القانون ونشأة الرأسماليّة

 

وُلِدَ دريد سكوت عبدًا، ولكنّه رفع دعوى قضائيّة لأجلِ حريّته مُحتجًا بأنّه عبر حدود الولاية لولايةٍ أخرى حيث الاستعباد غيرُ قانونيّ. رفضت المحكمة العليا النّظر في القضية عام 1857 تحت ذريعة كونِ السّود ليسوا مواطنين أمريكيّين لهم حقوق وبالتالي لا يحقّ لهم
وُلِدَ دريد سكوت عبدًا، ولكنّه رفع دعوى قضائيّة لأجلِ حريّته مُحتجًا بأنّه عَبَرَ حدودَ الولاية لولايةٍ أخرى حيث الاستعباد غيرُ قانونيّ. رفضت المحكمة العليا النّظر في القضية عام 1857 تحت ذريعة كونِ السّود ليسوا مواطنين أمريكيّين لهم حقوق وبالتالي لا يحقّ لهم «المثول» أمام محكمةٍ فدراليّة.
صورة إلكترونيّة ©1998 مِن جمعيّة ميزوري التاريخيّة، سينت لويس.

بِقلم: ديفد وايتهاوس

كلٌ من القانونِ وصعود الرأسماليّة موضوعان واسعانِ جدًا، فلذا نحتاجُ لتضييق نطاق النقاش بطريقتين: الأولى هي التركيز على التراث القانوني الأمريكي، مع استعراضٍ طويلٍ نوعًا ما لجذورِه الأوروبيّة، وليس ذلك لأن أوروبا وأمريكا الشماليّة كانتا نموذجًا للتطوّر القانوني احتذى بِه بقيّة العالم، وإنما على العكس تمامًا، تطوّرت الأمور بشكلٍ مختلف في أرجاء العالم بعد نشأةِ الرأسماليّة الغربية، ولذلك فلا يسعنا المجال لذكر كلّ هذه التطوّرات. إن عرض قليلٍ من القصّة الأمريكية سَيَفِي بالحاجة ويزيد على ذلك أيضًا. وأمّا الطريقة الثانية لتضييق نطاق هذا النقاش ستكون عن طريق التركيز على القوانين المرتبطة بالتجارة ومن ضمنها قوانين العقود والممتلكات، هذا النوع من القوانين مثيرٌ للاهتمام لأنه يشير للعلاقات الاقتصاديّة التي تشكل أساسَ حياتنا الاجتماعيّة.

وقبل تقديم الخطوطَ العريضة لهذا النصّ، يجب أولًا ذِكرُ أمرٍ ما حول أهميّة الملكيّة الخاصة: قد تبدو الملكيّة الخاصة كعلاقةٍ بين «شخصٍ» و«شيء»، ولكنّها في الواقع علاقةٌ بين أشخاصٍ مختلفين. تحت النظام الرأسمالي، أغلبُ علاقات الملكيّة يتمّ تجريدها لشرطين بسيطين: حين أملِكُ أنا شيئًا ما، أنت لا تملِكه. أنا لديّ حريّة استخدام الشيء وبيعه والحفاظ عليه وتركِه لشخصٍ آخر حين أموت. والمهمّ هو أنني أملك القوّة القانونيّة لمنعك أنت من القيام بأيٍ من هذه الأمور بهذا الشيء.

ولكونِ «المُلكيّة» علاقةٌ اجتماعيّة، تظهر أنواعٌ جديدة من الملكيّات الخاصة وتتصدّر حين تتغيّر العلاقات الاجتماعيّة – بالخصوص مع تحسّن علاقات الطبقات الاجتماعيّة مع بعضها البعض أو استيائها. سنركّز هنا على أربع مراحِل تَحوّل فيها القانون استجابةً للتطوّرات الاجتماعيّة. أولًا، سننظر للجذور الأساسيّة للقوانين الرأسماليّة، والتي تصل لتوسّع التجارة في أواخر القرون الوسطى، ونوعُ الملكيّة المتصدّر في ذلك الوقت كان البضائع التي بالإمكان نقلها عبر البر والبحر، والقوانين ذاتُها نظّمت الحياة في أوساطِ الطبقات الغنيّة المنخرِطة في التجارة، مثل: التجّار والمصرفيّين. وفي الفترة الثانية، تمّ توسيع القوانين التي نظّمت تجارة البضائع المتحرّكة لتشمل الأراضي. أمّا هذه النقلة فقد عكست صعود البورجوازيّة منذ بداياتِها الصغيرة، وكانت هجومًا مباشِرًا على الموقع الاجتماعيّ لطبقات النبلاء المالِكة للأراضي. أمّا الفترة الثالثة، فسنتّجه فيها من أوروبا لفيرجينيا فترة الاستعمار، حيث نفّذ ملّاك الأراضي أعمالًا قانونيّة رائدة لكيفيّة التعامل مع البشر كممتلكات – مع إضحاء عمالة العبيد الإفريقيين أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه لدى الاقتصاد الجنوبيّ. وفي حالة الفترة الرابعة – ونقصد بها وقتنا الحاضر – يغلب عليها «الاستعبادُ المأجور». والنوع المتصدّر من المكيّات الخاصة في هذه الفترة هو القوّة العاملة. فالعمّال اليوم – قانونيًا – أحرارٌ ومتساوون مع البورجوازيّة، ولكن هيمنة هذه العلاقات القانونيّة يتوافق فِعلًا مع سطوة الرأسماليين على العمّال.

إذًا، سيكون هذا استعراضًا سريعًا للتاريخِ الاجتماعيّ لأربعةِ أنواعٍ من الملكيّة: البضائع والأراضي والعبيد والقوى العامِلة.

الفترة الأولى: البضائع المتحرّكة

سنبدأ أولًا بالحياة التجاريّة للمدن الأوروبيّة في القرون الوسطى. سُمِّيَ سُكّان هذه المُدُن بـ«البورجوازية»، وهو مُصطلح كان يُستخدم مُسبقًا بحلول عام 1007، ومعناهُ بكلّ بساطة هو «قاطِن المدينة». كسب بعضهم معيشتهم عن طريق البيع والشراء فقط، وهُم طبقة التجّار، وثروتهم هؤلاء تتجسّد في المّال وفي الأنواع المختلِفة للبضائع المتحرّكة، أي تِلك التي بالإمكان حملُها ونقلها من شخصٍ لآخر. ولكنّ أغلب الحياة الاقتصاديّة في القرون الوسطى كانت زِراعية، إذ عمِل المزارعون في عقاراتٍ للنبلاء مالكي الأراضي (landholder) في أوضاعٍ شِبه استعباديّة عُرِفت بـ”القنانة” (serfdom). وفي هذه الحالة، كان انتقالُ الثروة مِن الأقنان إلى النبلاء يأتي عن طريق المحصول الزراعيّ، لا الأموال، إذ أنّهم أخذوا حصّةً مُحددة سنويًا مِنه، وأمّا الأقنان فقد نفّذوا عملهم بغرض الاحتفاظ بحقّهم في حراثة الأرض لأجل الحصول على قوتِ يومِهم، أي أنّهم عن طريق ذلك كسبوا معيشتهم، ولكنّهم لم يتاجِروا بما حصدوا.

اعتمد التجّار على المصرفيين لتمويل عمليّاتِ الشراء الكبيرة، والمصرفيّون هؤلاء – بالطبع – يتعاملون بالأموال فقط وليس بالبضائع، وكسبوا معيشتهم عن طريق فرض الفوائد. بالإمكانُ تسمية هاتين المجموعتين – مجتمعِتين – بـ«طبقةٍ رأسماليّة»، لأنّهما عاشتا عن طريق تحويل الأموال لأموالٍ أكثر. ولكنّ لم يكن هنالك نظامٌ رأسماليّ في تلك الفترة، وذلك لسببين: السبب الأول هو أنّ النظام العام كان إقطاعيًا. إذ أنّ النبلاء كانوا هم المهيمنون وثروتهم تجسّدت في الأراضي لا في الأموال، واستغلّوا الأقنان لامتلاكهم لقوّة السّيف. والسبب الثاني هو انعدامُ وجودِ طبقةٍ عاملة لكي يستغلّها الرّأسماليّون، فمع أنّهم امتلكوا أكوامًا كبيرة من الأموال، لم يوظِفوا في هذه الفترة أموالَهُم بغرض التّحكم بعمليّة الإنتاج.

إذًا، ماذا كان دورُ القانون؟

كان القانون يلعبُ دورٍ في مواضِع معيّنة، وهي مواضِعُ النزاع التي تحدث كثيرًا حتى أطلق النّاس عليها مسمّيات محدّدة (القتل، على سبيل المثال) ولربما بدأوا بالتمييز بين أنواعِها، مثل: القتل غير المتعمّد مقابِل القتل المتعمّد. ولكنّ القوانين التي تعلّقت بالتجارة نشأت عن نوعٍ خاص من النزاع. فلنأخذ أعمال البيع والشراء، فهي ممارسةٌ طقُوسيّة يتوقّع فيها كلٌ من الطرفين مصلحةً ما، فلذا يكون هنالك نزاعٌ حين لا تتحقّق توقّعاتُ أحدِ الطرفين أو لا يوفّي أحدُ الطرفين توقّعاتِ الآخر – أي حين يفشل هذا الطّقس. وعلى نفسِ مِنوال مواضِع النزاع الأخرى، نشأت قوانين التجارة لأنّ بعضًا من هذه «الطّقوس» فشلت مرّاتٍ كافية حتّى أطلقَ الناس مسمّياتٍ وأوصافَ على هذه المشاكل: «لقد سلّمّت البضائع، ولكنّ الطّرف الآخر تأخر»، أو «كانت البضائع متضرّرة» أو «أخذ الطّرف الآخر أموالي وهرَبَ من المدينة».

قد تبدأ الكثيرُ من الممارسات الطقوسيّة أو الشعائريّة قبل أن يولِّدَ الناس أفكارًا متطوّرة جدًا عنها، فما بالُكَ بأفكارٍ قانونيّة حول ما يجب فِعلُه حين تستاء الأمور. تُخلَقُ الفئاتُ والمؤسسات والعلاجاتُ القانونيّة لتنظيمِ ممارساتٍ يُعمَل بِها مُسبقًا، أي أنّ الممارسة تسبِق خلق هذه المفاهيم. وكما يشير الماركسيّون: النشاطات الفعليّة هي ما ينتج الحاجة للأفكار. فالأفكارُ القانونيّة إذًا لا تنشأ من العدم ومِن ثمّ تبدأ بتحكيم ممارساتِ النّاس. هذا الأمر واضحٌ جدًا حين يتعلّق بالقانون، وذلك لأنّ القوانين الجديدة والأفكار الجديدة كثيرًا ما يتمّ صُنعُها للتعامل مع حالاتٍ ملموسة لم يتوقّعها النظام القانوني.

قد تدفع الممارسة الاجتماعيّة لخلقِ أفكارٍ قانونيّة جديدة، ولكن حين تُستحدَث الأفكار القانونيّة، ينعكِسُ تأثيرُها على الممارسات المستقبليّة، وذلك لأنّ الفئات القانونيّة التي ينتجها الناس لوضعِ تصوّراتٍ للواقع الاجتماعيّ – القتل غير المتعمّد مقابِل القتل المتعمّد كما ذُكِر آنِفًا – ليست هي الطُرق الوحيدة لتشكيل هذا الواقع. بالإمكان إعادة تشكيل هذه التصوّرات أو توضيحها، وحين يتمّ ذلك، بالإمكان مشاركة هذه التصوّرات الجديدة اجتماعيًا وتمكينها مِن إعادة هيكلة تصرّفات الناس بطريقةٍ متزامنة. ولهذا السبب، فإنّ ولادةَ القوانين والقضايا النموذجيّة يجعل من الطقوس الاقتصاديّة موحّدةً ومُتوقّعةً أكثر، وهذا أمرٌ جيّد في التجارة.

كان جزءٌ كبيرٌ من القانون في القرون الوسطى يُمارَسْ مِن قِبل الفردُ نفسِه، وذلك بسبب نشوءِ تقاليدٍ قانونيّةً مختلفة داخل كلّ مدينة. وكان هنالك عرفٌ قانونيّ منتشر – قانون التجارة (law merchant) – وقد نشأ من خلال التجارة الخارجيّة ما بين المدن. شمل قانون التجارة الأساسيّات مثل: العقود بين التجّار وعلاقات الاستدانة ما بين التجّار والمصرفيين.

استمدّ القانون التجاريّ من قوانين روما أيضًا، فقد طوّر الرومانيّون القدامى ممارساتٍ تجاريّة وأنشأوا معها قوانينَ أيضًا، مِنها وسائلٌ استُخدِمت لتجميع موارِد أطرافٍ متعددة لتكوين شراكاتٍ قادرة على إنشاء مشاريع كبيرة، ولكن حين انحلّت الإمبراطوريّة الرومانيّة، انحلّ معها النظام القانوني الرومانيّ في أوروبا.

لم يرجِع القانون الرومانيّ لأوروبا بشكلٍ كبير إلى أن أتت فترة الحملات الصليبيّة، والّتي استمرّت منذ 1095 وحتى 1291. كان أحد أسبابِ محاولة الاستحواذ على الأرض المقدّسة هو السيطرة على موقعها كمركزٍ تجاريّ رئيسيّ في العالم. ربَط الشرق الأوسط مُدنًا تجاريّة رئيسيّة في شمال إيطاليا بشبكة التجارة الواسعة في العالم الإسلامي التي امتدّت من شرق إفريقيا وحتّى عُمق آسيا. وكان القانون الرّومانيّ في أوساط التجّار العرب والمسيحييّ الشرق (البيزنطيين) تراثًا حيًا، ولكنّ حتى مع انتهاءِ الحملات الصليبيّة كفشلٍ عسكريّ للغرب، فقد وفّرَ الانخراط القريب مع شبكات التجارة التي يسيطر عليها المسلمون لأوروبا طقمًا جاهزًا من القوانين للتعامل مع التجارة.

كما ذُكِر آنِفًا، ينمو القانون من رحِم الحاجة لصياغةِ مفاهيم حول الممارسات المعمول بِها مُسبقًا، ولكنّ نشوء هذه المفاهيم القانونيّة يقوم بأمرٍ معاكس وهو إعادة هيكلة الممارسات المُستقبليّة. وفي حالة القانون الروماني، فقد كان هنالك جهازٌ كامل من الممارسات الاقتصاديّة السابقة – للرومانيّين أنفسهم والمسلمون ومسيحيّو الشرق من بعدهم – المتفوّقة جدًا والتي دفعت لتكوين هذا التراث القانونيّ.

كشفت الحملات الصليبيّة بالتالي لمجموعةٍ من التجّار الأوروبيّين الغطاء عن نظامٍ أكثر تقدّمًا، ذو أفكارٍ قانونيّة سمحت لهم بإعادة صياغة مفاهيم جديدة وإعادة تشكيل سلوكيّاتهم بسرعةٍ مُعتبَرة. ساعدت هذه الأشكال القانونيّة الجديدة على تصعيد وتيرة كميّة المعاملات التجاريّة – في الوقت ذاته الذي أصبح فيه التجّار أكثر انخراطًا في الشبكات التجاريّة الشرقيّة الضخمة. وجلب الأوروبيّون وسائل المحاسبة التجاريّة من الشّرق – ناهيك عن الصّفر الهنديّة العربيّة التي سمحت للتّجارِ بأن يتركوا رموز الترقيم الرومانيّة المُزعجة. ساعَدت كلّ هذه العوامل مجتمعةً الطبقات الثريّة الأوربيّة في زيادة ثروتها ووزنها الاجتماعيّ.

ساهمَت عودة القانون الرومانيّ لأوروبا – ولو لفترةٍ قصيرة – في توسيع الدور السياسيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، وذلك لأنّ مسؤولي الكنيسة بإمكانهم قراءة كُتب القانون الروماني، التي كُتبِت باللغة اللاتينية. ولهذا السّبب، ذهب التجّار للمحاكم الكَنَسيّة الكاثوليكيّة في سعيهم لتسوية نزاعاتهم المتعلّقة بمعاملات المسافات الطويلة. ولكن حين يكون النزاع داخل المُدن، كانوا يستخدموا التراث القانويّ المحلّي.

هذه الأمور كلّها تكشِف لنا عن أحجيةٍ حول كيفيّة فرضِ هذه المحاكِم لقراراتِها، فالقوى المسلّحة الحقيقيّة في ذلك الوقت كانت في يد طبقة النبلاء الإقطاعيّة، والتجّار لم يُريدوا للنبلاء بأن يتدخّلوا في شؤونِهم. كانت المُدن-الدّول الإيطاليّة ناميةً كفاية لدعمِ أجهزةٍ حكوميّة محليّة، ولكن أغلب المدن لم تكن كذلك. لم تكن هنالك دولة واقِعًا، إذ اعتمدنا تعريفَ الدّولة كـ«الفصائل الخاصة من رجال مسلحين القادرة على استخدام القسر الجسدي»، ولم تكُن هنالك بالتأكيد دولةٌ ممتدّة على كلّ أرجاء أوروبا لفرضِ قراراتِ المحاكم الكَنَسيّة البعيدة.

من أجل فهم كيفيّة فَرضِ الإلزام القانونيّ يجب التنبّه لكون هذه النزاعات جرت في داخِل طبقة اجتماعيّة واحدة – وهذه الطّبقة لم تكن حينها منقسمة عن طريق تفاوتاتٍ كبيرة في الثروة، وذلك يعني أنّ الفَرْضَ القانونيّ قد يأتي من الإلزام الجماعيّ، مِثلَ أن يرفُضَ الناس – على سبيل المثال – القيام بصفقاتٍ تجاريّة مع شخصٍ تجاهل أمرًا من محكمةٍ في مدينةٍ ما. وقد تدعو المحاكم الكَنَسيّة أيضًا بممارسةِ ضغطٍ جماعيّ، وإن لم يتُبْ المُخالِف فقد تطلب الكنيسة من المسيحيين بنبذِ المخالِف – أي قطع كلّ العلاقات الاجتماعيّة معه – مما سيُنهي مسيرة ذلك الشخص التجاريّة. وأغلبُ المُخالِفين آمنوا أيضًا أنّهم سيذهبون للنّار إن استمرّوا في خطيئتهم، فلذا كان لديهم حافزٌ خاص لإطاعة محاكِم الكنيسة.

بدأت العمليّة القانونيّة بالتغيّر لاحقًا مع تصاعد السُلطة الملكيّة، ولكن سنلخّص هنا بعض النُقاط حول الفترة المذكورة أعلاه:

جعلت الحياة الاقتصاديّة للبورجوازيّة منهم أحرارًا قانونيًّا ومتساويين مع بعضهم البعض، إذ أنّ كثيرًا مِنهم كانوا أقنانًا سابقين كسبوا حرّيتهم عن طريق الهرب إلى المُدن من أراضي النُبلاء. وحتى في معاملاتهم الاقتصاديّة كانوا أحرارًا إذ أنّه بإمكان أيٍ طرفٍ يدخل صفقةً تِجاريّة أن يتركها إن لم تُعجبُه، أي أنّ كلًا من الطرفين لن يدخلا في هذه الصفقة قسرًا.

وهؤلاءِ الناس كانوا متساوين قانونيًا – ليس لأنّ كلًا منهم امتلك مقدار الثروة ذاته الذي امتلكهُ غيره – وإنما لأنهم امتلكوا حقوقًا قانونيّة متساوية لممتلكاتِهم. ممّا يعني أنّهم – على عكسِ الأقنان – حازوا على ممتلكاتِهم من غير أي التزامات، وبذا تمكّنوا من التصرّف بها كما شاءوا.

وآخر ما يجب ذكره حول هذه الفترة هو أنّ المساواة النسبيّة داخل هذه الطبقة أعطت المنتمين لها الإحساس بأنّ القانون يشكّلُ قواعد اللّعبة، فهو الذي يضع حدودَ السلوكيّات داخل السّوق، والناس بعمومِهم التزموا بالقواعِد لأنّهم لم يرغبوا بإعاقة اللعبة الاقتصاديّة هذه عن طريق التوّجه للمحكمة. كان هدفُ اللعبةِ التجاريّة هذه – بالطبع – هو درّ الأرباح وإن كان كلّ اللاعبين محشورين نوعًا ما داخل هذه القواعِد فبإمكانهم الاستمرار في هذه اللعبة ولدى كلٍ منهم فرصةُ الحصول على المال.

وسنضعُ هذه الاستعارة بصورة «اللعبة» في عين الاعتبار في تحليلنا للفترات الأخرى القادِمة.

الفترة الثانية: الأراضي

في الفترة التي تلت، والتي امتدّت منذ عام 1200 وحتى عام 1500، كانت قوّة الملوك في تصاعد وكانت الطبقة البورجوازية منخرطة في نزاعاتٍ محتدّة مع الطبقات الأخرى. وكما ذُكِر آنِفًا، فهذه الطبقة كنت تعمل على صياغةِ مفاهيمٍ حول قوانين لا تنطبق إلّا عليهم هم. لم تُطبّق القوانين في القرون الوسطى واقِعًا إلّا على أصحاب الرتب الاجتماعيّة المتساوية، فبعض القوانين اختصّت بحقوق النبلاء، وأخرى تمّ تطبيقُها على الأقنان. ومِن ناحية العمّال الحِرفيين المَهرة القاطنين في المدن فقد شكّلوا نقاباتِهم الخاصة بقوانين خاصّة بهم لتنظيمِ عملهم وعلاقاتهم المتبادلة.

تعرّض قانون البورجوازية التجاريّة لعلاقات التبادُل الطوعيّة، وأمّا القيمة التبادليّة أو أسعار بضائعهم فقد حدّدتها قوى السّوق المجرّدة، ألا وهي قوى العرضُ والطَلَب. ومع أنّ علاقاتِ السوق حكَمت ونظّمت التبادل، فهي لم تحكم أو تنظّم الإنتاج، فعلاقات الإنتاج حكمت عليها هويّة الفرد، أي رُتبتهُ أو مكانتُه الاجتماعيّة. فكمّيات بضائع المزارع أو الأموال التي فُرِض على الأقنان تسديدُها للّوردات قُيِّدتْ بقوانين عرفيّة حكمت التزامات مرتبتِهم الاجتماعيّة، وأما الالتزامات الأخرى فقد جرت على نفسِ المنوال. أُلزِمَ الأقنان بالبقاء على الأرض وألّا يتصرّفوا بِها باستقلاليّة. وفي المقابل، وفّر النبلاء تدابيرَ حمايةٍ عسكريّة وأعطوا الأقنان حقّ استخدامِ الأرض لمصلحتهم الذاتيّة وحقّ توريثها لأبنائهم.

وفّرت العلاقة ما بين اللورد والقنّ لكلٍ منهما حقوقًا معيّنة على الأرض. الأرضُ بالتالي لم تكن ذلك الشيء الذي بالإمكان امتلاكُه من غير التزاماتٍ وبيعُه لمشتريٍ مجهول. فقد كانت أمرًا شخصيًا جدًا ولم تكن العلاقةُ طوعيّةً البتّة، ولم يكن للسّوق أي علاقة بِها. وعلاقاتُ الإنتاج في أوساطِ الحِرفيين كانت شخصيّةً أيضًا، إذ أنّ نقابةُ الإسكافيين هي من يحدّد عدد الأحذية التي ستُصنع وكيفيّة تقسيم العمل ما بين رؤساء النقابات والصنّاع المهرة (journeymen)، ومقدار ما سيُدفَع لكلّ فرد. والأسعار تُحدّد وِفقًا لمفهومٍ تاريخيّ وهو مفهوم «السعر العادِل» للأحذية.

القوانينُ التي حكمت معاملاتِ السّوق لم يتم توسيعها لتشمل الإنتاج الاقتصاديّ إلّا من خلال سلسلةٍ من الصراعات التي أسقطت علاقات الإنتاج السائدة، وحين اندلعت هذه الصراعاتُ لم يعلم البورجوازيّون إلى أين ستؤول الأمور. ما قاموا بِه هو فقط الوقوف لأجلِ مصالِحهم قِبال الطبقات الأخرى.

كسبت الطبقات البورجوازيّة حلفاء مهمّين حين أمسك الملوك بزمام السلطة، بالخصوص في إنكلترا وفرنسا. أتى الملوك من أكثر عوائل طبقة النُبلاءِ قوّةً، ولكنّهم أسسوا علاقةً مستقلّة مع البورجوازيّة، وحين مدّ ملكٌ ما سلطته الملكيّة على مقاطعةٍ كبيرة، وسّع معها مدى التعاملات التجاريّة الموثوقة – كان ذلك جزئيًا عن طريق فرض نظامٍ تجاريٍّ موحّد. وبذا أفسح الإلزام القانونيّ الجماعي مِن داخل الطبقة البورجوازيّة المَجال للقسرِ عن طريق قوّة الدولة.

ساعد توسّع نطاق للتجارةِ المنظّمة هذا البورجوازيّة على الاغتناء أكثر. وفي المقابل، موّل المصرفيّون الجيش وبيروقراطيّة الدولة، بينما دفعت الطبقات الثريّة كلّها ضرائبًا للملك، ووجَد الملوك والبورجوازية في النبلاء الأقل شأنًا عدوًا مُشتركًا، فهؤلاء النبلاء كانوا منافسين للملوك ولكنّهم أيضًا اتّخذوا من سرقة التجّار الذين ينقلون بضائعهم عبر أراضي النُبلاء هِواية لهم. وكانت النتيجة أن تدخّلت السُلطة الملكيّة لإيقاف ذلك. ساعدت البورجوازيّة – باختصار – المُلوك في توسيع نفوذِهم وساعد الملوك البورجوازيّة في توسيع ثروتهم.

سنتّجهُ هنا للتركيز على إنكلترا بالتحديد، لأنّ الملك هنري الثامن هو من قام بأوّل هجومٍ كبير على الملكيّة الإقطاعيّة، وفي هذه الحالة لم يعمل القانون كقواعدَ تدير لُعبةً اقتصاديّة مُستمرّة، بل تكوّن مِنْ مجموعةً منَ المراسيم الملكيّة التي نزلت كمطرقة وغيّرت اللعبة.

منذ 1536 وحتى 1539، استولى هنري الثامن على كلّ الأراضي الواقعة تحت إدارة الدِير الكاثوليكيّة. كان هنري – بالطبع – في خلافٍ سابِق مع بابا الكاثوليك حول طلاقٍ ملكيّ، ولكنّ دافِعه الرئيسيّ في مواجهة الرهبان كان طمعه في أراضيهم. وكانت هذه التي استحوذ عليها الأراضي كثيرة – إذ تتراوح التقديرات بأنها كانت ما بين سُدس أو رُبع كلّ الأراضي في إنكلترا. وفي السنوات التي تَلت، باع أجزاءً منها لأصدقائه بغرض تمويل حروبِه في أسكوتلندا وفرنسا.

وكان بيعُ مِثل هذه الأراضي الكبيرة هو ما ساعد على تأسيس قيمة سوقٍ مفترضة لكلّ الأراضي في إنكلترا، وإن كانت قواعد الإقطاع قد استمرّت في إعاقة التجارة الحرّة للأراضي. وأعتقد أنّ هذا الأمر يماثِلُ ما كان يجري في الصّين، ففي تلك الفترة فقط بدأت بعض حقوق الأراضي تباع وتشترى، وقد أنتج ذلك مُسبقًا تأثيرين مهمّين: الأول هو أنّها جعلت الأراضي محلّ مُضاربات، والثاني هو أنّها قادت الصينيّين للنّظر للأراضي كاستثمار – وبالتالي تسعير الأراضي حسب الأموال التي من الممُكن أن تنتج عن استخدامها. وكلٌ من هذين العاملين وفّرا حوافِزَ لجلب عددٍ متزايد من الأراضي إلى السّوق.

ولأنّ الأرض من الممكن أن تصبح استثمارًا الآن، فهي ليست كأيّ سلعةٍ أخرى، وليست مُنتجًا مثل قميص قطنيّ. فالأرض وسيلةُ إنتاج. وحين أصبحت الأرض سِلعة، أصبح بإمكان الرأسماليين التحكّم بجزءٍ من عمليّة الإنتاج وليس فقط المتاجرة بالأشياء المُنتجة مُسبقًا. في إنكلترا، توضّح أنّ أكثر طرق توظيف الأراضي رِبحًا هي إخلاؤها من أغلب المزارعين، وتحويلها لمرعى أغنام ومِن ثمّ يتم بيع الصّوف. تواجَد بعض رعاة الأغنام التجاريين بالفعل قبل عهد الملك هنري الثامن، ولكن تسليع الأراضي أعطى العمليّة دفعةً كبيرة.

امتدّ طردُ المزارعين على طوال مئات سنين مرّت وعُرِف بحركة «التسييج» لأنّ ملّاك الأراضي كانوا يسيّجون الأراضي المشاعة التي كانت مُتاحة عِرفًا لاستخدام المزارعين. يحدث التسييج حين يطالب مالِك الأرض بحقّ التحكم بالأرض من غير التزاماتٍ لمن يعيشون عليها. أي بعبارة أخرى، ليس بإمكان الأرض أن تُصبِح سلعة إلّا من خلالِ صراعاتٍ أدّت في آخر المطاف لتدمير الحقوق الإقطاعيّة وعلاقات الإنتاج الإقطاعيّة.

وكان من المفترض أن تُفسِحَ قوانين الرُتب والمكانات الاجتماعيّة الطريق لقوانين العقود. وعلى حدّ تعبير المنظّر القانونيّ إفغيني باشوكانيس، أدّت علاقات السّوق لنشأةِ «الفرد القانونيّ المجرّد» (abstract legal subject)، وهي شخصٌ يمتلك الحقّ [القانونيّ] الكامل لقطعة عقارٍ خاصّة ما ويتصرّف في السوق كمالك عقارٍ مجرّد، لا كلورد أو كقنّ أو حتّى كبورجوازي.

ومع تصاعِد قوّةِ الدولة الملكيّة، صعدت معها الإيديولوجيا الجديدة حول القانون. ظلّت القوانين تعملُ كقوانينِ اللعبة – مُعلّمةً حدود التصرّفات المقبولة. ولكنّ هذه القواعد لم تُعد تُفرَضُ جماعيًا، فالدولة بدأت حينها بالتصرّفِ كحَكمٍ لهُ سُلطةٌ على الناسِ جميعًا. بالطّبع، كان هذا هو الوقتُ ذاته الذي كشفت فيه الدولة عن عدم محايدتها. فالملوك كانوا يوظّفون القانون كسلاحٍ في حربِهم الممتدّة ضدّ طبقة النُبلاء التي يحكمونها. وأمّا الفلّاحون فلم يسلموا مِن هذه الحرب، فقد كانوا «أضرارًا جانبيّة» في صراعِ طبقاتِ النبلاء.

أمّا البورجوازيّة فقد كانت بدورِها توظّف علاقات العقود للرفع من مكانتها على حساب كلّ الأطراف الأخرى، فالعقود هذه كانت غريبة لأنّها اتّفاقيّاتٌ خاصّة تخوّل كل طرفٍ حقّ استدعاء الدولة لتقهر الطرف الآخر. كانت الاتّفاقيّاتُ الخاصّة بالتالي تُدعَمُ مِن قِبل السلطة العامّة. والعقودُ هذه كانَت طوعيّة – كما ذُكِر آنفًا – لأنّ كلّ طرفٍ بإمكانه الخروج دونَ إبرام الصفقة، ولكنّ الناس لا يدخلون اتّفاقيّاتٍ بقوّة تفاوضيّة متكافئة. فعلى سبيل المثال، لو تفاوَض مالِك الأرض مع مزارعٍ حول استئجار قطعة أرض، فالطرف الغنيّ هنا سيأتي وعقدُه مكتوبٌ في يدِه لأنّ محاميه قد كتَبَه. قد تكون هنالك قوانينٌ تحمي حقوقَ المزارع بطُرقٍ مختلفة ولكنّه لا يعلم بذلك. وعلاوة على ذلك، فالعقدُ قد يحتوي بنودًا تنصّ على أنّ المزارع سيتنازل عن كلّ هذه الحقوق. وفي آخر المطاف، يوقّع المزارع العقد لحاجته لأن يقي عائلَتهُ مِن الموتِ جوعًا.

تتجاهلُ المنظومة القانونيّة مراتِبَ الناس الاجتماعيّة تحت ذريعة المساواة، ولكنّ النظام واقِعًا يُغني من يدخلوه بمكانةٍ اجتماعيّة متفوّقة. وهذا ليس أمرًا اكتشفهُ الراديكاليّون في القرن التاسع عشر، وإنّما فهِمَ الناس في ذلك الوقت – أي قبل 500 و600 عام – أنّ المساواة القانونيّة قد تكون أداةً لظُلمِ الضعيف. ومع مرور السّنين، أنشأ البورجوازيّة أيديولوجيّةً للحريّة والمساواة تتوافَقُ مع الرّفض المتعمّد لوجودِ الرُتب والمكانات الإقطاعيّة بحدّ ذاتها. وهذه هي الرّايَة الذي قاتلت البورجوازيّة وحُلفاؤها تحت ظِلّها في الثورة الإنكليزيّة في القرنِ السابع عشر.

عِوضًا عن الاستمرار في قصّة إنكلترا، سنقفز في الجزء الثّاني لـ«العالم الجديد»، وذلك لأنّ الثورة الإنكليزيّة حدثت في نفس الفترة التي تطوّر فيها نظامُ عبوديّة – وهو نظامٌ جديد للمراتِب الاجتماعيّة – في المستعمرات الإنكليزيّة.

الفترة الثالثة: العبوديّة

تبيّن سجّلات مُستعمرة فيرجينيا جليًا أنّ أوّل عشرين إفريقيّ وصلوا عام 1619 للمُستعمرة لم يكونوا عبيدًا، بل كانوا خدمًا سَخَرة[*]، يصبحون أحرارًا بعد نهاية مدّة عقدِهم. وشاركَهم في هذه الحالة الكثير من الأوروبيّين في المُستعمَرة، مع تواجِد فوارِقٍ حتى في ذلك الوقت، إذ أنّ الإفريقيّين – على عكس الأوروبيّين – أتوا لـ«العالم الجديد» رُغمًا عنهم. كان بالإمكان فرضُ خدمةٍ مدى الحياة على الخادم المسّخر في حال ارتكب بجريمة الهرب، ولكن لم يكن هنالك تسخيرٌ متوارث على مدى الحياة مُرتبطٌ بمفهوم العِرق.

كانت العبوديّة واقعًا غير قانونيّة تحت القانون الإنكليزيّ[†]، فالإنسان – ببساطة – لا يمكن أن يكون أَحَدَ الأملاكِ القانونيّة لإنسانٍ آخر. وكنتيجةٍ لذلك، حين أنشأ المُستعمِرون العبوديّة كعلاقةٍ اجتماعيّة على مرّ الثمانين سنة تَلت، كان البناءُ القانونيّ المتعلّق بِها صَنيعةً محليّة ارتجاليّة. وِمن ثمّ أصبحَت قوانين فيرجينيا الجديدة نموذجًا لقوانين العبوديّة في المستعمرات الأمريكيّة الجنوبيّة.

كانَ هنالك دافِعان رئيسيّان لتحويل الإفريقيين لعبيدٍ متوارثين: أحدهما هو النقص المُزمن للعمالة في المستعمرات، ففي النصف الثاني من القرن بدأت إمداداتُ الخدم السَخَرة من أماكِن مثل إنكلترا وأسكوتلندا بالنضوب، ونتيجةً لذلك كان سِعرُ نقلهم عبر المحيط في ارتفاع بينما ظلّت أسعارُ الإفريقيين المُختطفين مُنخفِضة. والدافِعُ الرئيسيّ الآخر لخلقِ الفروقات العرقية هو أنّ كلًا مِن الخدم البيض والسّود كانوا يتعاونون مع بعضهم البعض للهروب من هذه الخدميّة الإلزاميّة، ومع مرور الوقت، اتّحدوا في انتفاضاتٍ مباشرة ضدّ أسيادهم. إذً كان التمييز العرقيّ يُفهَمُ لأسبابٍ اقتصادية، أصبح أيضًا مفهومًا كطريقةٍ للتحكّم بالفئات العاملة – أي كسياسة «فرِّق تَسُد».

حين وضع القانون بعين الاعتبار إمكانيّةَ التعامل مع الإفريقيين كأملاكٍ خاصّة، لم تُحلّ مسألة ما إذا كانوا لا يزالون بشرًا قانونًا بإمكانهم إبرام عقودٍ وامتلاكُ أملاكٍ خاصّة وإدلاء شهاداتٍ في المحاكم وما إلى ذلك. وكانت أحدُ المسائل القانونيّة الأولى الناتِجة عن هذا الوضع تتعلّق بكيفيّة التعامل مع طفلٍ والدُه سيّدٌ أبيض وأمّه امرأة سوداء مُستعبدة. فوِفقَ القانون العام الإنكليزي، تتبع مرتبة الطِفل الاجتماعيّة مرتبةَ والِده، وبذا يكون الطِفل حرًا ويحقّ له الوراثة. أما في المُستعمرات، فقد طَرحَ ذلك للأسياد سيناريواتٍ مُقلقة، وهي أنّ الأطفال الأحرار سيتمّ تربيتهم مسكن العبيد، ومن ثمّ سيطالبون بحقوقهم حين يبلغون رُشدَهم.

حلّ مجلس البورِجسيين في فيرجينا تِلك المشكلة، إذ أقرّ بأنّ القانون يجب أن يُعامِل العبيد مِثل معاملته لحيواناتِ المزرعة، لا كالبَشَر. ونسلُ حيوانات المزرعة تُملَك من قِبل مالِك الأم أيًا كان. ووِفقًا لذلك، فطِفلُ سيّدِ العبيد وعبدَتِه سيكون مُلكًا خاصًا للسّيد، لا وريثًا له. ومع مرورِ الوقت، جُرِّد العبيد من حقوق البشر أكثر فأكثر، لدرجةِ أنّه في آخر المطاف، خسر الإفريقيّون أبسط الحقوق: حقّ الحياة. فلم يعد القانون يعتبرُ قَتلَ السيّد لعبدِه جريمةَ قتل؛ اكتمل هنا التحوّل تمامًا، فهبطت مرتبة ذوي الأصول الإفريقيّة من كونهم عمالةً مُنتجة حتى وصلوا لوضعٍ قانونيّ مكافئ لوسائل الإنتاج.

وتجدر الإشارة هنا لكون قوانين تنظيم العبوديّة لم تظلّ كما هي. بحلول وقتِ الثورة الأمريكيّة، ومع الإبقاء على العبيد في وضعهم هذا كمُمتلكَات، حين أتى وقتُ كِتابةِ الدّستور أرادَ الأسياد، على الرّغمِ من ذلك – أن يصبح لديهم ممثّلون أكثَر في مجلس الشّيوخ، وبذلك أرادوا لعبيدهم أن يُعتَبروا بشرًا لا أملاكًا. رفض مندوبو الشّمال، وبذا حصلت تسوية واتّفقوا على احتساب كلّ عبدٍ كثلاثة أخماس إنسان.

ولكن بعدئذٍ حين أتى وقت كتابة «وثيقة الحقوق»، غيّر الأسيادُ رأيهم وأرادوا أن يُعتبَر العبيد – رغم كلّ ما جرى – مُمتلكاتٍ لا بشر. وذلك كان لأنّ التعديل الخامس يضمن أَن لا يُحرَمَ أيّ إنسانٍ من حياته أو حريّته أو أملاكه دون الإجراءاتِ القانونيّة اللازمة. والأسياد كانوا يمارسون فِعلًا حِرمان الإفريقيين من حريّتهم، لا بل كان لهم حريّة حِرمانِهم من حياتهم. ولهذا السّبب، حمى التعديلُ الخامس حقّ الأسياد في معاملة البشر كممتلكاتِ عِوضًا عن حماية حقوق العبيد في الحياة أو الحريّة. كلُّ من عمِل على وثيقة الحقوق فِهم جيّدًا أنّ هذا هو معنى التعديل الخامس.

وصولًا للحرب الأهليّة، عامَل القانون العبيد كبشرٍ أو كممتلكات حسب ما تماشى مع مصلحة أسيادِهم في الوقت المعنيّ. وهذا يذكّرنا أنّ القانون ليس مجرّد مرآةٍ للعلاقات الاجتماعيّة، وليس إطارًا كاملًا أو شفافًا يبيّن كيفيّة جريان المعاملات الاجتماعيّة في الحياة الحقيقيّة. ففي آخر المطاف، القانون أداةٌ بالإمكان استخدامها ضدّ الآخرين، فيما يناسب من يمتلكون القوّة لتوظيفه. وفي بعض الأحيان – بالطبع – يتجاهل الظالمون القانون ببساطة.

مُلخّص الفقرات الثلاث

قبل الانتقال للعمَلِ المأجور، فلنربط حكام بعض المواضيع التي قُدِّمت مُسبقًا. نظرنا لنموّ ثلاثة أشكالٍ من الممتلكات القانونيّة: البضائع المُتداوَلة والأراضي والرقيق. كلٌ من هذه الممتلكات برَزت بسبب تطوّرات في العلاقاتِ الطبقيّة.

فبالنّسبة لتداوِل البضائع، أغلبُ التطوّرات حصلت في أوساط التجّار أنفسهم، ومعهم مجموعاتٌ حضريّة مرتبطة مثل المصرفيين. وهذه العلاقات هي التي تجعل من توصيفِ القانونِ كقواعد لِـلُعبةٍ ما أمرًا معقولًا جدًا. ففي هذه الحالة، يلعبُ كلّ المشاركين فيها ملئ إرادتهم، وهنالك هدفٌ واضح يتشاركُهُ كلّ اللاعبين، ألا وهو درّ الأرباح. لاحقًا أصبحت الأرضُ سِلعةً من خلال صراعٍ طويلٍ من قِبل التجّار وحُلفائهم مع طبقة النبلاء الإقطاعيّة. أدّى تدميرُ العلاقات الاجتماعيّة الإقطاعيّة لتهجير أعدادٍ كبيرة من الفلّاحين مِن أراضيهم. أنشأت عمليّة الصراع الطبقيّ هذه إيديولوجية جديدة؛ وهي مجموعة من الأفكار التي تبرّر دورَ الطبقة المُستغِلّة بينما تسترُ وتُشوّش على ما يجري في الواقع، وهذه الأفكارُ حول القانون أصبحت عناصرًا في دعوى متحيّزة لهذا المجتمع الجديد أثناء انبثاقِه من المجتمع القديم.

هؤلاء المنظّرون تضمّنوا في آخر المطاف نفرًا من المفكّرين البورجوازيّين المتألقين، مثِل: توماس هوبس وجون لوك وروسو وجيفرسون وماديسون. لم يتّفق أولئك على كلّ شيء، ولكنّنا لا نزال نعيش مع كثيرٍ من أفكارِهم. وأحدها هو المفهوم الذي رأيناه: الشخص القانونيّ المُجرّد صاحب حقٍ متساويٍ في الامتلاكِ وحريّة التصرّف بالممتلكات حسب إرادته. هذه الأفكار توسّعت لتضمّن مفاهيمًا حول المواطنين الأحرار المتساوين، الذين من خلال حرّيتهم يصبحون كياناتٍ منفصلة تملك حقوقًا متنوّعة بما يتجاوز حقوق الملكيّة. والطريقة الشرعيّة لهؤلاء الأشخاص-الكيانات للدّخول في علاقاتٍ اجتماعيّة هو من خلال اتّفاقيّاتٍ طوعيّة على غرارِ العقود. وأخيرًا، توسّع تشبيه القانون باللعبة ليتضمّن حَكمًا، وهو الدولة المركزيّة التي – من المفترض أن – توازن مصالِح العناصر المجتمعيّة المُختلِفة.

وسأكتفي هنا بنقدِ هذه الأفكار باستخدام جُملتين فقط.

أولًا: البشر ليسوا كياناتٍ مُنعزِلَة بل هم غالِبًا جزءٌ لا يتجزّأ من علاقاتٍ اجتماعيّة لم يختاروها غالِبًا.

 ثانيًا: ينهارُ هنا تشبيه القانون باللعبة وذلك لأنّ المشاركة لم تُعد طوعيّة، وذلك بسبب كون الانقساماتِ الطبقيّة في المجتمع تُعطي اللاعبين أهدافًا مُختلفة، ولأنّ الدولة ليست مُحايدة في هذه الحالة.

وثالث أنواع الممتلكات التي ذُكِرت هي الرقيق. أصبحَ الإفريقيّون عبيدًا لأنّهم خسِروا سلسلة مِن النّضالات، بدأً من وقتِ أُسِرُوا في إفريقيا. خلق نظام العبوديّة في العالم الجديد أحاجيَ جديدة للمنظّرين، فكيف من الممكن أن يكون شخصٌ ما مُلكًا لآخر إن كانوا كُلّهم أحرارًا ومتساوين؟ وكيف بإمكانك الزّعم بأنك تُلغي الرُتَب والمكانات القانونيّة حين تمرِّرُ قوانينًا واحِدًا تلو الآخر لتعريف مرتبةٍ اجتماعيّةٍ مُخضَعةٍ جديدة؟ لم تُحلّ هذه الأحاجي عن طريق استخراجِ مفاهيمٍ من القوانين، بل أنشئتً عِوضًا عن إيديولوجيّة العنصريّة. باختصار: بعض البشرِ ليسوا فِعلًا بشرًا…وذلك أمرٌ مُتوارَث. هذه الأيدولوجية لم تُبنى على القانون بل على البيولوجيا. ولكونِها مبنيّةً على البيولوجيا لا القانون، فحتى حين أُلغيت مرتبةُ العبوديّة قانونيًا، ظلّت إيديولوجيّة تفوّقيّة البِيض (white supremacy) مكانها.

الفقرة الرابِعة: قوّة العمَل

يقودنا كلّ ذلك للطبقة العاملة ولنوعِ الممتلكات الذي يملكُه العمّال، ألا وهي «قوّة العَمَل»: وهي الشيء الذي يبيعُه العمّال لرؤسائهم مقابِل الأجور. مِثلها مثل باقي أنواع الملكيّات، يسهل فهمها حين ننظر للتاريخ الاجتماعي الذي أعطاها أهميّتها. فالطبقة العاملة الحديثة – أولًا وقبل كلّ شيء – هي نتاجُ نزوحٍ أو تهجيرٍ اجتماعيّ، والسِمة الفيصليّة للعمّال هي أنّ صِلتهم بوسائلِ الإنتاج قد قُطِعَت، فلم يعودوا يملكون الأرض التي تتيحُ لهم دعمَ أنفسهم عن طريق الزراعة ولا يملكون الأدوات أو المعامل التي تُتيحُ لهم أن يكون مُنتجين مستقلّين للبضائع المُتاجَر بِها.

تكوّنت الطبقة العاملة الأمريكيّة من ثلاث مصادر رئيسيّة، أي ثلاثة فئات من الناس: أحد هذه الفئات هي الأمريكيّون ذوي الأصول الإفريقيّة الذين أصبحوا عمّالًا مأجورين بعد الانعتاق، وقد فقدوا وسائِل إنتاجِهم مُسبقًا حين اختُطِفوا من إفريقيا. وثاني فئة تضمّنت الحِرفيين المَهرة الذين خسروا استقلالهم واضطّروا لعرض أنفسهم للعمَل كعمّالٍ مأجورين. وأمّا ثالِثُها – وأكبرها – فقد تضمّنت أولئك الذين عمِلوا سابقًا كمزارعين لأجلِ معيشتهم الخاصّة؛ وقد توجّهوا نحو العمل المأجور حين أجبرتهم القوى السياسيّة أو العسكريّة أو قوى السوق على ترك الزراعة.

بالنسبة للأمريكيّين الأفارِقة، كان العمَل المأجور خطوةً للأمام مِن العبوديّة والمُؤاكرَة.  وبالنسبة للحِرفيين المَهرة، فبضعهم أصبَحوا رأسماليين صناعيين، ولكنّ الأغلب خسروا استقلالَهم لعدم قدرتهم على التنافس مع المنتجين الصناعيين. وأغلب ذلك حصَل ما بين 1760 و1860. وأمّا بالنسبة للمزارعين السابقين، فبعضهم أتى من عوائل مزارعة أمريكيّة لم تتمكّن من تغطية احتياجاتها اليوميّة في العقود التي تبِعت الثورة الأمريكيّة، وكثيرٌ منهم أتوا للولاياتِ المتّحدة ليجدوا عملًا لأنّهم كانوا لاجئين من حركات التسييج في إنكلترا وأسكوتلندا. وأدّى مضيّ المَصنَعة لتوسّع كبير في القوّة العامِلة المأجورة، جاذِبًا أيديًا عامِلة فيما بدى كنهرٍ متدفّقٍ أبديّ نبعَ ممّن طُرِدوا من مزارعِهم في كلّ أرجاء أوروبا. وذلك لأنّ الرأسماليّة فرَضَت نوعًا من أنوعًا التسييج على المزارعين أينما انتشرت منظومتها. وعلى الساحل الغربيّ كانت هنالك موجاتٌ متتابعة من المهاجرين الآسيويين في القرن التاسع عشر، ولكنّها كانت ذات قيودٍ أكثر وذات تحكّمٍ أكبر مِن قِبل الرؤساء، أكثر مما كانت الهجرة الأوروبيّة إلى الساحل الشرقي.

متى ما قُطِعت صِلةُ العمّال بوسائل الإنتاج، لا تظلّ لهم إلّا مادّة إنتاجيّة واحدة: وهي أدمغتُهم وأجسادهم. وهذه أمورٌ لا يبيعونها للرأسماليين، إذ أنّ ذلك سيجعلُ منهم عبيدًا. توفّر أدمغُة العمّال وأجسادهم لهم قوّةَ العمل – وهي المِيزة المجرّدة التي أطلق عليها كارل ماركس مسمّى «قوّة العمل». إذًا، فالعمّال يبيعون طاقتهم الإنتاجيّة لأصحابِ العمَل إمّا لمشاريعَ محدّدة أو لفترات محدّدة من الزمن.

حين يحتكر أصحابُ العمَل وسائل الإنتاج، تُجبَر الجماهيرُ العاملة على بيع «قوّتها العاملة» لكي تبقى على قيدِ الحياة؛ وهذا هو الهدف حين ينضجُ رأس المال تمامًا ويترأس الرأسماليّون نظامًا رأسماليًا. حين يجلب العمّال قدراتهم العاملة إلى السوق، فهنا هم يُدفعون لمنافسةٍ مع بقيّة العمّال القائمين بالوظيفة نفسها. وهذه المنافسة تدفع سعر قوّة العمل – أو ما يسمّى بالأجور – إلى الأسفل. لدى العمّال هنا حريّة الابتعادِ عن صفقةِ عملٍ ما مع رئيسٍ ما، ولكنّهم سيجبرون على إبرامٍ صفقة ما مع رئيس آخر، والأرجح أنّ الصفقة الثانية ستتشابَه مع الصفقة الأولى، وذلك لأنّ الرئيس سيعرض عليه «السعر الجاري» – أو «سعر السّوق» – لهذا النّوع من العمل.

وحين أصبحَ العمّال الأمريكيّون قوّة جماهيريّة لأولِ مرّة في القرن التاسع عشر، بدأوا بطرحِ مقاومةٍ جماعيّة، مُستخدمين المظاهرات وأعمال الشّغب والإضرابات، واستجابت البورجوازيّة بتوسعة وسائل القمع القانونيّة، بالتّحديد عن طريق خلقِ قوّاتِ شرطةٍ متفرِّغة للسيطرة على الحشود المدينيّة.[‡] ولكنّ الغريبَ في الأمر هو أنّ الرأسماليّين لم يحتاجوا لفتحِ آفاقٍ قانونيّة جديدة للتعامِل مع سلعة «قوّة العمَل» ذاتِها، فأغلبُ الأدواتِ القانونيّة للتعامل مع قوّة العمل استُخرِجَت مباشرةً من القوانين المتعلّقة بالعقود. فكما رأينا، قد يكون العقد طِوعيًا – إن نظرنا للطوعيّة بالمعنى الحرفيّ – ولكنّ ابتداءَ طرفين بقوىً تفاوضيّة متفاوِتة يزرَع تفاوتاتهم الاجتماعيّة في بنودِ العقد ذاتِها؛ وذلك ينطبق على اتّفاقيّاتِ العمَل سواءً أكانت مُرسَّمةً قانونيًا أم لم تكن.

وحسب معرفتي، لم تستخدم القوانينُ الأمريكية أبدًا مُصطلحًا يتوافق تمامًا مع مصطلح «قوّة العمل»، ولكنّ تنظيم سوق قوّة العمل يرجع للقانون الإنكليزي العام. على سبيل المثال، تعامل القانون العام مع النقابات والإضرابات كمؤامرات إجراميّة، وحين وحّد العمّال قواهم لرفع أجورِهم اتُّهِموا بـ«تقييد التجارة».  كما نرى هنا، فحين يأتي العمّال بسلعتهم – ألا وهي قوّة العمل – إلى السوق، فمن المفترض لهم أن يتنافسوا مع بعضهم البعض، ولكي نستعير عبارةً من الحركة العمّاليّة الأمريكيّة: يقوم العمّال بـ«إخراجِ الأجور خارِجَ ساحة المنافسة» حِين يقومون بأيّ عملٍ جماعيّ، مِن تكوين النقابات أو القيام بإضرابات.

أجبر إصرار العمّال على النضال أخيرًا المحكمة العليا على تقنين النقابات عام 1842 (في قضيّة Commonwealth ضدّ Hunt). كان على العمّال بالطّبع أن يستمرّوا بالنضال منذ ذلك الوقت للإبقاء على حقوقِ تكوين النقابات. وأثّرَت نِضالاتٌ جماعيّة أخرى على سوقِ العمل بُطُرقٍ سياسيّة، مثل حركة الحدّ الأدنى للأجور أو الحدّ القانوني لطول يوم العمل. على الرّغم كلّ من ذلك، فإن النّفوذَ العمّاليّ الجماعي على سوق العمل محدودٌ مقارنة بتلاعب البورجوازيّة في السّوق. وفي الفترة النيوليبراليّة – أي منذ بدايات ثمانينات القرن الماضي – دفعت الطبقة الرأسماليّة العالميّة تجاه «مرونة» سوق العمل، إذ قاموا بإلغاء القوانين التي أدّت لـ«جمودٍ» في توظيف العمالة – مثل تشريعات الحماية[§] والعديد من حقوقِ النقابات.

خُلاصَة:

هذه التلاعُبات القانونيّة لسوقِ العمَل واضِحة، ولكنّنا سنُنهي هذا المقال عن طريق التّركيزِ على نوعٍ خاص من التدخّل في سوق العمل قد لا يكون واضِحًا: ويتمثّل هذا التدخّل في انبعاثٍ جديد لفروقات الرُتب القانونيّة. فإن كُنت تحمِل مرتبة قانونيّة مُنخفَضة فهنالك حُزمَة كاملة من القوانين المصمّمة للتعاملِ معَك ومع أقرانِك، ومعنى ذلك عمومًا هو أنّك تفتقِد للحقوقِ التي يتمتّعُ بِها الآخرون.

تُدِين الإيديولوجيا البورجوازيّة فروقات الرُتب الاجتماعيّة ولكنّ الرأسماليّة لم تعِش يومًا بدون هذه الفروقات، ولدينا مِثالٌ واضِح في الاستعباد، ولكن كان هنالك فرقٌ مستمرّ في الحقوقِ القانونيّة ما بين البالغين والأطفال، وبين الرجال والنساء، والسّود والبيض (تحت نِظام «جيم كرو»)، وبين المثليين جنسيًا والغيريين، وبين عمّال المزارع وعمّال المصانِع، وبين أعضاء النقابات وغيرهم.

يعلمُ من ناضلوا لأجل حقوقِ الزواج المتساوية جيدًا أنّ هنالك فرقًا كبيرًا ما بين الوضعِ القانونيّ للمتزوجين وغيرِ المتزوجين. فهذه الفروقات تُضرُّ بمن يقعون في الرُتَبِ الاجتماعيّة المتدنيّة إمّا عن طريق تقييد حقوقِهم المدنيّة وتخفيض أجورِهم وتأزيم مستواهم المعيشيّ، أو عن طريق جعلِهم عُرضةً لمخاطِرَ خاصّةٍ بِهم. وفي الوقت ذاتِه، تعمل هذه الفروقات في الرُتَب القانونيّة على تخفيض سعر القوّة العامِلة بأكملها مِن خلال إشعال التنافس وإعاقة المقاومة الجماعيّة.

لعِبت الفروقات في المرتبة القانونيّة دورًا مهمًا في تقويض المكاسِب التي حقّقها العمّال والأمريكيّون الأفارِقة في فترة الطفرة الاقتصاديّة والنضال الاجتماعيّ ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة. كما برهنت ميشيل أليكسندر – على سبيل المثال – أنّ تعداد المساجين الكبير في الولايات المتّحدة كوّن نظام «جيم كرو الجديد» صنع بِدورِهِ طبقة مواطنين من الدّرجة الثانية نشأت من تعداد المساجين المتنامي وأصحاب السّوابِق [إذ فاق تعداد المساجين في الولايات المتّحدة المليونيّ سجين، وهي الأولى عالميًا مِن هذه الناحية]، وعددٌ كبيرٌ منهم الأمريكيّون أفارِقة على نحوٍ غير متناسِب مع تعدادهم السّكانيّ. [وذلِك نتيجة السّياسات العنصريّة المُستهدِفة لهذِه الفئة السّكانيّة والمُستهدِفة لغيرها من الأقلّيات، وهذا الاستهداف الذي تلا حركة الحقوق المدنيّة أدّى لتضاعف تعداد المساجين في الولايات المتّحدة بما يفوق 500% خلال ثلاثة عقودٍ مضت].

ومِن الأرجح أنّ أعظمُ تأثيرٍ على سوقِ العمَل يأتي من تفرقة المرتبة ما بين المواطِن والمهاجر. والمهاجرون من غير الحاملين للوثائق [من يُسمّون بـ«المهاجرين غير الشّرعيين»] يعملون بالطّبع تحت أسوء العوائق القانونيّة، فمنذُ عام 1980 ازدادَ عدد القاطِنين خارِج بلدانِهم الأصليّة عالميًا أكثر من الضّعف، ليتجاوز الـ230 مليون شخص. ليس كلّ هؤلاء مواطنين في بلاد الهجرة، وما بين 15% لـ20% منهم لا يحملون وثائق هِجرة.

من غير الممكن أنّ نحرم أيَّ عاملًا من حقّ الهجرة لإيجادِ حياةٍ أفضل، فهذه المشاكِل ليست من خطأِ العمّال أنفسهم، بل أصحاب العَمل هم من بنوا هذه العوائق القانونيّة أمام المهاجرين في بادئ الأمر، وهم من تلاعبوا بالقوانين وكيفيّة فرضها لتشكيل الطبقة العاملة التي يُريدون. هذه السّياسات زادت من حدّة التنافُس والانقسام في الطبقات العاملة العالميّة وبالتالي خفّضت سعر القوّة العاملة عالميًا.

وبجانب الهجرة الدوليّة، يجب أن نأخذ نظرةً خاصّة على الهجرة الداخليّة في الصّين، هذه الدولة التي تمارس نوعًا من الفصل العنصريّ القانونيّ. فحين ينتقل المزارعون الصّينيّون من جزءٍ ما من الدولة لآخر للحصولِ على أعمالٍ مأجورة، يخسرون بذلك حُزمةً مهمّة من حقوقِ المواطنة، ويرِثُ أطفالُهم مكانَتهم كمواطنين من الدّرجة الثانية. وكانت نتيجة ذلك أن أصبح المهاجرون هؤلاء أحد أقلّ عمّال العالم أجورًا.

هذه الأرقام جديرة بالملاحظة، فمع أنّ الهِجرة ما بين الدول ازدادت بمقدار 130 مليون منذ عام 1980، فقد زادت الهجرة الداخلية في الفترة ذاتها في الصّين بمقدارٍ أكبر، لتصل لحواليّ 220 مليون صينيّ انخفضت رُتبَتهم القانونيّة لينضموا لليد العاملة المأجورة. وهذا العدد يفوق تعداد العمّال غير الموثّقين عالميًا بخمس مرّات. ومنذ 1980، خدعت قوانين الفصل العنصريّ الصينيّة هؤلاء العمّال وسرقت منهم ما يتجاوز الترليون دولار من الفوائد.

استفادت الشّركات التي تكسبُ أموالًا في الصّين من هذه المنظومة الاجتماعيّة ذات المستويين، واستفادت الشركات خارج الصّين لأنّ «السعر الصّيني» للقوّة العاملة ساعد على دفع العمّال عالميًا لسباقٍ دوليٍّ إلى القاع.

المفارقة – إن صحّت تسميتها بذلك – هو أنّ الهجوم على الطبقة العامِلة العالميّة جرى تحت الراية النيوليبراليّة المنادية بـ«الحرّية» و«المساواة» و«سحر الأسواق الحّرة» – في الوقت نفسه الذي عمِلت فيه الدول البورجوازيّة على تقييد حرّيات العمّال وتعزيز اللا مساواة القانونيّة داخِل الطبقة العاملة، والانخراط في تلاعباتٍ شاسعة في أسواق العمل الوطنيّة والعالميّة.

المصدر: ووركس إن ثيوري


مُلاحظات المُترجم:

[*](indentured servitude) أو، نظام السُّخْرة التأجيريّ: نظام يتمّ من خلاله تسخير مَدينٍ من قبل مقرضه حتى يتمّ دفع الدين

[†]  وفّر القانون الإنكليزي العام قاعدة أساسٍ للنظام القانونيّ الأمريكيّ، إذ نمى القانون العام من الممارسات القانونيّة الإنكليزيّة، مدعومًا مِن السّلطة الملكيّة، بدون تأثيرٍ كبير مِن قِبل القانون الروماني. ويشدّد النّظام الأنكلو-أمريكي على أهميّة السوابق القانونيّة أكثر من القوانين الوطنيّة المُستنبطة من القانون الروماني. (مُلاحظة الكاتب)

[‡] أُنظر «أصول الشرطة ودورها في حماية الرأسماليّة»، لكاتِب نفسه

[§] تشريعاتُ الحماية كانت قوانينَ وُضِعت لحماية النّساء والأطفال، مِنها توفير حدّ أدنى للأجور والحدّ من ساعات العمل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s