في خدمة كل المجتمع؟ المشاركة المدنية في السعودية في الخمسينات والستينات

dammam
الدمام، المنطقة الشرقية.

كلاوديا غراوي

يتم النظر إلى المشاركة المدنية في السعودية غالباً من زاوية النشاط العمالي أو القومي أو الطائفي الذي يصاحب مراحل التوتر السياسي أو الاجتماعي. في هذه المقالة، سأفحص المشاركة الاجتماعية في الخمسينات والستينات من زاوية المدينة. أجادل أن التصنيفات أعلاه صارمة، وأن المشاركة المدنية في الخمسينات والستينات تبدو «ممارسةً يومية». في مدينتي الخبر والدمام السعوديتين النفطيتيّن، قام لاعبون ذوو خلفيات اجتماعية وطائفية مختلفة بتشكيل (أو إعادة تشكيل) حيزهم الحياتي عبر أنوع متعددة من النشاط، وحتى التعاون على أساس يومي. عمل هؤلاء اللاعبون بشكل متكرر كوكلاء للتطوير الجماعي، وتعاملوا مع المشاكل الملحة التي أظهرها التمدين بسبب النفط، وحسنوا من الأوضاع الحياتية، ودفعوا حتى باتجاه أجندة سياسية معينة. يصور نشاطهم الحداثة المدينية في دول الخليج، والتي نشأت في وسط التطور النفطي و التمدين ونشأة الدولة. في نفس الوقت، فإنَّ نشاطهم يحمل أثر الحياة المدينية قبل النفط، وبذلك يشير إلى سيروريّةٍ بعينها في تاريخ المدينة الخليجية.

سياسة المدينة كمنصة لمشاركة مدنية أوسع

كانت منصة السياسة والإدارة المدينية من المنصات الرئيسية للمشاركة المدنية. لم يقدم استحداث المجالس البلدية المنتخبة في ١٩٥٤ مساحة مهمة للتعبئة السياسية فقط، ولكنه أعطى أيضاً النخبة التجارية نفوذاً سياسياً معتبراً. في الدمام والخبر، سيطرت المصالح التجارية على المجالس، فيما كانت النخب التقليدية كملاك الأراضي والشخصيات الدينية «غائبةً بشكل واضح بين أعضاء المجلس» كما يُروى. كان لذلك تأثير محفز على نشاطات البلديات.

بالإضافة لذلك، فإن عدداً متزايداً من الجرائد المحلية ساهمت في هذا التطور عبر مراقبة ومناقشة النشاطات البلدية بشكل علني. أزهرت الصحافة في المناخ السياسي القومي للخمسينات. كانت صحيفة الفجر الجديد من الأمثلة على محاولات تأسيس صحافة نقدية. كانت المطبوعة تدار في عام ١٩٥٤ من قبل عدد من النشطاء اليساريين والقوميين، كثير منهم شيعة محليون. لكن، نظراً لـ«تدخلها» في الشؤون السياسية المحلية والقومية، توقف نشر «الفجر الجديد» من قبل حاكم المنطقة الشرقية بعد ثلاثة أعداد فقط.

أتاحت الشعبية الرائجة للقومية في ذلك الوقت للعديد من النشطاء المحليين المعروفين ليتم توظيفهم من قبل الحكومة، كما في حالة ناشر «الفجر الجديد» الذي لم يدم عمله في النشر، والذي أصبح لاحقا مسؤول قسم التصاريح والعقود في وزارة العمل في الدمام، عبدالعزيز السنيد. ونظراً لكونه ولد في العراق لأبٍ نجديّ وأمٍ عراقية من أصل أحسائي، فقد تعلم السنيد في العراق التي يبدو أنها كانت المكان الأول التي تعرف فيه على الأفكار الشيوعية، في عام ١٩٥٣، أصبح رئيساً للجنة العمال التي قادت الإضراب الشهير لعمال أرامكو في عام ١٩٥٣. ينتمي السنيد للعديد من السعوديين القوميين في المنطقة الشرقية الذين روجوا للإصلاحات والمشاركة السياسية على مدى الخمسينات، وعندما بدأت الحركة الإصلاحية المتنوعة في التجزّء إلى انتماءات سياسية محددة، أصبح السنيد قائداً للجناح الشيوعي.

نُشرت صحيفة قومية أخرى هي أخبار الظهران لمدة عامين، بين ١٩٥٥ و١٩٥٧. تحت إدارة رئيس تحريرها عبدالكريم الجهيمان، الجريدة التي كانت تنشر كل أسبوعين أصبحت مشهورة بمقالاتها القومية بالإضافة لتغطيتها النقدية للفساد وسوء الإدارة في البلديات السعودية. أصبح الصحفي والكاتب والشاعر عبدالكريم الجهيمان في عقود لاحقة شخصية مهمة ومحتفى بها في السعودية. في عام ١٩٥٧، تم اعتقال الجهيمان لمقالة نقدية كتبها عن المراهنة ومنذئذ توقفت طباعة أخبار الظهران. تعرض الجهيمان لاعتقالات أخرى في مراحل لاحقة من حياته.

استخدم السكان المدينيون والنشطاء السياسيون والمثقفون المحليون والمسؤولون الحكوميون على حدٍ سواء أخبار الظهران كمنصة لتبادل مساجلات ساخنة حول كيفية مقاربة تطور البلد على المستوى المحلي. كان على ممثليّ بلديات المنطقة الشرقية أن يبرروا ويشرحوا للقراء نشاطهم المتعلقة بالتنمية المجتمعية أو عن انعدامها. شارك رجال الأعمال والمستثمرين المحليين أيضاً في هذه المساجلات. أحد الكتاب الدوريين للجريدة كان التاجر الغني والمتبرع المعروف الشيخ محمد عبدالله المانع من الخبر. المانع، الذي تنحدر عائلته من نجد، عمل كمترجم للملك عبدالعزيز بن سعود ولاحقاً أصبح مقاولاً وواحداً من أنجح رجال الأعمال في المنطقة. كانت مقالاته تناقش الدور الجوهري لاستثمار القطاع الخاص المسؤول في تطور البلاد. كمالك لعديد من الشركات المحلية والأعمال التجارية المحلية، طور المانع علاقاتٍ مع مسؤولين حكوميين في فرع وزارة العمل في الدمام، وناقش معهم الدور الذي من الممكن لرجال الأعمال المحليين القيام به. في مقال رأي له في عام ١٩٤٧، لم يكن غير عبدالعزيز السنيد الذي أشار لمحادثة غير رسمية مع المانع ومدح المجهودات العظيمة لبعض الشخصيات المحلية للدفع برتم التنمية في البلد.

الاستثمار الخاص والسياسة العائلية وتطوير المجتمع الذاتي

اشترك رجل الأعمال الغني المانع والشيوعي السنيد في الاعتقاد أنه نظراً لبطء عملية تنمية الدولة ولا فعاليّتها، فإنه يعد لزاماً على المواطنين السعوديين أن يسهموا في تنمية مجتمعاتهم المحلية. وبالفعل، بشكل شبيه لما اصطلح عليه غوين اوكرهيلك «حركية القطاع الخاص» في السعودية، فإن جزءاً معتبراً من الخدمات البسيطة في البلدات المحلية كانت تقدم من قبل رجال أعمال محليين، خصوصا في المناطق التي لم تَكُن يُرَكّز عليها مباشرة في تطوير صناعة النفط. العوائل التجارية المشهورة أضافت لوجاهتها بإنشاء مستشفيات خاصة (أهلية) كعيادات العيون والأسنان التي كان يُحتاجُ إليها بشكل ملح وتم إنشاؤها على يد الشيخ محمد المانع وأخوه عبدالعزيز في الخبر في عام ١٩٥٧، في الوقت الذي كان النظام الصحي القاصر موضوعاً متكرراً للنقاش من السكان المحليين في صحيفة أخبار الظهران.

مثل هذه الاستثمارات الأهلية كانت على أغلب الظن مربحة لمستثمريها. المصادر المتاحة لا توفر معلوماتٍ عما إذا كانت الخدمات الطبية في المستشفيات الأهلية غير مجانية، وكم كانت تكلف إذا كانت كذلك، أو عما إذا كان الفقراء يحصلون على معالجة مجانية. لكن، بناء على مقابلات في الخبر في مايو/أيار ٢٠١٣ في الخبر، كانت هذه الاستثمارات تُستذكَر على أنها أفعال كريمة من قبل رجال الأعمال الأغنياء لخدمة المجتمع المحلي. وجهة النظر هذه تدعمها المفاهيم القديمة عن التقوى والقيام بأعمال الخير وبِحالاتٍ عديدة كانت فيها العوائل التجارية تنشئ مؤسسات خيرية وغير ربحية لخدمة مجتمعاتهم سواء كانت في المنطقة الشرقية أو في مناطق أخرى من المملكة. مثال مشهور في الخبر كان الجمعية الخيرية «جمعية فتاة الخليج الخيرية الإنسانية»، والتي بدأت في ١٩٧١ كمبادرة من عائلة القصيبي لإشراك النساء المحليات في العمل. يجب أيضاً ملاحظة أن الأوقاف الأهلية للخدمة المجتمعية لم تكن أبداً تطورا جديدا في المنطقة. هناك أخبار تعود لزمن ما قبل النفط عن تبرعاتٍ بالبيوت من أجل إقامة مستشفيات، على سبيل المثال.

يبدو أيضاً أن عدة مؤسسات خاصة قامت بمبادئ تعاونية معينة. في حالة شركة الخبر للمياه، التي أنشأها ثلاثة تجار رائدين في البلدة، طبعت أخبار الظهران نداء عاجلاً للناس «لتشجيع هذا المشروع عبر شراء أسهم معروضة للبيع». عقلية الاعتماد على النفس التي يتضمنها النداء تتضح أكثر في مشاريع المستثمرين على نطاق ضيق الذين يمضوا ساعات ما بعد العمل وادخاراتهم الخاصة في إيصال الكهرباء لأحيائهم مثلاً.

تقدم في الحياة المدينية الاجتماعية والثقافية: مشروع مكتبة الدمام

تمت الدعوة للاستثمار الأهلي المسؤول في مشاريع البنية التحتية كاستراتيجية تنموية فرعية من قبل عوام الناس، وإلى حد ما تمت مناقشتها ومراقبتها من المجتمعات المدينية. إلا أن المشاركة المدنية في التنمية الجماعية غطت أيضاً مجالات لا ربحية بشكل كامل، كحقول الثقافة والتعليم. في بداية عام ١٩٥٥، اجتمع ستة وثلاثون مواطناً من الدمام لتأسيس مكتبة عامة، والتي كان يُرادُ لها أن تكون لا مكتبةً تعير الكتب فحسب، ولكن مكاناً لتجمع مثقفي المجتمع المحلي، وكمكان تُعقد فيه المحاضرات والنقاشات. خطط القائمون على المشروع أيضاً لتوفير فصول مسائية في مواضيع متنوعة ولتشجيع الرياضة والنشاطات الترفيهية. عَدَّدَ تقرير لأرامكو بعض ناشري الفجر الجديد من بين المواطنين الذين روجوا لمشروع المكتبة، بالإضافة لعدد من المسؤولين الحكوميين. ويبدو أن تجاراً ورجال أعمال من الدمام ساهموا بمساعدة مالية في المشروع.

وكما في أجزاء أخرى من السعودية، فقد كان تأسيس المكتبات والتعهد بها كمراكز محورية للثقافة المحلية والتعليم سمةً تقليدية للحياة المدينية في المنطقة الشرقية، تاريخياً، اكتسبت المكاتب الأهلية في البلدات القديمة للمحافظة أدواراً مهمة في العلوم والتدريس المحليين، وأضافت بشكل معتبر إلى الوجاهة الاجتماعية للأسر التي وفرتها. مع بداية التطور النفطي والتمدين السريع للمحافظة، أنشئ أيضاً عدد من المكاتب الأهلية في بلدتي الدمام والخبر الجديدتين.

في تباين مع هذه المؤسسات، فقد كان يُتصور للمكتبة الجديدة في الدمام أن تكون مكتبة عامة غايتها تمكين حياة مدنية مدينية وثقافية. لكن مصيرها اتخذ مساراً غير مقصود له من قبل مريديها. بلغت إحدى طلبات الدعم الحكومي من قبل منشئي المكتبة أسماعَ حاكم المنطقة الشرقية، الذي قام بدوره باتخاذ خطوات لسحب المشروع من أيدي القائمين عليه. بأوامر من الحاكم، أنشئت «لجنة الشؤون التعليمية والأدبية» تحت إشراف قاضٍ محلي لغرض الإشراف على المشروع وخصوصاً النشاطات الاجتماعية والترفيهية المخطط لها. لم تكن هذه الخطوة مستغربة لأن مثل هذه النشاطات خلقت مساحات وشبكات للمعارضة السياسية عرضة للاشتباه. بعد شهرين من إنشائها، بدى مشروع المكتبة وكأنه انتقل تماماً تحت عوالم الحكومة. على الرغم من ذلك، فإن ما ابتدأ مشروعاً مدنياً بحتاً لتنشيط الثقافة والتعليم والحياة الاجتماعية في البلدة قاد -في النهاية- إلى إنشاء واحدة من أصل ثلاث مكتبات عامة في المحافظة.

الخلاصة: قاعدة اجتماعية أوسع للمشاركة المدنية

كانت المشاركة المدنية سمةً حاضرةً للحياة المدينية المبكرة في المدن النفطية السعودية والتي كان لديها قاعدة اجتماعية أوسع مما تلمح إليه تصنيفات الحراك «اليساري»، أو «القومي»، أو «الشيعي». شكلت دوائر رجال الأعمال، وممثلو الحكومة، والنشطاء السياسيون شبكات مدنية فضفاضة قادت إلى نقاشات مشتركة حول الاستثمار المسؤول، وإلى التعاضد في المشاريع الجماعية، ولا سيما أن عدداً من القوميين المعروفين ضمن موظفي الدولة عملوا كنقاط وصل بين هذه الجماعات. هذه الشبكات الشخصية تفتح مجالاً مهماً في البحث المستقبلي عن الدول الخليجية، وذلك ربما يظهر أن المجتمعات المعنية هي في الحقيقة شاملة [لفئات مختلفة] أكثر مما يُفترض حالياً.

من غير المفاجئ أن الدولة الأَبَوِيَة السعودية كانت عائقاً رئيساً للمشاركة المدنية. شككت السلطات المحلية علانية في أي مشاركة مدنية غير تجارية، وخصوصاً في أي نوع من الاتحادات المدنية، وَسعت لأن تخضعها لسلطة الدولة. ولكن هذا لا يجب أن يغلق أعيننا عن حقيقة أن مثل هذه النشاطات كانت موجودة فعلاً وأنها خلقت مساحات وشبكات داخل المدينة لكي تَظهرَ للناس على الرغم من قمع الدولة.

المصدر: جدليّة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s