باسم الحب

«اعمل ما تحب» هو شعارُ العمّال اليوم. فلِمَ ينبغي علينا التركيزُ على مصالِحِنا الطّبقيّة إن لم يكُن هنالك شيء اِسمُهُ «عمل» وفقًا لنًخبة المُرَوِّجِين لهذا الشعار مِثل ستيف جوبز؟

issue13_tokumitsu_feature

ميا توكميتسو

يُوضَع شعار «اعمل ما تحب. أحِب ما تعمل» (Love What You Do. Do What You Love) في صُورةٍ مُبَروَزهٍ بإطارٍ جميل معلّق في غرفةِ معيشةٍ أفضلُ ما يمكن وصفُها به أنَّها «مُعتنى بها جيدًا». ظهرت صورة لهذه الغرفة في بادئ الأمر في مُدَوّنة تصميم مشهورة، ثم ما لبثت أن حَصلت على آلاف الإعجابات في «فيسبوك» والمشاركات في «بنترست» و«تمبلر» حتى الآن.

هذه الغرفة المضاءة والمُصورة بِمحبة خالِصة صُمِمَت لتستلهم الـ«زينزوخ» (Sehnsuc)، وهي كلمة ألمانية يمكن ترجمتها بتصرّف لـ«الحنينَ المبهج إلى شيءٍ أو مكانٍ طوباوي». إنّ غُرفَة المعيشة هذه بالرغم من كونها تقدم نصيحة للعمل في مساحة من الترفيه – حيث تكثر التحف الفنية ويغدوا العَمَل مِثالًا للحُب بدلًا عن كونه كَدحًا – فهي على وجهِ الدِّقة مكانٌ يتُوق كلّ أولئك المعجبين والمشارِكين لأن يكونوا فيه. ترتيبُ اللّوحات ذات الأطُرِ المزدوجة في الغرفة يبدوا وكأنه نُسخة عِلمانية عن المذَبَح المنزليّ في القرون الوسطى.

ليس هنالك شكّ فيمَ إذا كانت عِبارة «اِعمَل ما تُحِب» هي الشعار غير الرّسمي للعمَل في عصرِنا الحالي. تكمُن مشكلة هذه العبارة في كونها لا تؤدي إلى الخَلاص من شقاء العَمَل بَل إلى خَفضِ قيمةِ العَمَل الفِعلِي، بما في ذلك الأعمال التي تزعَم أنّها ترقى بها. والأكثر أهمية من ذلك هو أنّها – أي العِبارة – تجرّد الغالبية الساحقة مِنَ العُمّال مِنْ إنسانيتهم.

تبدو المقولة ظاهِرًا كنصيحة نهضوية، فهي تحُثّنَا على التساؤل في ماهية النّشاط الذي نَستَمتِع بِعَمله أكثر من غيره، وَمِن ثَمّ تحويله إلى مشروعٍ مُدِرٍّ للأجر. لكن لِماذا على مُتعتنا أن تكون مربحة؟ من هم المؤيدون لهذه المقولة؟ ومن هم المعارضون؟

في حثّ هذه المقولة لنا للتركيز على ذَواتِنا وسَعادَتِنا الفرديّة، هي تصرُف انتباهنا عن ظُروفِ عملِ العمّال الآخرين في حِين تُعزز خياراتنا الشخصية وتحررنا من الالتزامات نحو هؤلاء الآخرين، بِغَض النظر عمّا إذا كانوا يُحِبّون عَملَهم أم لا. إنها الصفقة السرية بين الأثرياء ورؤية للعالَم تُخفي نَخبويّتها خلف سِتار نُبلِ «تحسين الذات». وفقًا لهذه النظرة، فإن العمل لا يهدف للتعويض الماليّ إنّما هو فِعلُ يعبّر عن حبِّ الذات. أما إذا لم يأتي هذا العمَل بأرباحٍ، يُعزّى ذلك لِقلَّة شَغَفِ العامِل وعَزِيمَتِه. يكمن أكبر إنجازٍ لهذه العِبارةِ في إقناعها للعمّال أنّ عَمَلهم هدفُهُ خِدمتُهم هم لا خِدمةُ السوق.

للأقوالِ المأثورة كثيرٌ مِن المَصادر والأشكال، ولكن الطابَع العام والمبتذل للشعار آنف الذكر يُصَعِّب من عملية إيجاد منشأ واحد بعينه. تنسبُ مراجع أوكسفورد الشّعار واشتقاقاته إلى «مارتينا نافراتيلوفا» و«فرانسوا رابليه» من بين كلّ المناشئ، فيما ينسبه روّاد شبكة الإنترنت غالبًا إلى «كونفوشيوس»، مُرجعين إيّاه لماضٍ استشراقيٍّ غامض. أدرجت أوبرا وينفري وبقية تجّار الإيجابية هذا الشعار في عروضِهم على مدى عقود، ولكن آخر المُبّشرين الجُدد لعقيدة «أحب ما تعمل» هو الرئيس التنفيذي الراحل لشركة آبل ستيف جوبز.

في كلمته بحفل التخرج لطلاب دفعة ٢٠٠٥ بجامعة ستانفورد، بدا جوبز مصدرًا للخرافة بجودة المصادر الأخرى، خصوصًا أنه نُصِّبَ كقدّيسٍ للعمل الجَمالي قبل وفاته المبكرة بوقتٍ طويل. في تلك الكلمة، روى ستيف جوبز قصة تأسيس آبل وأقحم هذه الفِكرة في السياق:

عليكم أن تجدوا ما تُحبّوه، هذه قاعِدةٌ بِالنسبة لأعمالِكم بِقدرِ ماهِيَ قِاعدة بالنسبة لأحبابكم. عملُكم سيشكل جزءًا كبيرًا من حياتِكم، والطريقة الوحيدة كي تشعروا فعليًا بالرِضا هي عبر إيمانكُم أنّ ما تَقومُون بِفِعله هي أعمالٌ عَظيمة، والطريقة الوحيدة للقيام بعمل عظيم هو أن تُحبّ ما تفعله.

في هذه الجمل الأربع القصيرة تكرّر استخدام «كاف المُخَاطَب» بنحوٍ مبالَغ، فهذا الميل للنزعة الفرديّة بالكاد يكون مفاجئًا من جوبز، وهو الذي كوّن صورةً عنه كعاملٍ مُلهم، وعفويّ، وشغوف: كلّ الصفات المتوافقة مع الحب الرومانسي المثالي. نشَر جوبز صورةً مُضخّمة عن ذاتِه كعامِل مفتونٍ بِعمله ودمجها مع شركتِه بفعالية تامة حتى أضحت بلوزته السوداء ذات الياقة المدوّرة وجينزه الأزرق رمزًا لشركة «آبل» والعمل الذي يحافِظ عليها.

عبر تصويره آبل كعمل ناشئ من حُبِّهِ الفرديّ، يتناسى جوبز آلافًا لا تحصى من العُمّال في مصانع «آبل»، تم إِبعادُهم بشكلٍ ملائم عن الأنظار في الجانب الآخر من العالم، هؤلاء العُمّالُ نفسهم هم اللذين مَكّنُوا جوبز من تحقيقِ ما يحبّ.

يجبُ أن يُكشَف السّتار عن العنف الكامن في عمليّة مسحِ هؤلاء العمّال مِن الصّورة. فبينما تبدوا عبارةُ «اعمَل ما تُحبّ» غير ضارة وثمينة، هي في واقع الأمر تركّز على الذات، حَدّ النرجسية. صياغة جوبز للعِبارة هي الأطروحة النّقيضة المحزنة لنظرة هنري ديفيد ثورو الطوباوية عن «العمل للجميع». كتب ثورو في كتابه «الحياة بلا مبدأ»:

…إنّ أردنا نظامًا اقتصاديًّا ممتازًا لبلدة ما، فذلك بأن تدفع لعمالها أجورًا جيدة بحيث لا يشعرون لاحقًا أنهم كانوا يعملون من أجل مكافآتٍ منخفضة كأن يعملوا لمجرد العيش، لكنّما لأجل غاياتٍ علمية، بل وحتى أخلاقية. لا تستأجر رجلًا كي يقوم بعملك لأجل المال، بل لكي يقوم به من أجل مَحبتِه له.

لا يمكن إنكار أن ثورو لا يفهم فِعلًا شعورَ الطبقة الكادِحة، فمن الصعب تخيّلُ شخصٍ يغسّل حفّاظات الأطفال من أجل «غاياتٍ علميّة، بل وحتى أخلاقية»، بغض النظر عن مدى وفرة الأجر. مع ذلك فقد أكّد على أن المجتمع مسؤول جزئيًا عن جعلِ العمل يتسم بالتعويض المناسب وذو معنى. في المقابل، رؤيةُ القرن الواحد والعشرين «الجوبزاويّة» تستدعي أن ننْغلقَ جميعًا على ذواتِنا، فَهِيَ تُخلي مسؤوليتنا عن أيّ التزامٍ أو اعتراف بالعالم الأوسع، مُؤكدةً على خِيانتها العظمى لجميع العمّال بِصَرف النظر عن تبَنِّيهم لها من عدمه.

أحد المترتبات من هذا العزل هو التقسيم الذي تصنعه هذه العِبارة بين العمال، على أسُسٍ طبقيّة غالِبًا. ينقسم عندها العمل إلى طبقتين متعارضتين: إحداهما طبقة العملُ المحبوب (الإبداعيّ، المفكر، والمرموق اجتماعيًا) والأخرى على عكس ذلك (مُكرّرة، غير مفكِّرة، وعادية). أولئك المُنتمين لبيئة العمل المحبوبة هم أكثر امتيازًا بكثير من ناحية الثّراء والمكانة الاجتماعية والتعليم والانحيازيات العِرقِيّة للمجتمع والنفوذ الاجتماعي، بينما هم يشكلون واقِعًا أقلية صغيرة من قوة السوق.

بالنسبة للبقية المُجبَرين على العمل غير المحبوب فقِصّتُهم مُختلِفة. تحت عقيدة «أحب ما تعمل»، هذه الأعمال المتّخذة انطلاقًا من دوافعَ أو احتياجات خِلافَ «حُبِّ العَمل» (والتي تشكّل في الواقع أغلب الأعمال)، فهي لا تُزدرى فَحسب بل تُمحَى تمامًا. كما يتجلّى في كلمة جوبز في ستانفورد، فالأعمال غير محبوبة، وإن كانت ضرورية اجتماعيًا، يجب أن تُنفى مِن نِطاقِ وعي الناس تمامًا.

فكّر في الأعمال التي لولاها لما تمكّن جوبز مِن أن يقضي يومًا واحدًا كرئيسٍ تنفيذي لآبل: طعامُهُ يُحصد من الحقول، ثُمّ يُنقل عبر مسافاتٍ بعيدة. بضائعُه تُجَمّع وتُعبأ وتُشحن. إعلاناتُ آبل تُكتب وتُطرح، ومِن ثَمّ تُصوّر. دعاوى قضائية تُعالج، حاوياتُ القمامة في المكاتب تُفرّغ وخراطيشُ الحِبر تُملأ. وما تزال الغالبية العُظمى من العُمّال غير مرئية للنخب المنشغلين في أعمالِهم المحبوبة. كيفَ يكون من المستغرب إذًا أن الأعباء الثقيلة التي يواجها العُمّال اليوم (مِن أجور هزيلة وتكاليف رعاية أطفال عالية، وهلم جرّا) بالكاد تُعتبر كمشاكِل سياسية حتى بين الفصيل الليبرالي مِن الطبقة الحاكمة الأمريكيّة؟

في تجاهلها لمعظم أنواع العمل وإعادة تصنيف المتبقي مِنه كـ «حُب»، لربما تكون عِبارةُ «اعمل ما تحب» أكثر الأيدلوجيا المضادة للعمال أناقةً في يومنا هذا. لماذا على العمال التّجمع وتأكيدُ مصالحِهم الطبقية إذا كان ما مِن شيء يُدعى «عمل».


«اعمل ما تحب» تُخفي حقيقة كونِ امتلاك الفرد للقدرة على اختيار مِهنة بناءً على عوائدها الشخصيّة [العاطفيّة] قبل كلّ شيء لَهُوَ امتيازٌ غيُر مستحق، وهذه القدرة تعكس انتماءه الطبقيّ السوسيو-اقتصاديّ. يُمكن حتى لمصمّمة جرافيكس مُستقلّة لدى والديها القدرة دفع مصاريف دراستها في كليّة فنون وتقطن شقة رائعة في «بروكلين» ما كانت لتتحمل سداد أجرتها الشهرية لولاهما، أن تُقدم – مُعتدّةً بِذاتِها – عِبارةَ «اعمل ما تحب» كنصيحة مهنيّة لأولئك التوّاقين لمثل نجاحها.

إن سلّمنا جدلًا أن العمل كمديرٍ مشاريع في «سيليكون فالي» أو كَوَكيل إعلام في متحف ما أو حتى كمساعد مراكِز أبحاث ضروريٌّة مِن أجلِ أن نكون صادقين مع ذواتِنا – أو على الأصح أن نُحبّ أنفسنا – إذن ماذا عسانا نقول عن الحياة الشخصية والآمال لِمن ينظفون غُرَف الفنادق أو من يعبئون الرفوف في المتاجر الكبيرة؟ الجواب ببساطة: لا شيء.

الأعمال منخفضة الأجر – رغم كونها مرهقة – هي الأعمال التي يشغلها معظم الأمريكيين وسيستمرون في شَغْلِها. بِحسب المكتب الأمريكي لإحصائيات العمل فإن أسرع المهن نموًّا ويُتوقع لها تظل كذلك حتى 2020 هي «مساعدُ العناية الشخصية» و«مساعدُ الرِّعاية المنزلية» مع متوسط أجرٍ سنوي بلغَ 19,640 و20,560 دولار على التوالي في عام 2010. [خطّ الفقر في الولايات المتّحدة لعائلة مكوّنة من أربعة أفراد هو حواليّ 24،000 دولار] رفْعُ قيمةِ بعض أنواع المِهَن عبْر جعلها تستحق الحُبّ يُشَوِّه بالضرورة سُمعة تلك المهن غير الفاتنة التي تحافظ على سيرِ وظائف المجتمع، لا سِيّما العمل بالغ الأهمية لمقدميّ الرعاية.

إذا كان شعار العمل هذا يحطّ من شأن قطاعاتٍ واسعة من العمّال – الذين يجعلوننا ننعَم بالراحة ونعمل ما نحب – أو يحجبها عن أنظارِنا بشكلٍ خطير، فإنها سببت ضررًا شديدًا كذلك على المِهن التي تحتفي بها، خصوصًا تلك الوظائف الموجودة داخل الهياكل المؤسسية. لم يكن شعار «اعمل ما تحب» أشد فتكًا بمتبنيه أكثر مما كان في المجال الأكاديمي. تَخَلّى طالب الدكتوراه الاعتيادي في القرن المنصرم عن المال الوفير لمهن المالية والقانون (أقل وفرة في الآونة الأخيرة) لِيعيش على راتب ضئيل من أجل مواصلة شغفه بالميثولوجيا الإسكندنافية أو تاريخ الموسيقى الأفرو-كوبية.

ما نتج عن الاستجابة لهذا «الشغف الحالم» هو سوق عمل أكاديمي يكون فيه 41% من أعضاء هيئة التدريس الأمريكية أساتذة مساعدين: أساتذة متعاقدين ينالون عادةً أجورًا متدنية، بلا فوائد أو مكتب أو أمانٍ وظيفي أو مصلحة طويلة الأمد من العمل في جامعاتهم.

هناك عوامل متعددة تدعُ برامج الدكتوراه مستمرة في تزويد السوق بكذا عمّال محترفين وبأجورٍ متدنية جدًّا، مِنهاُ التبعيّة للمَسار والتكاليف العالية للحصول على الدكتوراه، لكن أقوى العوامل هو مدى تغلغل عقيدة «اعمل ما تحب» في المجال الأكاديمي. لا تدمِجُ سوى مِهنٌ قليلةٌ أُخرى بشكل وثيق الهويّة الشخصية لعُمّالها بمُخرَجات العمل، وهذا الدمج المكثف يفسّر جزئيًا الصّمتَ الغريب لأعضاء هيئة التدريس الفخورين بانتماءاتهم اليسارية عن أوضاع عمل زملائهم، وذلك لأن إعداد البحوث الأكاديمية يَنبعُ من الحب الخالص، أمّا أوضاع العمل والتعويضات تأتي في المرتبة الثانية، ذلك إذا ما تم وضعها أساسًا في عين الاعتبار!

كتبت سارا برولي عن هيئات التدريس الأكاديمية في كتابها المعنون «العمل الأكاديمي، جماليات الإدارة، ووعدُ العمل المستقل»:

…إيماننا العميق بأن عملنا يوفر مكافآت لا مادية، وأنه متعلق بهويتنا الشخصية أكثر من الوظائف «العادية»، يجعلُ مِنّا موظفين مثاليين حين يكون الهدف من الإدارة استخراج الفائدة القصوى من العُمّال بأقلِّ تكلفةٍ ممكنة.

العديد من الأكاديميين يظنون أنهم تجنّبوا بيئة عمل الشركات ومبادئها المصاحبة، لكن في مقالته «نحن نعمل»، أشار مارك بوسكيت إلى أنّ الأوساط الأكاديمية لربما تقدم نموذجًا لإدارة الشركات في الواقع:

ما هو السبيل لمحاكاة بيئة العمل الأكاديمية وحمل الناس على العمل في مستويات عالية من التوقد الذهني والحماس العاطفي لِما يُقارب الخمسين أو الستين ساعة أُسبوعيًا مقابلَ أجر ساقي حانةٍ أو أقل؟ هل من طريقة تمكننا أن نجعل موظفينا يُغمى عليهم فوق المكاتب ثم يهمسون لأنفسهم «أُحِبُّ ما أعمله» تجاوبًا مع أعباء العمل المتراكمة والأجر الزهيد؟ كيف نجعل من عُمّالنا يُنكرون قيامهم بأي عملٍ على الإطلاق كما هو الحال مع أعضاء هيئة التدريس؟ كيف بإمكاننا تعديل ثقافتنا المؤسسية لِتُماثل ثقافة الحرم الجامعيْ، حتى يتسنّى ليدِنا العاملة أن تقع في حُبِّ عملها أيضًا؟

لم يقل أحد أن العمل الممتع ينبغي أن يكون أقل إمتاعًا، لكن العمل المشبِع عاطفيًّا يظل عملًا، والاعتراف به كعمل لا يُقلّل من قَدرِه بأي حال من الأحوال. رفضُ تعريفِه كعمل – من ناحية أخرى – يفتح الباب لأبشع أنواع الاستغلال ويؤذي جميع العمّال.

المفارقة هي أن مفهوم «اعمل ما تحب» يقوّي الاستغلال حتى لما يُدعى بالمهن المحبوبة: حيث أصبحت ساعات العمل الإضافية، والعمل زهيد الأجر، أو حتى العمل بلا مقابل هو النمط السائد، إذ يتوجّب على الصحفيين القيام بعملِ زُملائهم المسرّحين من المُصورين، ويُتوقعُ من الإعلاميين التغريد على تويتر حتى في الإجازات الأسبوعية, و46% من الأيدي العاملة يُتوقع منهم مراجعة بريدهم الإلكتروني الخاص بالعمل أثناء إجازاتهم المرضية. لا شيء يُعمق الاستغلال أسهلَ مِن إقناع العمال أنهم يفعلون ما يحبون.

بدلَ صناعة أمة من العمال المتميزين والسعداء، شَهِد عصْرُنا – عَصْرُ «اعمل ما تحب» – ارتفاع أعداد المدرسين المساعدين والمتدربين بلا مقابل: أناس مدفوعين للعمل لِقاءَ أجرٍ بسيط أو بلا مُقابِل، أو حتى مُقابِل خسائر في أموالِهم. ومؤخرًا تكررت تلك القضيّة بالنسبة للمتدربين اللذين يعملون لتحصيل الساعات الجامعية أو لِمَن يشترون الفرص التدريبية للعمل في دور الأزياء المرغوبة بشدة في مزادات علنية (كان دارا «فالنتينو» و«بالينكياغا» ضمن حفنة دور الأزياء التي باعت دورات تدريبٍ شهرية في مزاد علني، كفعلٍ خيريّ للمتدرّبين بالطبع!). والمثال الأخير أخذ باستغلال العمال إلى مستوًى بالغ التطرف، وكما يكشف تحقيق صحيفة Pro Publica المستمر أن المتدربين بلا أجر يشغلون نسبةً عالية في سوقِ العمل الأمريكية أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى.

ليس مفاجئًا البتة أن المتدربين بلا مقابل يكثُرونَ في الأماكن المرغوبة اجتماعية كدور المُوضة والإعلام والفُنون. هذه الصناعات لطالما اعتادت على حشودٍ من العمال الطامحين للعمل نظيرَ الفوائد والعائدات الاجتماعية بدلًا من الأجور الحقيقية؛ كل ذلك بِاسمِ الحُب. يُستثنى من هذه الفرص – بطبيعة الحال – السواد الأعظم من الناس: أولئك المحتاجين للعمل من أجلِ المعاش. هذا الاستثناء لا يرسّخ الجمودَ الاقتصادي والمهني فَحَسب، بل يعزلُ هذه الصناعات عن الأصوات المتنوّعة الكثيرة التي يحتويها المجتمع.

وليس من قَبيلِ المصادفة أنّ الصناعات التي يكون المتدربون عصبها الرئيس – الموضة والإعلام والفنون – هي المؤنثة منها فقط، كما ذكرت مادلين شوارتز في مجلة Dissent.  من العواقب الوخيمة أيضًا لشعار «اعمل ما تحب» هي سعيهُ دون رحمة لأن تستخرج العمالة النسائية مقابل أجرٍ قليل أو دون مقابل. تتألف أغلب القوّة العامِلة قليلة الأجر أو غير مدفوعة الأجر من النساء; فأعدادهن تتجاوز أعداد الرجال في المجالات غير المدفوعة مثل الرعاية والتدريس والتدريب. القاسم المشترك بين هذه الأعمال – سواءٌ شَغَلها خِرِّيجو دكتوراه أم خِرِّيجو الثانوية العامة – هو الاعتقاد أن الأجر لا يُفترض به أن يكون الدافع الرئيس لفعلها. ويفترِض هذا الاعتقاد أنّ النساء من الطبيعي قيامُهم بهذه الأعمال لأنهن «مربياتٌ فطريًات» و«يحرصن على الإرضاء»; فهُنّ على كلّ حال يقمن بالعناية بالأطفال والمسنين بالإضافة إلى الأعمال المنزلية دون مقابل منذ فجر التاريخ. والتحدث عن الأجور لا يلائم «ذوق السّيدات» على أي حال.


إنّ حُلمَ «اعمل ما تحب» – مُصادِقًا لبقيّة الأساطير الأمريكية – هو حلمٌ ديموقراطي ظاهريًا. بإمكانِ حاملي شهادات الدكتوراه فعل ما يستهويهم كالعمل في مهن تُعبر عن شغفهم بروايات العصر الفيكتوري وكتابة مقالات رصينة في موقعNew York Review of Books. وبإمكانِ أيّ خريجٍ من الثانوية فعل ما يحبّ أيضًا، كأن يبني إمبراطوريّة مطاعم أكلات جاهزة باستخدام وصفة مُرَبّى خالتِه «بيرل». المسار المُكرّس لصاحب المشروع دائمًا ما يقدم هذه الرواية كَمَخرج من بداياتٍ محرومة، عاذِرًا بقيتنا لكوننا سمحنا لهذه البدايات أن تكون تعيسة بهذا القَدر. ففي أمريكا، بإمكانِ الجميع أن يفعل ما يحب ويغدوا ثريًّا، أو هكذا تقول الأسطورة.

افعل ما تحبّ ولن تضطر للعمل ليوم واحد في حياتك! قبل الخضوع للدِّفء السّامّ الذي يحمِلُهُ هذا الوعد، مِن المهم أن نتساءل «مَن يا تُرى المستفيد الفعلي من جعل العمل يبدوا كما لو لم يكن عملًا؟»، «لماذا على العمال أن يشعروا بأنهم لا يعملون في حين هم مكلّفون بذلك؟». يُذَكرُنا المؤرخ ماريو ليفيراني بأن «وظيفة الأيدلوجية أن تُصور الاستغلال على أنه نورٌ في صالح المُستغَلين، وذو فائدةٍ للمحرومين».

عبر إخفاءِها التام لآليات استغلال العمل الذي تزوّدها بالوقود، فإن عبارة «اعمل ما تحب» هي أفضل الأدوات الأيدولوجية للرأسمالية. فهي تُقصي أعمال الآخرين وتُخفي عملنا الفِعلي عن أنفُسنا، تُخبئُ حقيقة أنّهُ عِندَما نَعتبِر كُلّ ما نعمله كَعَمل، سيُصبح بإمكاننا وضعَ حُدودٍ مناسبةٍ له والمطالبة بتعويضاتٍ عادِلة ومواعيدَ عملٍ إنسانية تسمح ببعضِ الوقت مع العائلة أو توفّر لنا بعض أوقاتِ الفراغ.

إذا ما فعلنا ذلك، سيتسنى للمزيد الخروج وفِعلَ ما يحبونه حقًّا!

المصدر:مجلّة جاكوبين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s