى تغيّرٍ في سياسة الولايات المتحدة. دَعْكَ من الخطاب القاسي جداً؛ الحكومة الأمريكية لن تضغط جدّيًا على إسرائيل، ولن يحدث ذلك دون تغيّرٍ سياسيٍّ كبيرٍ لا يزال بعيدًا ولو بدا قريباً.

لا يعني هذا إنكار قوة اللوبي الصهيوني، والذي يتمكن من تسديد ضرباتٍ قويةٍ تفوق حجمه مستفيدًا من غيابِ أي قوّةٍ موازيةٍ له. فبالنسبة لأعضاء الكونغرس، مناهضة اللوبي لا تحملُ أي فوائد سياسية، واحتماليّة أن يتمكن الديموقراطيون في مجلس الشيوخ من وأدِ صفقة أوباما مع إيران دليلٌ واضح على نفوذ اللوبي، فاللوبي يعزّز الولاء من خلال قدرته على إفشال حملات المرشّحين وعبر إعْلامِه المغرِّض الناجح.

ولكن لا يقود اللوبي الصهيوني يهودٌ فقط، بل مسيحيّون محافظون وناشطون معادون للمسلمين أيضًا، وقد استخدم اللوبي الصهيوني «الحرب على الإرهاب» من أجل تحويل إسرائيل لقضيّة «حضاريّة»، صانعًا بذلك بيئة يكون فيها داعمُ العدالةِ للفلسطينيين مشتبهًا به ومتعاطفًا مع الإرهاب وداعمًا للجهاديين.

ومِمّا يتعلّقُ بذلك، فقد جعل اللوبي الدعم غير المشروط علامةً على النوايا الحسنة لدى المحافظين، وبذلك تجني ادّعاءاتُ إسرائيل دعمًا مالياً من مليونيرات يمينيين، من ضمنهم أفرادٌ لا يهتمون بالسياسة الخارجية كثيرًا. فمؤسسة «الإخوة كوتش» (Koch Brothers) على سبيل المثال دعمت حملاتٍ لسحق حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في الولايات المتحدة. اللوبي أكبر وأقوى إذن من مجرّد حفنة مموّلين يهود.

إلا أنّه أقل قوّةً مما ادعى بعض المراقِبون. لِمَ يؤمن كثيرٌ من الناس أن «أيباك» وحلفاءها قابضةٌ على عنق أقوى حكومةٍ في العالم؟ تلعب معاداة الساميّة بالتأكيد دورًا في خلقِ هذه الصورة، فعلى الرغم من تنوّع المنتمين له إلا أن اللوبي لا يزال يُعتبر كيانًا يهوديًا، والبعض لا يقاوم في مخيّلتِه صورةَ اليهود وهم يتجاذبون أطرافَ خيوط الدُمى.

إلا أن الأهمّ من ذلك بكثير هو الجهل بنوايا الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وحسب تصوّر بعض المراقبين، فإن دعم إسرائيل مضرٌّ جداً بالولايات المتحدة – إذ أنّه يشعل عداواتٍ على نطاقٍ واسع – فيفترضُ المراقِبون أنّ اللوبي يضلّون صنّاع القرار الأمريكيين سواءَ السبيل، حيث كَتَبَتْ «ميديا بينيامين» (إحدى مُؤسِسات منظمة CODEPINK) أن «اللّوبي يضعف الدعم الأمريكي للديموقراطية في الشرق الأوسط»، داعمةً بذلك الاعتقاد الغريب (والشائع) أن اللوبي الصهيوني يُفسد مؤسسةً هي – لولا تدخّل «أيباك» – ذات نوايا حسنة.

إن الخطأ الذي يقع فيه لوّامو «أيباك» هو الاعتقاد بأنّ النخب الأمريكية تُريد ما تريده الفئات الشّعبية. ومن أجل تأكيد هذه النّقطة أكثر، يجدر القول بأنّ السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ليست جيّدة للأمريكيين ولا للإنسانية، إلا أن الشيءَ نفسه يمكن أن يُقال عن السياسة الأمريكية الخارجية بعمومِها.

عِند تفحّص السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط سنكتشف منطق دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، فبعملِ إسرائيل كدولة بعميلة، تساعدُ إسرائيل الجهودَ الأمريكية الحثيثة للسيطرة على العالم عبر السيطرة على النفط.

فمذكرةٌ لوزارة الخارجية عام ١٩٤٥ أشارتْ إلى أنّ «مصادر النفط السعودي تُشكّل مصدرًا هائلاً للقوة الاستراتيجية، وهي من أكبر الغنائم في تاريخ العالم». وفي نفس السنة، كتب الرئيس روزفلت -وهو الذي أسس علاقات حميمة مع السعوديّة – إلى الملك ابن سعود، مطمئناً إياه أن الولايات المتحدة لن تتخذ أيّ فعل عدواني على الدول العربية ولن تدعم تكوين دولة يهودية دون استشارتِه أولاً.

روزفلت توفّي بعدها بأسبوع، وبديله هاري ترومان كان أيضًا غير عابئ بالوقوف إلى جانب القضيّة الصهيونيّة بشكلٍ مباشر. لكن في عام ١٩٤٧ – في هذا الوقت يبدو أن روّاد اللّوبي أوقعوا تأثيراً – قام ترومان بدعم خطة التقسيم التي طرحتها الأمم المتحدة والتي تدعو إلى خلق دولة ذات أغلبيّة يهودية، وتُغطّي ٥٦،٤٧٪ من الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد واجه ترومان معارضة وزارة الخارجية التي خشتْ أن موقفًا كهذا سيهدد نواة مصالح الدولة.

وهنا يتبيّن كيف وصف مكتب المؤرخين بوزارة الخارجية موقفه في عهد ترومان:

«نَصحَت وزارة الخارجية – القلِقَة من احتِماليّة زيادة النفوذ السوفييتي في العالم العربي وإمكانية تحجيم إمدادات النفط للولايات المتحدة من قِبَل الدول العربية المنتجة للنفط – بعدم تدخل الولايات المتحدة بالنيابة عن اليهود».

إذن، فالمصالح الأمريكية بقصد التحكم بالمصادر الاقتصادية بالشرق الأوسط ومنع بقية الدول من القيام بذلك كانت جليّةً، ولم يكن واضحًا ما إذا كان الدعم الأمريكي لدولةٍ يهوديةٍ يخدمُ تلك المصالح.

بدأت مناهضة الصهيونية في أوساط المؤسسة السياسية الأمريكية بالتلاشي بعد الانتصار الإسرائيلي وانتزاع الأراضي في ١٩٤٨. فقوّة إسرائيل أبهرتْ مسؤولين على شاكلة رئيس أركان القوات الجوية «هويت فاندنبرغ»، والذي كتب في مذكّرةٍ أنّ «ميزان القوى في الشرق الأدنى والأوسط تغيّر جذريا»، وبأن إسرائيل «أظهرتْ بقوة السلاح حقّها في أن تُعتبر القوة العسكرية القادمة بعد تركيا»، واستنتج بأنّه «كنتيجةٍ لدعمها إسرائيل، فإن الولايات المتحدة قد تجني مميزاتٍ استراتيجية من الوضع السياسي الحديث».

إلا أنّ دعم الحكومة الأمريكية كان لا يزال ناعمًا، فهي لم تعطي حليفها الإسرائيلي أي مساعداتٍ عسكريّةً تُذكر في الخمسينات، حتى جاء النصر الكبير القادم لإسرائيل في عام ١٩٦٧.  هدّدَت القوميّة العربية – ممثلةً في الرئيس المصري جمال عبد الناصر – الهيمنة الأمريكية في المنطقة كما فعل الاتحاد السوفييتي الذي عزز الجانبين المصري والسوري في الحرب. وعبر هزيمة التحالف الذي تقوده مصر، فإن إسرائيل أسدتْ خدمةً ثمينةً للولايات المتحدة (وللسعودية التي كانت تُقاتل حرباً بالوكالة ضدّ مصر في اليمن).

صار مقبولًا على نطاقٍ واسعٍ اعتبارُ حرب الستة أيام بداية ولادة العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة. ولا يقلّ عنها بأهمية، على كل حال، أيلول الأسود؛ الحرب الأهلية بالأردن في عامي ١٩٧٠ و١٩٧١، والتي أصبحت حربًا أخرى بالوكالة في أيام الحرب الباردة. أطلق وزير الخارجية «هنري كيسنجر» أطلق على أيلول الأسود «اختبارًا لقدرتنا على التحكم بالأحداث بالمنطقة».

في يوليو عام ١٩٧٠، دعت خطّة تدعمها الولايات المتحدة لجعل الضفة الغربية تحت حكم الملك حسين الأردني، والذي كان وقتها مشرفًا على غالبية الدولة الفلسطينية. أشعل ذلك الأمر ومعه القمع الذي واجهه الفلسطينيّون ثورةً فلسطينية ترأستها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، وبدرجةٍ أقل منظّمة التحرير الفلسطينية. قال كيسنجر: «غرائز الرئيس تقترحُ أن يتم سحق الفدائيين الآن».

كان المُقلق بالتحديد للولايات المتحدة هو إمكانيّة تدخل دولةٍ مُصطفّةٍ بجانب الاتحاد السوفييتي، مما قد يُغيّر ميزان القوى بالمنطقة. قال الرئيس نيكسون حينها: «إذا تدخل السوريّون أو العراقيّون في الأردن، فهناك اثنان فقط يمكنهم إيقافهم، الإسرائيليون ونحن»، لكن كان لدى الجيش الأمريكي مئات الألوف من الجنود في فيتنام، ولذا اعتمدت الولايات المتحدة على حليفها حين أرسلت سوريا دباباتٍ إلى الأردن.

الحل الأكيد كان الاستعانة بإسرائيل لتكون المنفّذّ الإقليمي للمصالح الأمريكية. وعلى عكس الولايات المتحدة، فإن إسرائيل لم تكن مُقيّدةً بالتزام عسكريّ هائلٍ في جنوب شرق آسيا. فبينما كانت الولايات المتحدة تفتقرُ للقوة البشرية العسكرية والقواعد وخطوط الإمداد والدعم العام من أجل أن تتدخل بفاعليّةٍ في الأردن، فإن إسرائيل كانت جاهزةً وراغبة بذلك.

حلّقت إسرائيل بطائراتها الحربية فوق الأردن، مُرسلةً لسوريا رسالةً جليّة. وبسبب خوف وزير الدّفاع السوري حينا حافظ الأسد من تكبّد هزيمةٍ أخرى أمام إسرائيل، فقد رفض تأمين غطاءٍ جوي للجنود السوريين، مما أجبرهم على التراجع. ومضى الجنودُ الأردنيّون لذبح الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من المدنيين.

في حالةِ وجود أي شكٍّ في أهميّة هذا الحدث لبروز إسرائيل كعميلٍ لأمريكا: ازدادَت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ما بين عامي ١٩٧٠ و١٩٧١ أكثر من ١٧٠٠٪، وارتفعت المصروفات من ٣٠ مليون دولار إلى ٥٤٥ مليون دولار.

هذا الازدياد في شحنات الأسلحة يعكس تغيّرًا في السياسة الخارجية الأمريكية الذي استهلّته «عقيدة نيكسون»، والذي قلل من التأكيد على التدخل الأمريكي المباشر لصالح الاعتماد على العملاء لأمريكا. ارتفَعت المساعدات التسليحية لإيران والسعوديّة أيضًا، جاعلةً من هذه الدول ما أطلق عليه وزير الدفاع ميلفن لايرد: «شرطةٌ حسب الطلب».

الاستراتيجية الأمريكية باستخدام إسرائيل وخصومها الوهميين العرب خَلَقَ تعقيداتٍ خصوصًا خلال حرب أكتوبر عام ١٩٧٣. دعمُ أمريكا لإسرائيل في معركتها ضد مصر بسيناء دَفَع السعوديّة ومنتجي النفط الآخرين لفرض حظر نفطٍ على الولايات المتحدة، مما أدى إلى أزمةٍ نفطية؛ إذا ما كانَ هناك وقتٌ يمكن أن تُغيّر فيه الولايات المتحدة موقفها من إسرائيل فقد حان. ولم تتغيّر.

جعل كلٌ الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان الولايات المتحدة تُعيد التفكير باعتمادها على الوكلاء في المنطقة. فالرئيس كارتر في خطاب «حالة الاتحاد» عام ١٩٨٠ تبرأ من «عقيدة نيكسون» ومهّد الطريق لتدخّلٍ أمريكيٍّ مباشر في المنطقة. قال كارتر: «إنّ محاولة أي قوة خارجية لنيل السيطرة على منطقة الخليج الفارسي ستُعتبر اعتداءً على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية الحيوية، واعتداءٌ كهذا سيتمّ صدّه بأي وسيلة ضرورية، بما فيها القوة العسكرية».

إلا أن الولايات المتحدة واصلت استخدامها للحلفاء من أجل ترسيخ استقرارها. فقد أرسلت ملياراتٍ الدولارات من الأسلحة لمصر، والتي وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل في عام ١٩٧٩. انضمّت مصر بذلك إلى السعودية وإسرائيل كأرجُلٍ لمقعد الهيمنة. وخلال التسعينات – حين ارتفع تعداد المستوطنين في إسرائيل إلى أكثر من ١٥٠,٠٠٠ – دعمت السعودية ومصر وساطةً أمريكية «عملية سلام» لم تكن لتؤدي فعلًا لسيادةٍ فلسطينيةٍ حقيقية، بل كان الرئيس المصري حسني مبارك فاعلاً في محاولة عقدِ صفقةٍ غير مقبولةٍ عند أغلب الفلسطينيين.

اليوم، تقوم كلٌ إسرائيل ومصر والسعودية بمساعدةِ الولايات المتحدة في ردع إيران وسحق أيّ بلبلة ديموقراطية في المنطقة. فقد ساعدوا إدارة أوباما على التأكّد من أن ثورات عامي ٢٠١٠ و٢٠١١ لن تُغيّر من النظم الأساسية في الشرق الأوسط. فبالرغم من الاضطرابات المنتشرة، وبالرغم من الفترة التي صار فيها ممثل الإخوان المسلمين محمد مرسي رئيسًا لمصر، فمقعد الهيمنة لا يزالُ سويًا، ونتنياهو كان يعكس وجهات نظر الحكومة الأمريكيّة حين حذر من الربيع العربي في ٢٠١١؛ وإذا لم يكن ذلك واضحًا وقتها فمن المفترض أن يكون واضحاً الآن.

التوترات التي نشأت بين إسرائيل وحلفاء أمريكا العرب في السبعينات تندُر حالياً. وفي الحقيقة، إن إسرائيل هي حليفٌ فعليّ لمصر والسعودية، وعلى الرغم من أن مرسي لم يُقدِمْ إلا على خطواتٍ مبدئية لمساعدة الفلسطينيين في قطاع غزة، فإن ذلك كان كفيلاً بتهديد إسرائيل، فدعمت الانقلاب العسكري الذي أوصل الجنرال عبد الفتاح السيسي للسلطة. السيسي دعم الحصار، ودمّر الأنفاق التي شكّلت شريانًا للحياة في غزة وأغلق معبر رفح الحدودي خلال الحملة الجنونية التي شنتها إسرائيل على غزة. وفي الوقت نفسه، فإن إسرائيل والسعودية يجدان قضيّة مشتركة في معارضتهما لإيران وسوريا وحزب الله.

فمؤخرًا – على سبيل المثال – أكبر المنصّات المشجّعة لنتنياهو يمينَ مجلة «Weekly Standard» كانت منصّاتٍ إعلاميةً مدعومةً سعوديًا، لدرجة أن أسعد أبو خليل كتب: «في كل أزمة في السياسة العربية، فإن الحكم السعودي يصطفّ مع إسرائيل».

وبينما تتنافس حكومتا السعودية ومصر في إثبات أيّهما أكثر وحشية، فالولايات المتحدة ترسل أمنياتها السعيدة لكلتي الدولتين، بالإضافة إلى الأسلحة. إذا كان وجود اللّوبي الصهيوني يفسّر الدعم الأمريكي لإسرائيل، فما الذي يفسّر علاقتها المشابهة – بل والأقل توترًا – مع السعودية؟ إذا كانت الضغوط السياسية المحلية الأمريكية سببًا في تمويل الولايات المتحدة لوحشية إسرائيل، فما الذي يجعلها تدعم ديكتاتورية مصر العسكرية؟

كان زاك بوشامب من موقع «Vox» الإخبار ببساطة مُصيبًا حين قال أن الولايات المتحدة تعتقد أنهُ «دعمُ دولٍ مثل مصر والسعودية وإسرائيل ذو قيمةٍ استراتيجية، إذ أنّ هذه دولٌ ترى كونها مُستفيدةً من مقاربةٍ أمريكية متحفّظة لسياسات الشرق الأوسط الإقليمية». إلا أن زاك يقول هنا أكثر مما يدرك؛ فهو يربط ديموقراطية إسرائيل الزائفة بالديكتاتوريات الرسميّة. فلرئيس الشرطة العالميّة في واشنطن، اتّضح أنّ معزوفة كون إسرائيل «الديموقراطية الأوحد في الشرق الأوسط» ليست إلّا حصنًا مناوئ للديموقراطية.

السبب وراء دعم الولايات المتحدة لإسرائيل يتّضح إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما سيحدث لو استقلّ الفلسطينيّون أو أصبحوا غالبيّة في دولة ديموقراطية متعددة الأعراق. فكلٌ الأمرين سيقلب «الاستقرار» المدعوم أمريكيًا.

سيحاول الفلسطينيون في الأردن وفي غيرها من الدول ممارسة حقّهم في العودة، وبعدها ستُحاول شعوب الشرق الأوسط المقموعة النهوض ومطالبة الديكتاتوريات بذات الحرّية التي حصل عليها الفلسطينيّون من إسرائيل. التحرير الفلسطيني سيُشعل سلسلةً من الأحداث التي قد تُحرر المنطقة كليًا من القبضة الأمريكية حين تُطالب الشعوب بعوائد النفط لأجلها، وليس للأنظمة الملكية ولا للشركات الغربية.

لهذا السبب، لا توجد مصادقيّة لمزاعم الدعم الأمريكي للتحرير الفلسطيني كما لا توجد مصداقيّة لتلك المزاعم من نتنياهو. أيّ شيءٍ سوى دولة فلسطينية واهنة سيُهدد التفوّق الأمريكيّ الثابت والبالغ من العمر سبعين عامًا. وتلك الاحتمالية – وليس اللوبي الصهيوني – هي السبب الرئيسي وراء وقفة الولايات المتحدة وحيدةً عمليًا من بين دول العالم في الدعم اللا محدود للوحشية الإسرائيلية ضد فلسطين.

الحكومة الأمريكية لا تُضحّي بأولويةٍ جيوسياسية بمجرّد أن تطلب جماعة ضغطٍ مّا منها ذلك – أو لأنّ رئيساً إسرائيليًا أغضب نظيره الأمريكي. هؤلاء الذين أَمِلوا أنّ المشاحنة بين أوباما ونتنياهو وحدها ستُنذر بتغيّر جذري في السياسة ستخيب آمالهم.

إلا أنّ الصدوع في تلك العلاقة الخاصة مفيدة. فحركة المقاطعة وغيرها من مكوّنات الحركات التحريرية الفلسطينية تستطيع استثمار تلك لصدوع في جهودها لعزل الحكومة الإسرائيلية وتحويلها لكائنٍ منبوذٍ بالنسبة للولايات المتحدة. هذه الحركات آخذةٌ في التضخّم، والأجيال الجديدة من الأمريكيين سهلٌ انقيادُها وراء هذه الأهداف.

سيكون النضال لأجل كسر دعم أمريكا لإسرائيل نضالًا طويلاً ووحشياً. فجوهرياً، هذا الأمر هو تحدٍّ للطبقة الحاكمة، ومن أجل كسر هذا الدعم، نحتاج لانتزاع الحكومة من الشركات والبنوك. ولكن مهلاً، نحن بحاجة إلى القيام بذلك سواءً أكان الدّعم لإسرائيل موجودًا أم لم يكن.

المصدر: مجلّة جاكوبين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s