ثورة على أطراف السعودية: التمدين، التهميش، وانتفاضة الشيعة عام ١٩٧٩

1

توبي كريغ جونز

على امتداد سبعة أيامٍ أواخر نوفمبر من عام ١٩٧٩، اهتزت شوارع المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية بأحداث عنف شوارع دموية ما بين قوى أمن الدولة وآلاف الشيعة المحبطين. العنف الذي أثاره قمع النظام السعودي الوحشي للمحتفلين سلمياً بعاشوراء – الحداد السنوي على استشهاد الإمام الحسين – أسفر عن عدد غير معروف من القتلى والجرحى. شمل التدمير قيام المتظاهرين بإحراق البنك البريطاني في القطيف إلى جانب مكاتب الطيران السعودي. كما قاموا بتدمير المركبات التابعة للدولة، ومهاجمة الشرطة، ومداهمة مكتب خفر السواحل في قرية العوامية، والاستيلاء على أسلحة من الجنود، كما احتلوا البلدة القديمة في قلب القطيف، حيث قاوموا العسكر السعودي لأيام. يروي أحد التقارير أيضاً قيام مجموعة بإحراق متجر ألعاب مملوك لأحد موظفي الحكومة. تظاهرت النساء إلى جانب الرجال في غضب. طوقت قوات الأمن – التي شملت ٢٠,٠٠٠ من الحرس الوطني السعودي – الطرق الرئيسية، خاصة في القطيف وسيهات وصفوى من أجل عزل الاحتجاجات، وتقييد تسرب المعلومات، إلى جانب حماية المنشآت البترولية القريبة من التدمير. دارت الأخبار حول قيام القوى بإطلاق النار فعلياً على أي تجمع علني للناس، من ضمنها جنازة واحدة على الأقل في صفوى، حاملين المعزين على الهرب وترك الجثة في الطريق. رفضت الدولة والمستشفى تسليم الجثامين من المشرحة من أجل الدفن حتى يتم إخماد الاضطرابات، مستغلين الموتى كوسيلة ابتزاز. لجأ الحرس الوطني بشكل واسع إلى إطلاق النار من طائرات الهيلوكوبتر من أجل التحكم بالجماهير، محولين المنطقة إلى منطقة صراع مميتة تتسم الإرهاب، والعداوة، والخوف.

ضاعفت الثورة مما كان يشكل أزمة سياسية في شبه الجزيرة العربية، الأزمة التي كانت تهدد سلامة بيت الحكم السعودي مباشرة. فقد تقاطعت الاضطرابات زمنياً مع احتلال الحرم المكي من قبل مجموعة متطرفين دينيين يقودهم جهيمان العتيبي وجماعته من الإخوان الجدد. احتلال المسجد في مكة، الذي دام عدة أسابيع وتطلب استخدام القوات السعودية الخاصة لإنهائه، هز المملكة حتى الصميم. في أثناء ذلك، وفي الشرق، ولأن الغالبية العظمى من سكان المنطقة – وبناء عليه المشاركين في التمرد – هم من الشيعة، فقد أشارت الثورة إلى القبول الشعبي ووصول رسالة آية الله الخميني الثورية – الذي كان يشكل تهديداً مباشراً للنظام السعودي.

في تحليله لأحداث ١٩٧٩-٨٠م، يقول جيكب غولدبرغ أن «الاضطرابات العنيفة عكست الضيق الاجتماعي والاقتصادي المتنامي بين الشيعة». على كل حالٍ، بقي توثيق مثل هذا الاستنتاج تحدياً، كما أن التفاصيل الدقيقة والتجريبية للظروف الاجتماعية في المنطقة الشرقية، خاصة تلك التي أدت إلى حالة الإحباط، إلى جانب الملامح الإيديولوجية والسياسية للشبكة التي قادت التظاهرات، غابت عن المراقبين. من خلال مصادر رئيسية جديدة ومواد لم يتم تحليلها مسبقاً منشورة في المملكة ومن سعوديين في المنفى، يتناول هذا المقال بتفصيل أكثر التحديات والمصاعب الخاصة التي واجهتها المجتمعات هناك. عبر فحص القواعد الاجتماعية والسياسية للسياسة في المنطقة الشرقية من العربية السعودية أواخر السبعينات الميلادية، كونتُ فرضية مفادها أن المضامين الإيديولوجية والموضوعية لأنشطة سياسية مختلفة نشأت عن التناقضات الخاصة النابعة من محاولات النظام السعودي اعتناق خطط ولغة تنموية في الوقت الذي مارس فيه أشكالاً مختلفة من الهيمنة الاجتماعية والدينية. يجب أن تعزى التعبئة السياسية للسعوديين في الشرق إلى الخيبة من آثار – ما بدا للشيعة على الأرض – سياسة التنمية التميزيية للدولة ووعود التمدين غير المحققة التي قطعتها. من خلال سعي النظام إلى إعادة صياغة المجتمع في المملكة عبر التمدين، وإقصاء الأنداد – من أمثال الشيعة – من هذه العملية، فإن النظام خلق في آن الظروف الإنشائية لعملية التسييس ووفر المفردات السياسية التي عبر بها الدعاة عن خيبتهم. رفع النظام سقف التوقعات عبر انخراطه في خطاب شعبي حول تطوير الأمة، في حين أنه في الواقع أقصى الكثير من منافع هذا التطوير، خالقاً حالة مهيمنة فرّق فيها التناقض الصارخ بين الرابحين والخاسرين في مملكة النفط.

اعتناق الثورة؟

لا ينتابنا شك في أن الثورة الإيرانية ساهمت في شحن الوضع السياسي وتنشيط المعارضة بين الشيعة في الدول المجاورة، الشيعة الذين عانوا طويلاً من أشكال ودرجات مختلفة من القمع. يشير المراقبون بشكل صائب إلى أن الثورة ساهمت في تغذية التوقيت إلى جانب تغذية بعض القوى التي شجعت السعوديين على الخروج إلى الشارع. تذكر مضاوي الرشيد في تأريخها للعربية السعودية أن «نجاح الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ قلب العديد من النشطاء الشيعة إلى «متمردين إسلاميين». كما تشير إلى أنه، جزئياً، «كان التمرد نتاجاً لنجاح الثورة الإيرانية التي أخذ قائدها بمهاجمة العربية السعودية لفسادها، وتحالفها مع الغرب، وفوق ذلك مساءلة دعوى القيادة السعودية حماية الحرمين الإسلاميين في مكة والمدينة». يذكر جيمس بتشن أن إيران سعت بنشاط إلى نشر رسالتها بين نظرائها الشيعة في الدول المجاورة، مستخدمة المذياع لبث رسالتها.  أما عن توقيت الثورة، يقترح جوزيف كوستينر أنه «عندما أصبح الشيعة أخيراً مشحونين سياسياً أواخر عام ١٩٧٨، أثارهم المثال الملهم لثورة الخميني أولاً»، رغم أنه يشير إلى أن «الثورة لم تندفع نتيجة تلاعب إيراني بل بسبب شعور التضامن الشعبي والمظلمة الحقيقية، وكانت صفتها شعوبيةً خالصة».

كان للثورة الإيرانية مضامين هائلة بالنسبة للحياة السياسية للمجتمعات الشيعية في الخليج والعربية السعودية، رغم أن محاولة فهم الصلات الإيرانية السعودية ظل صعباً. كانت أهمية الحدث الشيعي الثوري عميقة. ولا شك أن الثورة شجعت السعوديين الشيعة وأشعلت فيهم الغضب، بل وولدت فيهم ميلاً للمواجهة. خلال ١٩٧٩، تنامت جرأة قادة المجتمع الشيعي السعودي تدريجياً، حيث اتخذوا إجراءات كانوا يتجنبونها في الماضي. كان مثال إيران مؤثراً بالفعل، غير أن الثورة في العربية السعودية لم تكن حدثاً مشتقاً عنها. فعلى الرغم من مركزية القوة الرمزية لإيران – كانت صور ثورة إيران مثل صور آية الله الخميني منتشرة في العربية السعودية – إلا أن ثورة ١٩٧٩ عكست تظافر العوامل الخارجية مع الأهداف والمعاناة المحلية الخاصة. شكلت الثورة السعودية شيئاً أبعد من استجابة لدعوة الخميني لشيعة المنطقة بأن يعتنقوا ويتبنوا ثورتهم الخاصة، رغم إغراء قول العكس.

على الرغم من أن الشيعة السعوديين اعتبروا الخميني مصدراً للإلهام السياسي، إلا أن أغلبهم لم يكن يعتبره مصدر السلطة الدينية أو السياسية (المرجعية)، خاصة في المناطق التي تأثرت بالتظاهرات. خلاف ذلك، فمنذ السبعينات، اتبع أغلب السياسيين من الشيعة السعوديين مرجعية آية الله محمد الحسيني الشيرازي، الذي هرب من إيران إلى الكويت في أواخر الستينات، ثم عاد إلى قم بعد سقوط الشاه. خلال السبعينات، امتد تأثيره بين المجتمعات الشيعية الخليجية. ومع أن الشيرازي دعم إسقاط النظام الإيراني، لكنه لم يكن داعماً قوياً لمبدأ ولاية الفقيه الذي تبناه الخميني. دعى الشيرازي إلى تأسيس طبقة سياسية من علماء الدين تعين على إدارة شؤون الدولة، رغم سعيه إلى إنشاء لجنة من المجتهدين الكبار وليس حكماً يتفرد به فقيه قوي. لم يولّد الفرق بين رؤيته ورؤية الخميني توتراً شخصياً بين الرجلين، رغم كونهما خصمين بارزين في إيران، كانت العلاقات متوترة أكثر بين الشيرازي ومؤيدي الخميني اليافعين، من أمثال آية الله خامنئي.

من الصعب تقدير التأثير المحدد للشيرازي على المنظمات الشيعية الثوريّة في العربية السعودية ونشاطها في ثورة ١٩٧٩. تجلى أثر القيادة المباشرة للشيرازي على المجتمعات الشيعية المحلية واضحاً في مكان آخر في الخليج. في البحرين، على سبيل المثال، حيث يشكل الشيعة أكثرية السكان، أنشأ هادي المدرسي، وهو عراقي كان يمثل الشيرازي في جزيرة البحرين، المؤسسة الثورية «الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين» إلى جانب شقيقه الأكبر محمد تقي المدرسي – الذي أصبح حالياً آية الله وأحد خلفي الشيرازي – وكلاهما أبناء أخت الشيرازي. على الرغم من أن المقلدين السعوديين للمرجعية الشيرازية، بقيادة الشيخ حسن الصفار، أنشأوا حركة الإصلاح الشيعية في العربية السعودية ثم لاحقاً منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية السعودية في أواخر السبعينات، إلا أنهم لم يتمتعوا بصلات قوية بالمرجع الأعلى، خاصة بعد مغادرته الكويت إلى إيران في ١٩٧٩. تشير المصادر إلى أن السعوديين الشيعة اتصلوا بالشيرازي حول أحداث المنطقة لاحقاً ذلك العام لكنهم لم يسعوا إلى المساعدة أو التوجيه في تنظيم هذه الأحداث أو تنسيقها. على العكس من ذلك، احتفظت المجموعة بشخصيتها المحلية، عاكسة أهداف المجتمع ومصالحه. استلهم أعضاء منظمة الثورة بالطبع من الثورات في إيران، حتى أنهم اتخذوا رموزها. رغم ذلك، من المرجح أن العلاقات لم تتجاوز مستوى الرمزية.

بالنسبة لبعض الشيعة السعوديين، شكلت التظاهرات لهم بالفعل ملعباً محلياً لحدثٍ شيعي عالمي. لكن بالمعاينة الدقيقة، يتضح أن السمة الإيديولوجية للتظاهرة السعودية لم تتكون حصرياً بناء على شرائط خاصة بتنويعات الشيعية السياسية التي انبثقت عن إيران. وزعت المناشير قبل وأثناء خريف ١٩٧٩ كما أن ما تلاه تضمن جماعات سياسية متعددة. يساريون تجنبوا سياسةً دينية (طائفية) خاصة إلى جانب إسلاميين تحركوا وتظاهروا كردة فعل على ما اعتبروه أعواماً من الإهمال وعلى مجرى أحداث نوفمبر ١٩٧٩ نفسها. مما يثير الاهتمام أن تنوع الثورة السياسي حاكى الأحداث في إيران، حيث ساهمت أفعال الإسلاميين واليساريين إلى دفع الشاه خارجاً. لم يأتي الخميني ومؤيدوه ليسيطروا على النظام السياسي إلا لاحقاً وفقط عندما قاموا بعنف بإقصاء رفاقهم الثوريين اليساريين. على خلاف إيران، لم يتضامن الدعاة السياسيون السعوديون معاً. بسبب انقسامهم سياسياً، افتقر المتمردون من شيعة السعودية إلى أهداف واضحة وفشلوا في تكوين رؤية راسخة.

الأزمة الاجتماعية والسخط من نقص التنمية:

199745_136342539769381_134430556627246_227345_2442913_n2

في ديسمبر ١٩٧٩، أطلقت منظمة الثورة الإسلامية منشوراً من سبعة بيانات كانت المجموعة قد وزعتها خلال الاضطرابات تحض الناس للخروج إلى الشارع. برزت المجموعة من العتمة في منتصف الانتفاضة نفسها واتخذت دوراً قيادياً في المجتمع. في مقدمة موجزة، طرح كاتبـ/ـو المنشور سؤالاً بلاغياً: «أكان ما حدث…مجرد ثورة عاطفية، دون أساس اجتماعي أو سياسي، كما صورها وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز ووزير الإعلام محمد عبده يماني؟ أم أن للانتفاضة في جوهرها أساساً اجتماعياً وسياسياً؟». مجيبين على السؤال بأنفسهم، عدد الكتاب ثلاثة أسباب للانتفاضة وشخصيتها. أولاً، استشهدوا بالـ«الحِرمان والبؤس» الذي يعاني منه السعوديون في المملكة، لا سيما في الشرق. للبرهان على معاناة المواطنين العاديين دون جدوى، ناقش الكتاب كون الدولة تآمرت لإخفاء اتساع ثروتها في حين لم يعرف العديد من السعوديين غير الفقر واليأس. تساءل الكتاب: «كيف تتخيل [أيها القارئ الأجنبي] وضع شعب تمتلك حكومته مثل هذه الثروة؟ لو أن العالم يعلم فقط وضع شعبنا ويستوعب مدى الحرمان والبؤس الذي تعيشه جماهيرنا المستضعفة تحت ظل النظام السعودي».

عرض المنشور صوراً لمنازل صفيح خربة بأسقف من سعف النخيل مع عنوان يقول «في أرض تضم ربع مخزون العالم من النفط، تجد هذه البيوت». جادل الكتاب أن آلافاً من الناس لا يملكون ماء أو كهرباء مع أواخر عام ١٩٧٩. حتى في راس تنورة، موطن معامل ضخمة لتكرير نفط المملكة، ومحطات طاقة، ومراكز تحلية مياه، وأنظمة تقنية حديثة واسعة، يعيش الآلاف ويكدحون دون مرافق أو خدمات أساسية. اجتمع الإذلال مع البؤس. حين زارت الملكة إليزابيث الدمام في ١٩٧٨، يذكر الكتاب أن البلدية المحلية نصبت حواجز وأسواراً كي لا «الأكواخ الطينية» أو مدى بؤس الناس.

قال الكتاب أن عائدات النفط السعودية يتم إهدارها عبر قنوات تبذير وإسراف لا تخدم مصالح المواطنين السعوديين. إشارة إلى مصادر دون تسميتها، أعربت المجموعة عن سخطها من احتمالية كون النظام السعودي مسؤول عن ٢٣٪ من صفقات الأسلحة الدولية. تساءل الكتاب «ضد من ستستخدم هذه الأسلحة» مشيرين إلى أن النظام السعودي غير منخرط في أي صراع على مستوى المنطقة أو العالم ولا يبدو تحت تهديد هجوم مباشر. يشير الكتاب إلى أنه «عندما يرى الناس استغلال الثروة [الوطنية] وهدرها – في حين أن كل منطقة يعيشون فيها تعاني من الحرمان والبؤس والمعاناة – أليس من الطبيعي لهم أن يتصرفوا بأسلوب ثوري، وأن يمارسوا القوة ويصمدوا في المقاومة من أجل حقوقهم وحماية ثروتهم من خيانة آل سعود المجرمين؟».

أشار الكتاب أيضاً إلى غياب دستور يضمن الحريات الأساسية كحرية التعبير وحرية النشر كمجموعة ثانية من العوامل التي حركت التعبير الشعبي عن الإحباط. ثالثاً الموقف العدائي للنظام السعودي من الثورة الإيرانية، التي بشر بها الكتاب لرسالتها الإسلامية العالمية ودعوتها إلى الاتحاد في وجه الإمبريالية الغربية والأمريكية. منحت الأسباب الثلاثة لاندلاع الانتفاضة التي عددتها المنظمة نظرة على تعقيد المظالم التي يتشاطرها من خرجوا للشوارع. رغم أن السببين الأخيرين يتعلقان بأجندة المنظمة الأيديولوجية الخاصة، فقد أقرت المجموعة أن الأزمات والتوتر طويل المدى الناتجين عن البؤس الاجتماعي واختلال التنمية السعودية هي ما زود شدة الثورة بالوقود. رغم أن البعض انتفع من ثروة النفط الطائلة، إلا أن العديد – خاصة الأقليات ومن على هامش السلطة – يبدو أنهم أهملوا عمداً.

وظف خطاب المنظمة العاطفة والغضب وقوة البلاغة العاطفية لحشد الدعم وضمان الضغط المباشر على النظام. ومن المهم أيضاً أنها أطرت المعاناة ضمن مصطلحات محددة جداً، مما ينبئنا الكثير عن القضايا التي أشعلت الاضطرابات. لم تقرن المنظمة فقط بين «المعاناة والبؤس» الشعبيين وبين ترف الدولة وإسرافها، بل أشارت أيضاً إلى مصداق هذا التفاوت في وعود التنمية التي لم تتحقق، والتي روج لها النظام بشكل واسع وشعبي على أنها التزامه الأهم تجاه مواطنيه السعوديين. فعلى سبيل المثال، زعمت خطة التنمية الخمسية السعودية الثانية التي أطلقت واحتفي بها على نطاق واسع أن «القيم والمفاهيم الأصيلة التي تقود تنمية السعودية المتوازنة» تتضمن هدف «تطوير الموارد البشرية عن طريق التعليم، والتدريب، ورفع مستوى الوضع الصحي». أكدت الخطة على رغبة النظام في «رفع مستوى الرفاهية لدى كل فئات المجتمع وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في ظل ظروف التغيير المتسارع» من خلال «تطوير البنية التحتية المادية من أجل تحقيق الأهداف الواردة أعلاه». في ربيع ١٩٧٩، طرح النظام ميزانيته السنوية مع كثير من الدعاية. أشار الملك خالد إلى ميزانية العام الباغة ١٦٠ مليار ريال سعودي ذاكراً أن الأموال سوف «تمكن الحكومة – بمشيئة الله – من رفع مستوى الخدمات للمواطنين في جميع أنحاء المملكة». ردد المسؤولون المحليون في المنطقة الشرقية خطاب النظام. عبر الأمير عبد المحسن بن جلوي، الحاكم القوي للمنطقة الشرقية، عن رأيه قائلاً أن الميزانية وضعت بشكل واضح «سعادة المواطنين» كأولوية أصحاب العرش في المملكة. وصرح أن الميزانية الضخمة كانت دلالة على التزام الملك خالد وولي العهد الأمير فهد بـ«تنمية الأمة». وشدد أنه بالأخص، في الشرقية، سيكون التركيز على الخدمات الصحية والاجتماعية إلى جانب تطوير الموارد البشرية. كانت مثل هذه التصريحات باعثة على الأمل في الماضي. إلا أنها في نهاية ١٩٧٩، أثارت الغضب.

وفقاً لمراقبين وناشطين محليين، فقد فشل النظام في توفير التنمية عبر مؤسساته الوطنية والمحلية. فعلى الرغم من أن أعضاء العائلة المالكة كانوا يبنون الفلل، ويسافرون عبر العالم، ويشترون أسلحة باهظة، إلا أنهم لم يقوموا بتوفير الخدمات والمقومات الأساسية التي وعدوا المواطنين السعوديين بها. ظل الفقر متفشياً في المناطق الواقعة على هامش السلطة، وسئم الكثير من فشل الدولة في تأدية ضماناتها. بدا لمؤلفي منشور منظمة الثورة الإسلامية وآخرين أن نكث الوعد كان متعمداً، فعلاً انخرط فيه «نظام آل سعود المجرم» في خيانةٍ مقصودة تجاهلت الآلاف خلفها عمداً.

وسواءً كان الأمر نتيجة إهمال متعمد أم لا، كان من الواضح أن مئات الآلاف من الناس كانت تعاني، وهي تعيش في ظروف قاسية، مفتقرةً إلى الخدمات الأساسية، وكانت غاضبة بسبب ذلك. في السنة التي سبقت المظاهرة، سيطرت أخبار التدهور الاجتماعي وضعف خدمات الدولة على الجرائد المحلية في المنطقة الشرقية، حيث امتلأت صفحات «اليوم» – الجريدة المحلية للمنطقة ومقرها الدمام – بأمثلة على المعاناة، وبتقارير حققت في ضعف الكفاءة الإدارية، وبرسائل غاضبة لمواطنين محليين. وعلى الرغم من أن الصحافة لم تستهدف العائلة المالكة بشكل مباشر، إلا أن غضبهم من الفروع المحلية للحكومة ومن سياسات التنمية، وبناء عليه من السلطة المركزية، كان واضحاً.

سيطر على النقاش مواضيع عدة، أهمها أزمةٌ في إدارة المياه وتضاؤل الموارد بالإضافة إلى عدم قدرة البلديات المحلية على إدارة الوضع المتردي. بلغ تقلص الموارد المائية إلى جانب فشل أنظمة المياه مرحلة الأزمة في واحتي الأحساء والقطيف وفي القرى المحيطة بها. في عام ١٩٧٩ فقط، كان هناك خمسون مقالاً، ورسالةً، وصورةً حول مشكلة المياه في المنطقة. في واحة الأحساء، كانت المشكلة صعبة. فقد بدا أن موارد المياه – الحيوية لإنتاج الواحة الزراعي – في تدهور متسارع، رغم المحاولات المبذولة خلال العقدين الماضيين لإدارتها. نتيجة لذلك، تهافت المزارعون المحليون وملاك الأراضي على حفر آبارهم العميقة الخاصة وحيازة حق الوصول الخاص لشريان الواحة الحي. ساهم هذا التدافع، على كل حال، في زيادة نضوب معدل الماء المتدني أصلاً. تعقدت مشكلة نقص المياه نتيجة عوامل أخرى أيضاً، مثل وجود المواد الكيميائية في مياه الشرب، والأمراض التي تنتقل عن طريق المياه، واختلاط المياه النقية بمياه المجاري. في أحد المقالات، كتب الصحفي الغاضب بجريدة اليوم حسين الطنطاوي تحقيقاً صحفياً لافتاً الانتباه إلى الأزمة المتصاعدة. في رد على مبادرة محلية قام بها مجلس الأحساء البلدي للعثور على موارد جديدة للمياه، شكك الطنطاوي في حكمة إدارة المجلس للمشكلة، محتجاً بأن المشاكل ستتكرر على الأرجح بما إن تخطيط الإدارة فشل في وضع النمو السكاني المتزايد، وازدياد الطلب، والحاجة لتغطية منطقة جغرافية أوسع، بعين الاعتبار. كما ذكر أيضاً بأن نسب الملح والكلور في مياه الواحة كانت عالية بشكل مفرط، وتبلغ ضعف المقاييس العالمية، التي أكد أنها «غير مقبولة». مشاكل مشابهة ألمت بقرى عديدة في الواحة. أما في مدينة القطيف الشيعية والمناطق المحيطة، فقد كانت المشكلة أشد سوءاً. ففي سلسلة من المقالات، والافتتاحيات، والمقالات المصورة، وثقت جريدة اليوم بشكل منتظم مشاكل المياه المتعددة في القطيف. ومن أهمها، كما هو الحال في الأحساء، أن مدينة القطيف وقراها لم تكن تمتلك نظاماً مركزي التخطيط أو فعالاً لتوفير الماء الصافي. فحيث تقع الشبكات المحلية القديمة، تكون الأنابيب مكشوفة غالباً ومحطمة، لتضخ المياه النقية والمجاري معاً إلى المناطق السكنية. عانت صفوى، وهي بلدة تقع جنوب القطيف، من مستنقعات كبيرة من الماء الآسن ومياه المجاري التي تسربت من الأنابيب القديمة. أما جزيرة تاروت، التي تقع على مسافة عدة كيلومترات من المدينة الرئيسية، فقد حظيت باهتمام خاص من قبل الصحفيين. فرغم تميزها بجمالها الطبيعي، وخصوبتها الماضية، ومعالمها التاريخية، وإمكانياتها الاستثمارية، إلا أن مجموعة القرى الصغيرة كانت عملياً خَرِبة. في مثال نشر في شهر يونيو، تساءلت الصحيفة ما إذا كان سكان تاروت سيضطرون آخر الأمر إلى شرب مياه البحر. مشيرةً إلى المشكلتين الرئيسيتين وهما عدم توفر مياه الشرب إضافةً إلى المستنقعات الدائمة طوال العام. وانتقد السكان والسلطات المحلية وزارة َالشؤون البلدية والقروية ولجنة شؤون الصحة والبيئة التابع لها في المنطقة الشرقية لإهمالها. بل قالوا أيضاً أن المشاكل إنما هي نتيجة إهمال متعمد. في إشارة لبرقية من بلدية القطيف، اقتبست الصحيفة الآتي:

لقد أتت آبار مياه الشرب بتاروت بنتائج سلبية وسبب ذلك غياب شبكة مياه شرب فعالة، والتي تم التخطيط لها قبل ١٥ عاماً. لقد رفعنا المشكلة لكم سابقاً للنظر فيها.. إلا أنه لم يتم إكمالها اليوم. والآن فقد تفاقمت المشكلة ولذلك يشتكي المواطنون.

ذكرت الصحيفة أن «هذه البرك موجودة طوال العام وفي كل منطقة. وإن صحة المواطنين تتأثر بها بشكل عميق. إن المواطنين يطالبون بإنشاء مكاتب هناك لمتابعة وضع الناس الصحي، لا أن تكتفي بإصدار تقارير لا أثر لها ولا توفر حلاً عاجلاً».

مع إثارة احتمالية الإهمال المتعمد، رد مدير بلدية القطيف، رامياً اللوم، بالقول أنه رغم الجهود التي بذلتها بعض السلطات المحلية للاهتمام بصحة المجتمع، إلا أن وزارة الزراعة والمياه لا تبدو مهتمة جداً بمصير مشاكل جمهور الناس.  وأشار إلى أن «البلدية تولت القيام بتجفيف البرك وخصصت ميزانية شبكة الصرف. وقد رفعت المسألة إلى لجنة شؤون الصحة والبيئة. وافقت اللجنة [لحل المشكلة] على الجزء من المشروع الواقع ضمن الأراضي الحكومية وترجو أن تحصل على الموافقة على الأجزاء المتبقية!!!». في آخر الأمر، على كلٍ، زعم أن لجنة الوزارة «تركت الجزء الخاص بالمواطنين إضافة إلى الأراضي غير الحكومية ليتم حلها فيما بينهم.

تضاعفت مشاكلُ أخرى. كتب أحد سكان القطيف، علي يوسف الجارودي، رسالةً لاذعةً إلى الجريدة في أوائل الخريف، منتقداً المكاتب المحلية للحكومة لسوء تخطيطها وإهمالها. وبسبب حنقه من سوء الوضع العام، ذكر أنه «ليس من المبالغة القول أن القطيف ما زالت تحرم من المشاريع منذ ميزانية ١٩٧٥ والخطة الخمسية الثانية، التي تقارب نهايتها دون أن تعود بالنفع على المدينة إطلاقاً». أوضح الجارودي رأيه بأن المسؤولين المحليين «لم يستوفوا واجباتهم نحو المجتمع.. فمن الواضح أن القطيف تعاني من شح التخطيط الحديث وفقيرة من النواحي الاقتصادية والتجارية والترفيهية والاجتماعية». حتى في النواحي التي ازدهرت فيها القطيف تاريخياً، أي الزراعة، يعاني المجتمع من قلة الخدمات والمعونة. مع مرور الزمن، وبفضل الرياح الموسمية الشديدة من الغرب، أصبح يتهدد حقول القطيف الخصبة زحف رمال الصحراء. في الأحساء، تولت الدولة القيام بالعديد من المشاريع لحماية المزارع والمزارعين، من ضمنها بناء عدة حواجز وزراعة صفوف من الأشجار والشجيرات لصد زحف الصحراء. احتج الجارودي قائلاً أنه «على الرغم من أن القطيف واحدة من أشد المناطق الزراعية خصوبة في المملكة، إلا أن البلدية فاشلة» في التعامل معها.

لا يعني هذا أن المسؤولين المحليين في المنطقة الشرقية لم يفعلوا شيئاً تجاه المجتمعات، إلا أنهم لم يتركوا إلا أثراً يسيراً باستثناء إثارة غضب المهمَلين وإهانتهم. أنفقت العديد من المكاتب الاجتماعية ملايين الريالات على العديد من المشاريع والحملات. ففي قرية الجفر الصغيرة بالأحساء التي تسكنها أغلبية سنية على سبيل المثال، أنفق مجلس القرية مائتي ألف ريال سعودي على النظافة وخدمات أخرى. كما نظمت منافسة منحت فيها ستة آلاف ريال لأصحاب البيوت الأنظف. خصصت مئات الآلاف من الريالات لتنظيم الاجتماعات، ومناقشة مشاكل المياه العديدة، ولمشاريع تجميل مثل إنشاء حدائق عامة. حتى في القطيف، خصصت الحكومة المحلية، كما أوردت، أكثر من أربعمائة ألف من موازنتها للصحة والخدمات الاجتماعية، من ضمنها بحوث حول الوضع الصحي لـ ٩٤ وحدة مجتمعية في عام ١٩٧٩. في راس تنورة، أمر الحاكم المحلي بإنشاء مستشفى جديد بسعة مائة سرير ومد نظام اتصال تلفوني دولي. وباعتبار غضب الصحفيين وكتاب الرسائل، على كلٍ، كان أثر هذه المبادرات الهزيلة ضعيفاً، بل عكسياً. فعلى العكس منها، كانت مدن الدمام والخبر والظهران – وهي مراكز الإدارة وحياة الأعمال في المنطقة – تتمتع بازدهارٍ واهتمامٍ أكبر. ففي الربيع افتتح مستشفى عبد الله فؤاد الذي بلغت كلفته ١٢٠ مليون ريال أبوابه، مكتملاً بسعة ٣٠٠ سرير، وقسم للرعاية المركزة، وغرفة طوارئ على مدار الساعة، ومختبر إلكتروني، بل وأجهزة كمبيوتر أيضاً. في شهر سبتمبر، أدرج مبلغ ملياري ريال لتطوير شبكات المياه والصرف في الدمام والخبر، وهو مبلغ ضخم أكد من الأهمية المركزية للخدمات في عاصمة المنطقة وأشار إلى إهمال المناطق الأخرى. لم يفت الملاحظين هذا التفاوت في التركيز على مدن المنطقة الرئيسية تاريخياً، على حساب معاملة المناطق غير المركزية من القطيف والأحساء. تساءلت جريدة اليوم «لماذا تركز الخدمات البلدية المدن فقط في حين تعيش القرى أسوأ الأوضاع؟» وفي تعليقها على عدم رغبة المسؤولين في حل مشاكل المجتمع، أشارت الجريدة إلى أن هؤلاء المسؤولين فضلوا «قصر مسؤوليتهم» على ردود الفعل.

التفاوت الواضح بين حياة المجتمع في بؤر السلطة السعودية والحياة في مناطق الهامش – الجغرافي والاجتماعي – ولّد حنقاً حاداً لدى المهمَلين. وكما تبين التقارير العديدة للمواطنين والصحفيين في جريدة اليوم، فقد بدأ الصبر على الوضع الراهن بالنفاد تدريجياً مع نهاية العقد. وكان الأنكى من ذلك الموقف اللامبالي وغبر المتعاطف ممن هم في مناصب لتحسين معاناة آلاف عديدة. أثارت وعود التطوير المنكوثة شعوراً خاصاً بالضيم ووفرت قاموساً جاهزاً للغاضبين على النظام. بلا شك، فاقمت سياسات الـ(لا) تطوير من الغضب الذي أنتجته مصاعب الحياة اليومية وصعدت من المطالب الملحة بشكل متزايد لاهتمام أكبر، والتزام حقيقي لنشرِ حلولٍ تقنية في المجتمعات النائية، ورفضٍ لاستراتيجية التطوير المتحيزة كما يبدو. من المستحيل معرفة ما إذا كان الفقر المستشري والإهمال الاجتماعي وحده كان المولد للعنف الذي سيطر على المنطقة الشرقية أواخر نوفمبر. على كل حال، كما بينت كتابات منظمة الثورة فإن الأمثلة المتكررة على الإهمال الواضح والفشل في تحقيق الأهداف المقررة للنظام قد رفعت من احتمالية وقوع العنف بالتأكيد. في نهاية المطاف، ما حرض المظاهرات في الخريف والشتاء كان الضيم المحلي المتولد عن اليأس الاجتماعي والقمع السياسي مجتمعين مع تجلي الرغبة من جانب قادة المجتمع الشيعي للتعبير عن وممارسة معتقداتهم الأيديولوجية العديدة – هذه الرغبة التي سعى النظام في الرياض لسحقها.

جغرافيّة العنف:

تمركز عنف ١٩٧٩ في القطيف والقرى والمدن المحيطة بها. اندلعت اضطرابات صغيرة في المدن النفطية النائية مثل ابقيق، إلى جانب مصادمات صغيرة أبلغ عنها في الهفوف والمبرز، المدن الرئيسية في واحة الأحساء. مع دنو أسبوع الاضطرابات من نهايته، سار المتظاهرون في مواكب عبر الخبر والدمام والظهران – المدينة الحديثة التي انبثقت نتيجة نمو أرامكو وصناعة النفط. غير أن مركز النشاط وقلب العنف كانا في المدن الساحلية الواقعة شمال الدمام عاصمة المنطقة. كانت جغرافية العنف في أواخر السبعينات، وبشكل خاص شدة هذا العنف في واحد من المجتمعين الشيعيين في المنطقة الشرقية وليس كليهما، ناتجة عن الفروق الاجتماعية والإيديولوجية التي نمت تاريخياً.

اكتسبت المنطقة الشرقية اسمها رسمياً حين قام الحكام السعوديون بنقل العاصمة الإدارية للمنطقة من الهفوف إلى الدمام في ١٩٥٠.  سابقاً، على الأقل وفقاً لاصطلاح الحكام في الرياض، شاطرت المنطقة اسمها مع واحة الأحساء، الواقعة في الجزء الجنوبي من المنطقة. من ناحية تاريخية، على كلٍ، كانت المنطقة موطناً لمركزين مدنيين منفصلين بشكل واضح، أحدهما في الأحساء والآخر في القطيف، تفصل بينهما مسافة أكثر من ١٢٠ كيلومتراً. سادت زراعة التمور المجتمعين، غير أن الأرز إلى جانب فواكه وخضروات أخرى كانت تنمو في كل منهما. كان المجتمعان فيما بينهما ينتجان ما يكفي من التمور ليتم تصديره وتزويد الأسواق في شبه الجزيرة، ومنطقة الخليج الفارسي، حتى تبلغ جنوب آسيا وإفريقيا الغربية. كانت القطيف، التي تقع على شاطئ الخليج، موطناً نشطاً أيضاً للصيد والغوص بحثاً عن اللؤلؤ. جذبت الموارد الغنية والثروة النسبية للمجتمعين اهتماماً متواصلاً وكثيفاً من قبل قوى إمبريالية متعددة. إلى جانب نمطهما المستقر، الزراعي، التجاري المتشابه، فإن غالبية سكان المجتمعين كانت، وما زالت، من شيعة إثني عشرية. إن الإحصاء السكاني للجماعة الدينية غير معروف، وتتفاوت التخمينات بشكل واسع إذ أن وضعهم يظل حساساً ومثيراً للجدل داخل المملكة. في بداية الثمانينات، قدر جيكب غولدبرغ العدد الإجمالي للشيعة في القطيف والأحساء بحوالي ٣٥٠ ألفاً. يشترك الشيعة في القطيف والأحساء في مؤسسات دينية متعددة مثل الحسينيات، وهي بيوت للصلاة تخدم كمراكز للخدمات الدينية والاجتماعية. بسبب منع آل سعود بناء المساجد الشيعية، كانت الحسينيات مهمة بشكل خاص في تعريف الحياة الروحية وتشكيلها.

على الرغم من ذلك، من الخطأ النظر إلى المجتمعين ككيان واحد. واقعاً، وُجدت علامات مهمة فرقت بينهم، تتضمن المسافة، التشكيلة الديموغرافية، والممارسات الدينية. في القطيف، شكل الشيعة الأغلبية الساحقة من السكان، حوالي ٩٥٪ تقريباً من المجتمع. أما ديمغرافية الأحساء فكانت أكثر توازناً، حيث يشكل الشيعة ٥٠٪ تقريباً من سكان الواحة، رغم أنهم يسودون في المناطق الأفقر والأبعد. إضافة إلى الخصائص الديموغرافية، ميزت فوارق مهمة أخرى بين المجتمعين. ضمن الفرع الشيعي من الإسلام، سادت مدرستان لاهوتيتان في القرن العشرين: الأصولية والإخبارية. للمدرستين تمثيل في العربية السعودية، الأولى في القطيف والثانية في الأحساء. إن اعتناق القطيفيين، وليس الأحسائيين، للأصولي آية الله الشيرازي تفسره جزئياً هذه الصلات. إضافة لذلك، لعبت الظروف الاجتماعية في القطيف دوراً مهماً في توليد ودعم مواجهة شعبية. كانت القطيف موطناً لمراكز حضرية كثيفة، تتضمن صفوى وسيهات، إلى جانب عشرات من القرى المحيطة. احتل القطيفون مراكز [متفاوتة] على امتداد الطيف الاجتماعي بسبب اتحادهم أكثر من المجتمعات الشيعية في الجنوب. إن كون القطيف مدنية وقروية في ذات الوقت شكل على ما يبدو عاملاً جوهرياً في تحريك المجتمع. في الأحساء، ورغم أن المدينتين الرئيستين الهفوف والمبرز كانتا مركزين حضريين رئيسين وموطنين لأعداد كبيرة من الشيعة والسنة معاً، فإن أغلبية الشيعة كانوا مزارعين فقراء لا يملكون أراضٍ ويسكنون في قرى معزولة في أطراف الواحة. بسبب انعزالهم، كانوا إما غير قادرين أو غير مهتمين في احتجاجات شعبية مستمرة. لا تعني الفوارق الاجتماعية المختلفة أن المجتمعين لم يعانيا من مصاعب مادية متشابهة. ورغم أن شيعة الأحساء لم يشاركوا بشكل واسع ربما في الثورة، لم يكونوا أفضل حالاً من جيرانهم شمالاً. كلا المجتمعان وجدا نفسيهما مقصيين بالنسبة للخدمات المدنية والسخاء الناتج عن الثروة النفطية الكبيرة.

الاتجاه إلى العنف:68461_459806480728780_798912869_n

اندلعت أحداث العنف في القطيف في أواخر نوفمبر ١٩٧٩. كان للتوتر السياسي الذي أدى إلى المظاهرة جذورٌ تاريخية عميقة. يعود تاريخ قهر الدولة لشيعة المنطقة إلى العام ١٩٢٣، حين احتل آل سعود وجيشهم المحارب الأحساء والقطيف للمرة الثالثة منذ القرن الثامن عشر. بعد الاحتلال، اعتمد النظام السعودي على أشكال عدة من القمع لإخضاع الأقلية الشيعية، لكنه لم يتورط غالباً في أعمال عنف مباشرة أو متواصلة. تغير الأمر في السنة التي سبقت المظاهرة، حين بدأت الدولة تضيق ذرعاً بالنشاطات الهدامة في المدن والقرى البعيدة شرقاً. بدأ أول مؤشر على تزايد امتعاض الدولة في قرية العوامية، الواقعة على بعد بضع كيلومترات شمال القطيف، في عام ١٩٧٨. فكما ورد قام قرويون باستفزاز شرطي سعودي. رداً على ذلك، بناء على وصف للأحداث سجله الحزب الشيوعي في العربية السعودية، قام رجال الأمن بالقبض على أكثر من سبعين رجلاً وحبسوهم دون محاكمة، وهو نمطٌ استمر لأشهر عديدة. زعم الشيوعيون أن أهل القرية «كانوا يعيشون تحت وطأة القمع والجهل والفقر والأمراض» وأن «إهمال الشرطة» ساهم فقط في استفزاز «مشاعر الناس» أكثر. قد لا يكون من المفاجئ، في المراحل الأولى من ثورة نوفمبر ١٩٧٩، قيام أهل العوامية بالاعتداء على مراكز مختلفة لقوات الأمن و «يقومون بتجريدها ليس من أسلحتها فقط، بل من الملابس العسكرية والمقتنيات والساعات».

رغم أن عصبية الدولة إلى جانب استعدادها للتعامل بقسوة مع أقل إشارة للتآمر قد تجلت بشكل واضح قبل ذلك، إلا أن مواجهة ١٩٧٩ قد عجلتها بشكل مباشر جرأة القادة الشيعة في القطيف ذلك الصيف. ففي شهر أغسطس أعلن قادة المجتمع بجرأة أنهم سيحتفلون علناً بمناسبة عاشوراء المحظورة. وفقاً لجيمس بتشن فإن «الطلب أتى في وقتٍ كانت المديرية العامة للاستخبارات…قلقة جداً من تآمر محتمل للحجاج الإيرانيين في الحرمين (في مكة والمدينة) وفي القرى». ظهرت استفزازات مباشرة من قبل الشيعة في البحرين، الجزيرة ذات الأكثرية الشيعية تحت حكم سني والتي تبعد خمسة وعشرين كيلومتراً عن ساحل العربية السعودية، والتي اندمجت تاريخياً مع المجتمعات الشيعية في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية. واقعاً، فقد تجلى الخلاف الشعبي في البحرين قبل أن يبدأ في السعودية. في منتصف أغسطس، امتدت موجات اضطراب عدة في المجتمعات الشيعية هناك. في ١١ سبتمبر، نظم الساخطون مظاهراتٍ حرضت رداً [حكومياً] عنيفاً.  فسر مسؤولو الأمن السعوديون تنامي جرأة الشيعة في مكان آخر من الخليج على أنه تهديدٌ لمصالحهم الخاصة ناتجٌ عن التأثير الخطير لإيران. في ١٣ سبتمبر، أعادت جريدة اليوم نشر مقالٍ ظهر في الصحيفة البحرينية «أخبار الخليج» واقتبس قول وزير الداخلية البحريني بأنه «لن يسمح باستمرار أي مظاهرات تافهة في البلاد وسيتم مواجهتها بكل القسوة والقوة والإجراءات الصارمة» اللازمة. ذكرت الصحيفة أن الشرطة قامت بتفريق المتظاهرين، الذين استخفت الصحيفة من شأنهم بوصفهم بـ«المتطرفين» و«الجماعات الصغيرة» المثيرة «للفتنة والفوضى» والمهددة لاستقرار البحرين. كانت الرسالة واضحة لمن يحتمل تعاطفهم ويقاربونهم في الفكر من السعوديين. بالإضافة لذلك، في ١٣ سبتمبر، ولتأكيد جدية قلق النظام السعودي ووضعه النفسي، نشرت الصحيفة مقالاً يقر للمرة الأولى بأن النظام السعودي قلق من التأثير الإقليمي للثورة الإيرانية. في ذات اليوم حضر وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل اجتماعاً في البحرين حيث تداول قادة المنطقة «الوضع السياسي السائد في المنطقة منذ نجاح الثروة الإيرانية». في الثاني والثالث من أكتوبر، استضاف الأمير فهد وليُ العهد رئيسَ الوزراء البحريني الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة في مدينة جدة لمناقشة «الأمن وحماية» الشؤون العربية في الخليج. بكل شجاعة خرج الشيعة السعوديون إلى الشوارع في ٢٦ نوفمبر حين نظم أربعة آلاف متظاهر أول شعائر حداد علنية لمراسيم عاشوراء في مدينة صفوى.

في ٢٨ نوفمبر، تحولت المنطقة الشرقية إلى ميدان موت. في تلك الليلة حشد الآلاف قوتهم وساروا عبر سيهات، المجتمع الشيعي الصغير الواقع بضع كيلومترات شمال الدمام، هاتفين في غضب بشعارات ضد النظام مثل «يا خالد شيل إيدك، كل الشعب ما يريدك». تصاعد التوتر عندما تقدم المتظاهرون من مجموعة غاضبة من الحرس الوطني السعودي. كان حسين منصور القلاف، المتخرج حديثاً من مركز أرامكو للتدريب الصناعي والبالغ من العمر ١٩ عاماً، يتقدم صفوف المظاهرة ويقود المتظاهرين في مواجهة عنيفة ومستعرة مع قوات الأمن. في بادئ الأمر، لجأ الحرس الوطني إلى الهراوات والعصي الكهربائية للسيطرة على الحشد. في المقابل اشتاط الحشد المهاجم وبدأ برشق الحجارة واستخدام العصي الخشبية والقضبان الحديدية للدفاع عن أنفسهم. بناء على أحد الأقوال «عندئذ فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين». في غمرة الاضطراب، هرع القلاف لمعونة أحد أصدقائه الجرحى حين قامت القوات السعودية عندها بإطلاق النار على الفتى ذي التسعة عشر ربيعاً، ليسقط كأول شهيدٍ للانتفاضة. وعلى مدى الأيام القليلة التالية، قتل درزينتين على الأقل من الأشخاص وسقط المئات من الجرحى في تصعيدٍ للفوضى والعنف الذين نجح النظام في حجبهما عن العالم.

مع الثالث من ديسمبر، خف الاحتجاج الشعبي مع تراجع المعارضين المحليين. انفجر النشاط الشعبي مرة أخرى في ١٢ يناير، عندما خرجت الآلاف من جديد إلى الشوارع بعد أربعين يوماً من سقوط الشهيد الأول في نوفمبر، التي تمثل فترة الحداد. كان التظاهر العام تعبيراً عن الامتنان وإظهاراً لمقاومة النظام. تبعت قوات الأمن، متضمنةً الحرس الوطني، الموكب، رغم أن عنفاً لم يقع. غير أن الحال لم يكن كذلك في الأول من فبراير، الذي يوافق الذكرى الأولى لعودة الخميني إلى إيران، حين اصطدم الآلاف من جديد مع قوات الأمن التابعة للدولة في القطيف. فكما يذكر تصريح لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في العربية السعودية، أخذت الجموع بالتجمهر في منطقة وسط المدينة تعرف بساحة الشهداء – التي سميت بذلك بعد سقوط عدد من القتلى في الاصطدامات شهر نوفمبر – في أوائل صبيحة الأول من نوفمبر. وعلى مدى ساعتين في آخر الصباح وأول الظهيرة أخذوا يستمعون إلى خطب عن الحاجة إلى البطولة وغياب الخوف إضافة إلى قصص عن الثورة الإيرانية. قبيل الواحدة ظهراً، ساروا إلى سوق القطيف ونصبوا شعارات عن الشهداء والمسجونين. كما شجبوا بغضب وحشية النظام. نقلت لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان أن عنفاً واسع النطاق اندلع بعد أن فتح أحد الضباط النار على الجموع، ليقتل شخصاً ويجرح آخرين. وفي غمرة الهرج، أشعلت الجموع النار في العديد من الأبنية والمركبات عبر المدينة. أعلنت الدولة حالة طوارئ وطنية في الشرق وزاد الحرس الوطني من عدد قواته في الأيام اللاحقة، من أجل حماية المكاتب الإدارية كالبلدية المحلية، ومركز الشرطة، ومكتب محافظ المنطقة. خلال المتبقي من الشهر، نقلت لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان خبر تواصل أفعال المقاومة إلى جانب عمليات الاعتقال الجماعية ووحشية الشرطة. استمر الاعتقاد بين السكان المحليين ورجال الأمن بأن العنف سيصمد حتى عام ١٩٨٠. باستثناء بعض المناوشات المحدودة، لم يستمر العنف على كل حال، ذلك أن المتمردين المحليين فضلوا الأنشطة السرية، والحفاظ على النفس، على المواجهة المفتوحة.

أيديولوجية المعارضة:

إن إقامة المراسم الدينية لعاشوراء ولجوء الدولة السريع إلى عنف الشرطة لقمعها، مشعلين الانتفاضة في نوفمبر وما تلاها من اشتباكات، دفعت المراقبين إلى تفسير الأحداث التي تلتها على أنها دينية المركز، بل إيرانية السلطة. لا شك أن الحضور المبدئي للمتظاهرين يعزى إلى نداء رجال الدين في المجتمع لإحياء المناسبة الدينية. غير أن ما ترشحت عنه الأيام اللاحقة، على كل حال، يشير إلى سمة أكثر تعقيداً. فقد تضاعف عدد المتظاهرين بالآلاف، وهو رقم لم يتوقعه أحد في المنطقة. في ٢٩ نوفمبر، بعد يوم من أول أحداث عنف مميت، قدر الشيوعيون أن ١٨ ألفاً تظاهروا احتجاجاً، وهم رقم كرره مراقبون آخرون. عكس تصاعد عدد المتظاهرين الغاضبين حالة الاستياء العام التي تجاوزت المعتقد الديني بأكثر من وجه. لا شك أن الهوية كانت ذات أهمية في مسار الانتفاضة، من حيث أن المجتمعات الشيعية هي التي كانت تعاني على نحو غير متكافئ في السعودية. غير أن ذلك لم ينبئ عن أو يجعل من ردود هذه المجتمعات متماسكةً منطقياً. في واقع الأمر، فقد مرت الدوافع الدينية الأولية للتجمع الشعبي، ومع معاملة النظام الوحشية للحشود، اتقد المتظاهرون بعاطفة وروح شعبوية أكثر فأكثر – مدفوعين بغضب شعبي مشترك من قسوة النظام إلى جانب غضبهم المشتعل سابقاً من الأوضاع الاجتماعية المروعة ووعود التمدين المنقوضة. رغم سمتها الشعبية والمفاجئة، اتسمت الانتفاضة بطابع إيديولوجي مختلط. فمن قلب العنف ظهرت قوىً وانتظمت، متنافسة لصالح الحشود، ومصارعةً لتعريف الحدث وللحفاظ على ضغط عام مباشر على النظام. استمر الصراع من أجل توجيه وتوليد الحراك الشعبي حتى عام ١٩٨٠، بوجود عدة شبكات من المنطقة الشرقية تضغط على النظام لتخفيف الضيم السياسي والاجتماعي. في نهاية الأمر، قدمت الدولة تنازلاتٍ محدودة وتنازلت بشكل سطحي مشاكل المجتمع الجوهرية، وفي الوقت ذاته عملت على استئصال الجماعات السياسية، ساحقة إياها، ودافعة اللاجئين السياسيين إلى الاختباء أو المنفى.

خلال الانتفاضة، ظهرت بشكل واضح شبكتين سياسيتين نشطتنا في الشرق: الأولى إسلامية والثانية قومية يسارية. على الجبهة الإسلامية، اتشحت منظمة الثورة الإسلامية برداء القيادة الدينيـ-سياسية، مستمدة إلهامها – لكن ليس قيادتها – من إيران. تعود جذور وأنشطة هذه الجماعة إلى عام ١٩٧٥ حين أنشأ حسن الصفار حركة الإصلاح الشيعية في العربية السعودية. كتب مأمون فندي أنه بتوجيهات الصفار، «تبنى القادة موقفاً متشدداً» بين الأعوام ١٩٧٥ و١٩٨٠ وأن «أحداث ١٩٧٩ ساهمت في زيادة ثوريّةِ الحركة، خاصة مجيء حكومة إسلامية في إيران، الانتفاضة في المنطقة الشرقية، واحتلال الحرم المكي. اتبع قادة الحركة الشيعية، من ضمنهم الشيخ الصفار، الخط الإيراني». على نقيض ذلك كتبت مضاوي الرشيد أن المنظمة «بدأت تأخذ أبعادها كمتنفس سياسي للجماعة [الشيعة] بعد الأحداث العفوية لعام ١٩٧٩. تشكل أعضاء المنظمة من طلاب في جامعة البترول والمعادن (الدمام) ومن عمال في حقول النفط. بدأت المنظمة بالبث من محطات إيران الإذاعية في محاولة للوصول للمجتمع في العربية السعودية، وتم فتح مكتب معلومات في طهران لتنسيق الأنشطة السياسية.«كلتا الروايتين صحيحتان»، كما يبين حسين موسى. يقول موسى في حديثه أن المعارضين الشيعة في تنظيم مهلهل التفوا حول حسن الصفار في أواخر السبعينات، ولم يتخذوا شكلاً صلباً حتى نجاح الثورة الإيرانية.

في السنة السابقة لانتفاضة ١٩٧٩، استمد السعوديون الشيعة إلهامهم من الثورة الإيرانية، التي كانت نموذجاً قوياً أشعل الإثارة عبر المنطقة وولد حماسة سياسية. مهد نموذج إيران لما ترشح في مناطق أخرى، غير أنه لم يضع الشروط السياسية. كتب موسى أن «مسألة المرجعية لعبت دوراً مهماً في استقطاب» السياسة الشيعية عبر الخليج. على الرغم من أن العديد من الجماعات الشيعية أقرت بضرورة التغيير السياسي، كان ثمة «خلاف» مهم حول من يجب أن يتولى القيادة. اعتبر العديد من الشيعة عبر الخليج، بما فيها العربية السعودية، آية الله محمد الحسيني الشيرازي مرجعية مجتمعهم في الشؤون السياسية والفقهية، لا آية الله الخميني، على الرغم أن الأخير كان شخصية لها قوتها واحترامها. في حين أن الشيعة في العربية السعودية وقرت الشيرازي المشهور، إلا أنها اتخذت طريقها و«سعت للاستقلال عن السلطات الإيرانية وإنشاء سلطات محلية… لتمييز نفسها عن الإيرانيين». لقد أظهروا حساسيةً محلية خاصة، متناغمة مع مصالح مجتمعهم وحاجاته. يقول موسى أنه على الرغم من أن الحركة الإسلامية الشيعية في المنطقة الشرقية أبدت احترامها للإيرانيين الذين قابلوهم في الحج أو خارج البلاد، إلا أنهم «لم يعتنقوا الإيرانيين».

رغم أن أتباع الشيرازي كانوا نشطين من خلال حركة الإصلاح الشيعية منذ عام ١٩٧٥، إلا أن قادتها وأتباعها أتخذوا موقفاً ثوريَا عام ١٩٧٩. قاموا بعد لك بإعادة تصنيف الحركة كمنظمة الثورة الإسلامية وأعلنوا أنهم سيكافحون من أجل التغيير عبر المواجهة. مهيئين لما كان سيصبح بالتأكيد احتفالاً شعبياً مشحوناً بمناسبة عاشوراء، اتخذت المنظمة موقفاً متوعداً عبر إطلاق تحذيرات منذرة للأمريكيين المقيمين في المنطقة الشرقية وعبر دعوة الشباب الشيعة للتمرد. في ٢٤ نوفمبر، بعثت الجماعة برسالة باللغة الإنجليزية للموظفين الأمريكيين في شركة أرامكو، الذين نظرت إليهم المنظمة كإمبرياليين يستغلون موارد الشيعة الطبيعية والبشرية، متوعدة بالعقاب إن أقحمت الحكومة الأمريكية نفسها في شؤون المجتمع. في المقطع الافتتاحي المتوعد كتبت الجماعة: «نحن ندرك الدور المريب الذي تلعبونه في بلادنا وتجاه مواردنا الوطنية. سنصفي حساباتنا معكم إن شاء الله في القريب العاجل». مشيرين إلى المعتقد السائد بأن قوات الكوماندوز الأمريكية وشخصيات عسكرية قد وصلت إلى السعودية للتمرن على عمليات في إيران، هددوا بأنه «لن نسمح لكم باستخدام أرضنا ومواردنا ضد إخوتنا في الإسلام. وعليه، إن قامت حكومتكم الجائرة بأية أفعال عدوانية أو عسكرية ضد إيرانية، ستصبحون ضحاياها هنا».

وزعت المجموعة أيضاً منشوراًُ ينصح الشباب الشيعة بالخروج للشوارع. التمس النداء العاطفي للحراك «أيها المؤمنون النبلاء: أنتم مدعوون هذه الأيام لإحياء قضية الإمام الحسين، والاحتفال بذكراه، ولإعلاء طقس الثورة في موسم الثورة العظيم هذا. إن أفضل الوسائل لإحياء قضية الإمام الحسين، الثائر العظيم، هي مراسم العزاء التي تغمر الشوارع وتشحن الناس». أشارت المنظمة إلى أسباب عديدة لضرورة الأخذ بالمسيرات العامة، في المقام الأول تكريم شهيد التشيع الأول. إضافة لذلك، أعلنوا أنها «ممارسة لحريتنا الدينية، التي يريد الآخرون سلبها منا». ولاستشعارهم توتر المجتمع وخوفه من احتمال أن تنزل السعودية العقاب بهم، سعت المنظمة إلى التغلب على هذا التردد بمخاطبة الشباب سريع التأثر على أمل أن يكونوا الأشد عاطفة. حض المنشور المؤمنين على «عدم الخوف من الشرطة أو قوات الأمن ذلك أنهم سيفرون أمام تحملكم وإصراركم على العزاء. من يعاني منكم من ملمة كالضرب والسجن، سيكون الله معه وسيجازيه خير الجزاء. سيكون خادماً بين المجاهدين في درب الإمام الحسين. أما بالنسبة لآبائكم الذين يحذرونكم من التمرد… تمردوا ولا تلتفتوا لمنعكم». أما بالنسبة لأولئك الممتنعين عن المشاركة، فقد أعلنت المنظمة «أنهم جبناء» لا يهتمون إلا بشؤونهم الخاصة.

في أواخر أيام أحداث العنف والأسابيع التي تلتها، استخدمت المنظمة سلطتها للاتصال بجماعاتٍ في الخارج، مشاركة إياها التفاصيل الوحشية لما حدث ومحاولة دعوة الاهتمام العالمي إلى الأحداث. إضافة إلى الاتصال بالعالم الخارجي، بما فيه الأمم المتحدة ووكالات أنباء عدة، قامت المجموعة أيضاً بطبع ونشر وثائق ومواد استقبلتها من الخارج. بالإضافة إلى تشجيع الدعم من الطلاب السعوديين الشيعة في إيران، قامت المنظمة بتوزيع نص برقيتين من آية الله الشيرازي، الذي احتفى بالمتظاهرين وأدان وحشية و«جرائم» قوات الأمن السعودية. بالتأكيد فقد عكس اتصال الشيرازي بقيادة المنظمة اهتمامَ إيران بما يحدث داخل العربية السعودية والعكس كذلك، لكنه لم يشر إلى أن آية الله لعب دوراً في تنسيق أو تنظيم الانتفاضة في المملكة. الأهم من ذلك، كما يبدو، أن قيادة المنظمة اعتقدت أن برقية الشيرازي منحت الشرعية لجهودهم وأيدت استقلالهم وقدراتهم. من الواضح أيضاً أن النموذج الإيراني، بنجاحه ومضامين رسالة الخميني معاً، قد تردد صداه في العربية السعودية. غير أن اشتراطات الثورة في المملكة عكست التجربة والانشغالات المحلية. باستثناء قوة رسالة المنظمة وعاطفتها، من الصعب التحديد بدقة مدى استجابة المجتمع لدعوتهم خاصة. برهن التجمهر المبكر لـ ٤٠٠٠ مُعَزٍّ في ٢٦ نوفمبر على قدر معتبر من الدعم. غير أن عشرات الآلاف استجابت للتحول العنيف في ٢٨ نوفمبر مؤشرةً على أن الحشود خرجت للشوارع كرد فعلٍ على وحشية الدولة.

رغم أن المنظمة أظهرت قيادةً ورؤية، لكنها لم تكن الوحيدة في المنطقة الشرقية. إلى جانب الإسلاميين، أبرز اليساريون الوطنيون حضورهم خلال الانتفاضة أيضاً. من المهم أيضاً أن المضامين العلمانية – رغم ذلك – أجبرت على الاستجابة للنداء الأولي للحراك، هي التي لم تكن مدعوة من قبل الإسلاميين وبوغتت بما حدث لاحقاً. على الأقل في الأيام القليلة الأولى، لم يبدِ اليساريون معالم قيادة بالقدر ذاته الذي أبدته المنظمة. بدا أن المساهمة التنظيمية الأهم من قبل اليساريين كانت محدودة، مدفوعةً إلى أقصاها بعد موجة العنف الأشد مأساوية في نوفمبر، رغم أنهم بلا شك شاركوا في المظاهرة. نشأت أفضل المصادر المتوفرة لليساريين عن جهود الحزب الشيوعي في العربية السعودية لجمع وتوزيع تفاصيل المظاهرة، بما فيها عدة شهادات لشهود عيان، إلى جانب وثائق أصدرتها منظمات يسارية أخرى مثل مركز الديمقراطية وحقوق الإنسان في العربية السعودية، اتحاد الشباب الديمقراطي، لجنة العمال، اتحاد النساء الديموقراطي، اتحاد الطلاب في العربية السعودية، وجماعة تزيد عنهم في تهلهل التنظيم ظهرت خلال الانتفاضة وأطلقت على نفسها تجمع المواطنين السعوديين. العديد من هذه الجماعات لها تاريخ طويل في النشاط اليساري في المملكة، خاصة في المنطقة الشرقية.

لم تدّعِ هذه المنظمات العدة المسؤولية عن توليد التمرد الشعبي ولا عن قيادة الأحداث على الأرض خلال نوفمبر. تقول رواية الحزب الشيوعي أن «القوى الديموقراطية حاولت تشجيع الجماعات الدينية على عدم رفع شعارات ولافتات ذات سمة طائفية… كما لو أنها علمت أن النظام سيستخدمها كذريعة لتبرير القمع». رفض علماء الدين التعاون مع اليساريين وفقاً للشيوعيين الذين ذكروا أن «ثمة محاولات بذلت لتنسيق القوتين [الدينية واليسارية]. غير أن القادة الدينيين رفضوا هذا الشكل منذ البدء، [معتقدين] أن تعاونهم مع أحزاب ومنظمات تقدمية سياسية سيجلب لهم الضرر وأنهم قادرين وحدهم على قيادة الأحداث وما سيواجههم. نتيجة لذلك، شرعت الجماعات اليسارية في المشاركة بشكل مستقل، خارجة إلى الشوارع من دون توجيه محلي أو أي هدف معين. حملوا معهم لافتاتهم، منادين بـ«سقوط تحالف كارتر، بيغن، والسادات» إبطال كامب ديڤد. لافتات أخرى حملت شعارات قومية مثل «من خلال أمة حرة سيجد الشعب السعادة الحقيقية» و«يسقط خالد وفهد وعبدالله عملاء الإمبريالية». طيلة فترة التوتر، كما تذكر مصادر لاحقة، سعى اليساريون على تأكيد السمة الشعبية للمظاهرة، مع إبداء تعاطفهم مع نبرتها المعادية للإمبريالية وأمريكا. خلال المرحلة الأولى من الأحداث، في نوفمبر وأوائل ديسمبر، كان من الواضح أن القوى الدينية سيطرت على الدعوة للحراك وشكلت مجرى الأحداث. خلال الأسابيع والأشهر التي تلت، على كلٍ، تركت القوى «الديموقراطية التقدمية» أثرها أيضاً. طيلة شهر ديسمبر، نسق اليساريون وقادوا جهوداً عديدة للالتماس من الحكومة تخفيف العلل الاجتماعية والسياسية في شرق البلاد وشكوا من استخدام العنف شهر نوفمبر. سعى اليساريون خلف هدفين. الأول، ناشدوا الملك من أجل «رفع القيود والضغوط والممارسات الطائفية ضد الشيعة ومنحهم حقوقهم الدينية». إلى جانب ذلك توسلوا إلى ولي العهد لإنهاء «الاحتيال والظلم ضد شعب القطيف» ومنحهم حقوقاً مساويةً إلى جانب «الستة في كل مجالات التوظيف». دعوا على الأخص إلى توفير الفرص للشيعة المتعلمين، من حاملي الشهادات الجامعية، ليشغلوا مناصب في حقول التمرين المختصة، فـ«من المعروف أن لا أحد منهم [يشغل] منصباً مسؤولاً في مؤسسات الإدارة الحكومية المحلية كالبلدية والمرور وغيرها». ثانياً، دعى الملتمسون إلى «التخطيط العلمي عند تطوير القطيف وقراها، التي تعد الأسوأ بين المدن والمناطق. يشمل هذا التخطيط تطويراً كاملاً للزراعة، التي لعبت في الماضي دوراً حيوياً في تزويد البلاد بالخضار والفاكهة، إلى جانب قطاعات الخدمات والصحة». أشارت العريضة إلى أن الكثير من سكان المنطقة يعيشون في ظروف مزرية ومنازل متهالكة، حيث ألقى الملتمسون باللائمة على المضاربات العقارية الجشعة للسلطات. وفقاً مركز الديموقراطية وحقوق الإنسان في السعودية، فقد كان رد الحكومة أن أعلنت عن عزمها تشكيل لجنة للتحقيق في المزاعم، والتي رد عليها أحد المواطنين قائلاً «نحن شعب القطيف لا نريد مشاريع على ورق، ذلك أننا سئمنا وتعبنا من الوعود والتخطيط. كل ما نريده هو الحفاظ على روحنا وعاداتنا وكرامتنا». أما بالنسبة للعنف، فقد لامت الحكومة المتظاهرين أنفسهم على حوادث الموت، مدعيةً أن أفعالهم «أجبرت» قوات الأمن على إطلاق النار عليهم دفاعاً عن النفس.

العواقب ورد الدولة:

409207_434522943262514_1832076204_n

مباشرةً تقريباً، أبدت الدولة رغبتها في الالتفات إلى الجذور الاجتماعية للعنف. في ردٍ على مطالب المنظمة الإسلامية واليساريين معاً، بذلت الدولة جهوداً لتهدئة اليأس الاجتماعي لسكان القطيف والمناطق المحيطة. في أوائل ديسمبر، على سبيل المثال، أتى المسؤولون المحليون بشبكة صرف جديدة تبلغ قيمتها ٧٠٠ مليون ريال. بعدها بعشرة أيام، خصصت وزارة الزراعة والمياه ٣.٢٥ مليون ريال لمزرعة تجريبية في القطيف. في ١١ ديسمبر، تم الإعلان عن مشروع قيمته ٣٩ مليون ريال لتحسين شوارع القطيف. لم يتم تجاهل الأحساء أيضاً. ففي نفس الأسبوع، أعلن محافظ الواحة عن تخصيص مليار ريال لمشاريع متعددة. في أدبيات الأقلية المضطهدة في المملكة وُجدت تعليقات عن اعتراف النظام السعودي بالأوضاع السيئة للشيعة وموافقتهم على الاستجابة لمظالمهم. كتب جاكوب غولدبرغ، مثلاً أنه «تم إطلاق خطة شاملة بغرض تحسين الأوضاع المعيشية للسكان الشيعة. ضمت الخطة مشروعاً للكهرباء، إعادة سفلتة الشوارع، مدارس جديدة للأولاد والبنات، مستشفى جديد، تجفيف مناطق واسعة من المستنقعات، ومشاريع من أجل إضاءة إضافية للشوارع، والاتصالات». ويذكر أن «الأهم من ذلك ربما أن الحكومة قررت توفير قروض، عن طريق صندوق التنمية العقارية، لسكان المدينة ليبنوا منازل جديدة لأنفسهم». وفقاً للعديد من المحللين، فإن صمت الشيعة الذي تبع ذلك عكس رضاهم عن جهود الحكومة. عند إشارته إلى رحلة الملك خالد إلى القطيف والأحساء في السنة التي تلتها في موسم عاشوراء والحفاوة المتبادلة بين قادة المجتمع القطيفي وولي العهد، يستنتج غولبدرغ «يبدو أن رغبة إزالة الحواجز كانت متبادلة. رغم أن الحكومة أدركته حاجتها إلى مراجعة سياستها تجاه السكان الشيعة، إلا أن الشيعة آمنوا أنهم بحاجة إلى تقييم الوضع باعتبار الموقف السعودي الجديد». من موقفهم اللاحق ومن استعدادهم إلى التعاون مع النظام، يلاحظ غولدبرغ أن «ما إن يتم التعامل مع هذه المشاكل، حتى يصبح الشيعة راضين ويتركون أي فكرة في تحدي النظام السعودي أو مواجهته».
باعتبار الالتزام السعودي الجديد بتحسين المنطقة الشرقية والهدوء النسبي الذي حل بالمنطقة في الثمانينات، فإن استنتاجات غولدبرغ عن العزم المتبادل على التعايش صحيحة جزئياً. لكن العزم المشترك على التغلب على الخلل الاجتماعي الذي ساعد على توليد العنف لم يُنهِ الممارسات السياسية التمييزية. إلى جانب ذلك، فإن الرغبة السعودية في تطوير المناطق الشيعية، رغم أنها كانت نافعة بالتأكيد إلى حد ما، كانت خطوة لسد فجوة بقصد التخلص من المسببات المباشرة للتظاهر لا التزاماً طويل المدى لتحقيق الرفاهية الاجتماعية للمجتمعات. رغم أن الجهود الأولية للنهضة بالمناطق البائسة كانت واعدة، إلا أن النظام لم يواصل التزامه. مع أواخر الثمانيات، فإن مظالم مشابهة حول المشاكل الاجتماعية والكوارث البيئية، كنقص المياه في واحة الأحساء، ظلت مستمرة. إلى جانب ذلك، فإن النظام لم يلتفت جدياً المطالب الأيدولوجية والدينية للمجتمع الشيعي. استمر اللاتسامح الديني، وظل التمييز الطائفي، متضمناً فرصاً محدودة للوظائف والتعليم والسفر والموارد، يخيم على العلاقات الشيعية السنية ويهيج المشاعر ويعزز مخاوف الشيعة. استمرت قوات الأمن التابعة للنظام أيضاً في مضايقة السكان المحليين وإرهابهم خلال الثمانيات ولا بد أن الوجود الأمني الكثيف كان سبباً لمرور موسم عاشوراء ١٩٨٠ بهدوء نسبي. رغم أن النظام لم يفرج عن أكثر من مائة سجين سياسي ليلة العيد عام ١٩٨٠، إلا أن مئات عدة هربوا من البلاد، مفضلين المنفى على الأوضاع السائدة في المملكة.

لعل أكثر المؤشرات المضللة حول البوادر السعودية الخيرة الجديدة هو الادعاء أنها عملت على مساعدة الشيعة على مراكمة عقار جديد وبناء منازل جديدة. يذكر مركز الديموقراطية وحقوق الإنسان أنه «في محاولة لامتصاص ثأر الشيعة المحليين»، أعلنت السلطات السعودية في ٢٢ يناير، عبر البلدية، أنها «توزع منحاً لامتلاك أراضٍ للمواطنين الذين لا يملكون أرضاً ولا بيتاً. في ٢٣ يناير، تجمع مئات الناس قرب بلدية القطيف لاستلام منحهم». وبسبب شح الأراضي، كان عدد المنح محدوداً، وعليه، عدد الأراضي التي وزعت. وفي موقفٍ ازدواجي مزعوم، يُنقل أن رجال الشرطة والمخابرات اصطفوا في الطوابير، وعند فتح المكتب، سارعوا مزاحمين السكان المحليين وهربوا بمئات المنح، حارمين العديد من فرصة أن يصبحوا مُلاكاً. سواء كانت القصة صحيحة أم لا، فإنها تعكس ارتياباً جذرياً لدى المحليين من ممثلي الدولة، دلالةً على أن الرغبة المتبادلة المزعومة لإنهاء الخصومة مجرد وهم. في مقابلة مع المواطنين المحليين بعد خمسة وعشرين عاماً من الانتفاضة، تم إخباري أن العديد من الموطنين رفضوا التقديم على طلب أرض، ذلك انهم ارتابوا في أن البرنامج محاولة لفك تلاحم المجتمع وتكامله، ليسهل الأمر على الدولة المركزية لتضبط الأوضاع وتسيطر عليها هناك. لم تكن مخاوف المجتمع من النوايا الطيبة الجديدة للحكومة مستحدثة من العدم. فبعد الانتفاضة، قامت الحكومة بإزالة قلعة القطيف التاريخية في وسط البلد، التي تحصن المتمردون المحليون بدهاليزها وقاوموا قوات الأمن لأيام خلال الانتفاضة. قوبل تدمير المدينة القديمة بغضب شديد باعتباره انتهاكاً لهوية المجتمع وروحه.

خاتمة:

مثلت انتفاضة نوفمبر ١٩٧٩ والعنف الذي تبعها لحظة مهمة للمجتمع الشيعي في العربية السعودية. ترددت أصداء التظاهرات على مدى واسع، داخل المملكة وخارجها. أجبرت التظاهرات والعنف في ١٩٧٩-٨٠ النظام على النظر في سياساته المحلية تجاه الأقلية. من غير الأكيد ما إذا كان الاضطراب قد أجبر النظام على تلطيف موقفه من الشيعة، إلا أنه أرشد القادة السعوديين على التظاهر باسترضائهم. لم ينهض الشيعة مرة أخرى في تظاهرة شعبية، عاكسين خوفاً من قمع آخر، والرقابةَ المتطورة للدولة على المجتمع، وغياب قيادة سياسية محلية التي هربت من المملكة في أوائل الثمانينات. مستشعرةً خطراً طويلاً محتملاً لأقلية في طور الثوريّة، خاصة كونها في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، كانت العائلة المالكة مدفوعةً لتخطيط طريق سياسي يحمي مصالحها فوق أي شيء آخر. الانتفاضة التي تزامنت مع احتلال الحرم الشريف في مكة، بينت أن ثمة قوى عدة في المملكة مستعدة للإطاحة بآل سعود. سارع الحكام السعوديون إلى احتواء رسالة المتمردين في مكة، الذين بنوا توجههم الإيديولوجي واللاهوتي على العقائد السلفية التي طالبت بالعودة إلى إسلامٍ سالفٍ وأنقى. نظرياً، كان المعتقد المحافظ للمتمردين السلفيين هو نفسه معتقد أولئك الذين اعتمدت عليهم العائلة المالكة لشرعنة حقها في السلطة، رغم أن عديداً من النقاد قالوا أن النظام فقد بوصلته الأخلاقية في زمن الثروة الهائلة. بتبني رسالة الإخوان الجدد، نزعت العائلة المالكة القوة من خصومها وأعادت توجيه برنامجهم الإيديولوجي ليتماشى مع السلطة المحافظة ومحتملة القوة محلياً. لعبت الانتفاضة في المنطقة الشرقية دوراً مهماً في تحديد وتشكيل المعتقد الجديد أيضاً. باعتبار الطبيعة اليائسة للتهديدين، فإن تهديد مجتمع شيعي ثوريّ – منظوراً إليه كتهديد خارجي قد ينتزع من المملكة مصدرها للثروة – أشد إثارة للقلق بلا شك. مع نهاية ١٩٧٩ وبداية ١٩٨٠، أصبحت العلاقات الباردة بين النظام الثوري في إيران والسعودية متجمدة، مؤدية إلى أكثر من عقد من العداوة التي أثرت وشكلت الحرب في إيران والعراق وأفغانستان.

جذبت الانتفاضة أيضاً اهتمام المراقبين الأجانب، الذين اكتشفوا، بعد إهمال طويل لقدر الشيعة في مملكة النفط، في أحداث ١٩٧٩ شيئاً استثنائياً وقوياً، ألا وهو قصة قوية يبدو أنها تتحدث عن قوىً محلية وإقليمية وعالمية متعددة. وقد كان الأمر كذلك واقعاً. إلا أن تأويلات الحدث تنوع مداها. فقد ناقش مراقبون عدة كون الإيديولوجيا هي التي سيرت العنف أو أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية سببت اليأس وسير الأحداث الذي تلاه. الحقيقة أن كلا العاملين لعبا دوراً كبيراً في حساب الأحداث وأن تعقيدات واحتياجات طارئة مهمة ساهمت في سير الانتفاضة والعنف الذي ولدته. رغم أن شرارة العنف ولدها النظام وطريقته في التعامل مع احتفالات عاشوراء، إلا أن الانتفاضة كان لها سمات مختلطة، متضمنة قوى يسارية ودينية عبرت بغضب عن عداوتها الشديدة تجاه الدولة السعودية. رغم الاختلافات في الرؤية الإيديولوجية والبرنامج السياسي، إلا أن كلا الفصيلين احتشدا وتحركا للتخلص من التمييز الديني والإكراه الاجتماعي الذين شلوا مفاصل المجتمع الشيعي. باستثناء التوتر الطائفي، فإن الانتفاضة لم تتمحور حول اليأس الاجتماعي فحسب أو المعاناة «العامة» للحشود الفقيرة. بل إنه نتج عن نوعٍ خاص من الاختلال وُلِد مع تجربة العربية السعودية مع الحداثة، خاصة مع دخول البلاد نظاماً حديثاً عالمياً ومعقداً. في أول الأمر، قررت المنظمة والقوى اليسارية المتعددة الفاعلة في المنطقة الشرقية أن مصدر القلق ليس الحداثة والتمدين، بل واقع استثنائهم منه. أدى الإهمال والتهميش، مع عقود من التمييز الديني، إلى المعارضة وأفعال العنف. برفضهم لمعاملتهم على أيدي آل سعود، لم يكونوا يرفضون الحداثة بل العهود المنكوثة التي قطعت لهم باسمها.

في الثمانينات، غيرت المنظمة نبرتها حول قضية الحداثة، معيدة صياغة حنق الجماعة كرفض للتمدين. في منشوراتها العدة بعد عقد من الانتفاضة، أشارت الجماعة إلى الانحطاط الأخلاقي تهديد القيم الدينية الناجمين عن التطوير والتمدين – وهو جدل مألوف للمراقبين للحركات الثوريّة الفاعلة في أواخر القرن العشرين. في مقال عن جذور الثورة، علق الكتاب – مناقضين كتاباتهم عشية الثورة قبل خمس سنوات، أن «سبب [الانتفاضة] لم يكن سياسياً، رغم أن التغيير السياسي كان في مقدمة المطالب، بل كان الدافع الحقيقي.. استشعار الدمار، دمار المجتمع لأنه صار غربياً أكثر».

– المصدر: المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s