«خُطوطٌ رُسِمت على خريطة فارغة»: الحدود العراقيّة وأسطورة الدولة المُصطنعة (الجزء الثاني)

[هذه مقالة مِن جزئين، إضغط هنا لقراءة الجزء الأوّل]


بِقلم: سارا برسلي

ليس هدفنا في تفرّغنا لفهم كيفيّة تشكيل الفاعِلين المحلّيين للعراق كدولة-أمّة بعد الحرب العالميّة الأولى إنكارُ جبروت القوّات البريطانيّة الإمبراطوريّة أو إنكار العُنف الذي مارسوه على العراقيين أثناء الاحتلال المُمتد من 1914 وحتى 1920 وفي فترة الانتداب أيضًا منذ 1920 وحتى 1932. على العكس تمامًا، سأحاول أنّ أبيّن انّ أحد آثار سرديّة «الدولة المُصطنعة» هو بالتحديد طَمْسُ العُنف الإمبراطوري البريطاني ومعه إنكار تأثير المساعي غير البريطانيّة والمساعي المناهضة لبريطانيا، إذ أن أحد طرق هذا الطمس والإنكار هو تخيّل كون حدود العراق تمّ خلقها على «خريطة فارغة» في غُرفِ رسمِ الخرائط الأوروبيّة وليس – مثلما تكوّنت حدود الدول-الأمم كلّها في أرجاء العالم – من خلال تسوية

مُقتطع من خريطة مناطق الانتداب. كلّ الحدود المتقطّعة تمّ تعريفها بأنّها
مُقتطع من خريطة مناطق الانتداب. كلّ الحدود المتقطّعة تمّ تعريفها بأنّها «غير محدّدة» في مفتاح الخريطة. أنظر أدناه للخريطة الكاملة. الصورة من «معاهدات السلام 1919-1923». (نيو يورك: مؤسسة كارنغي للسلام الدولي، 1924)، 966:2

نزاعاتٍ متنافسة على الأراضي والسيادة من خلال توظيف القوّة، إذ يتضمّن ذلك أعمال التمرّد ومكافحة التمرّد.

قد تساعد ثلاث مشاهد في عمليّة تكوين الحدود العراقيّة الأوليّ – بالخصوص تلك التي مرّت مع سوريا ونجد (السعوديّة حاليًا) وتركيا – على توضيح بعض الطُرق التي جرت فيها هذه العملية. لعب البريطانيّون أدوارًا مُهمّة، ولعب سكّان العراق وسوريا ونجد وتركيا أدوارًا لا تقلّ عنها أهميّة.

العراق وسوريا

الحدود العراقيّة السوريّة ظلّت غير مستقرّة منذ نهاية الحرب في 1918 وحتى استقلال العراق الرسميّ عام 1933، ولكن فكرة كون العراق وسوريا دولتان منفصلتان كان أمرًا مقبولًا على نحوٍ واسع. دائمًا ما يُنسى أنّ عَقدَ مؤتمرِ سان ريمو على عَجل في أواخر أبريل عام 1920 كان جزئيًا ردًا من قبل القوى الاستعمارية على المؤتمر العربيّ في دمشق في بدايات مارس، وفي هذا الأخير تمّ إعلان استقلال سوريا والعراق كمملكتين دستوريّتين تحت حكم إبنيّ الشريف حسين: فيصل وعبد الله على التوالي. وكان إعلان استقلال العرق قد أُصدِر من قِبل الفرع العراقيّ من «جمعيّة العهد»، التي كثيرًا ما يشار لها بالحزب «القومي العربي». وتكوّنت «جمعيّة العهد» بعد انقسام المجموعة الأصلية التي انتمت لها لمجموعتين: «العهد» العراقي الذي قاده مجموعة من الضبّاط العسكريين العراقيين المتمركزين في سوريا الذين عِملوا في الجيش العثماني سابقًا؛ وبحلول 1919 كان له فرعٌ نشِط في الموصل وفرعٌ أقلّ نشاطًا في بغداد، ونادى برنامج «العهد» الرسميّ بـ«الاستقلال التام للعراق» في داخل «حدوده الطبيعيّة»، والذي عرّفها بأنّها تمتد من من الخليج الفارسي وحتى ضفّة الفرات شمال «دير الزور» في سوريا الحاليّة ومن الدجلة قرب ديار بكر في تركيا الحاليّة – وهي في الواقع مساحة أكبر من مساحة ولايات البصرة وبغداد والموصل العثمانيّة مجتمعين.[1] هذه الجمعيّة تعهّدت أيضًا بأن تعمل ضمن «إطارٍ الوحدة العربيّة»، وهنا تأخذ «الوحدة العربيّة» تعريفًا فضفاضًا؛ وهذه جزئيّة من الأدقّ وصفها بأنّها عروبيّة عوضًا عن قوميّة عربيّة، إذ أنّها لم تشمل أيّ مخيّلة مناطقيّة أو ميولًا نحو تكوين دولة.

بحلول 1919 إذًا، كان فرعا «العهد» يناديان بدولتين مناطقيّتين مستقلّتين – سوريا، وتقع عاصمتها في دمشق، والعراق، وتقع عاصمتها في بغداد. وخلال ثورة العشرين العراقيّة ضدّ الانتداب البريطاني – والتي بدأت في مايو ويونيو، وبدأت جزئيًا كردّ فعلٍ لمؤتمر سان ريمو وانتشرت في أجزاءٍ واسعة من شمال غرب ووسط وجنوب العراق – وكان هذا أيضًا هو البرنامج الرسميّ للحزب القوميّ العراقيّ الكبير الأخر، ألا وهو «حَرَس الاستقلال» المتمركز في بغداد المُتمتّع بتأييدٍ واسع ضمن المدن المقدّسة الشيعيّة الجنوبيّة.[2] لم يكن اختلاف الحزبين في المطالبة بدولة عرقيّة مستقلّة ممتدة من الخليج الفارسيّ إلى مكانٍ ما شمال الموصل منفصلةً عن سوريا وعاصمتها بغداد – فقد اتّفقوا في كلّ ذلك – وإنما كان حول مسألة نوع الإعانة الخارجيّة التي ستعتمد عليها الدولة العراقيّة المُستقبليّة. برنامج «العهد» العراقيّ حدّد أنّه سيعتمد فقط على الإعانة البريطانيّة، بينما برنامج «حَرَس الاستقلال» صرّح بأنّ العراق إن كان مستقلًّا فبإمكانه طلب الإعانة من أيّ قوّة خارجيّة حسب رغبته.

هذا الفهم حول العراق وحدوده كان أيضًا نقطة التوافق الوحيدة لدى وجهاء الولايات العثمانية الثلاث الذين شاركوا في الاستفتاء الذي نظّمته بريطانيا في أواخر 1918 وأوائل 1919. بينما قدّمت بريطانيا الاستفتاء ظاهرًا كمجهودٍ للتحقق من رأي السكان المحلّيين حول نوع الحكومة التي أرادوها، أُصدِرت توجيهاتٌ لضبّاط جيش الاحتلال البريطانيّ بأن يُنتِجوا النتائج المرغوبة بتوظيف كلّ السُبُل اللازمة. وبالتالي عُقِدت اجتماعاتٌ في أغلب المناطق مع عشرةِ وجيهٍ موالي لبريطانيا أو أقلّ وأوعز إليهم بأن يجيبوا على الاستفتاء بإجاباتٍ ترغب بها بريطانيا حول مسائل مستقبل العراق. ولم تكن ازدواجيّة ضبّاط الاستعمار البريطاني هي ما يلفت النظر بشأن الاستفتاء العام أو حتى تمكّنهم انتزاعٍ النتائج التي أرادوا في عديدٍ من المناطق، بل ما يلفت النظر هو أنّهم فشلوا في أربعٍ من أهمّ المدن العراقيّة، ألا وهي بغداد والنجف وكربلاء والكاظميّة، في إيجاد عددٍ – وإن كان صغيرًا – من الوجهاءٍ المذعنين الذين سيقدّمون رأيًا موحدًا في القبول بالحكم البريطانيّ على العراق. ففي كلٍ من هذه المدن، تمّ تعديل نصّ الاستفتاء العام بشكلٍ من الأشكال – خِلافًا للتعليمات البريطانيّة الصريحة – بغرض رفض الاحتلال البريطانيّ ولتأكيد رغبة العراقيين بالاستقلال التام. والجزء الوحيد من النص الذي لم يُرفَض أو يُعدّل في أيٍ من الإجابات هو تعريفه للعراق كدولةٍ تمتدّ «من الحدود الشماليّة لولاية الموصل وحتى الخليج الفارسي».[3]

أمّا في سان ريمو عام 1920 فلم تُرسَم أيّ خريطة، فالاتفاقيّة أجّلت تقرير الخطوط الحدوديّة بشكلٍ صريح ولكن أحد الأمور التي قامت بها القوى الأوروبية في سان ريمو هو الإقرار بفكرة أنّ العراق وسوريا دولتان منفصلتان، بينما مُقترح اتفاقيّة سايكس بيكو عرض تقسيم العراق وسوريا الحاليّتين لثلاث أو لأربع دول. فاتفاقيّة 1920 كانت بالتالي أكثر توافقًا مع المطالب الوطنيّة المحليّة، والتحديد مع إعلانيّ الاستقلال السوريّ والعراقيّ الأخيرين، وأيضًا مع الإدراكين التاريخيّ واللغوي في العالم المتحدّث للغة العربيّة بأنّ سوريا والعراق منطقتان جغرافيّتان – ولدى البعض دولتان – متمركزتان نوعًا ما حول دمشق وبغداد على التوالي. كان سان ريمو محاولةً لاحتواء هذه المطالب الوطنيّة عن طريق التعهّد للدولتين بالاستقلال المشروط فقط، الذي يمرّ بمرحلة انتقاليّة تصل في آخر المطاف للاستقلال التام تحت رعاية حكومتيّ الانتداب، فرنسا وبريطانيا. إذًا، فالصراع الرئيسي بين الوطنيين المحلّيين والقوى الاستعماريّة الأوروبيّة بحلول عام 1920 – على الأقل فيما يتعلّق بالحدود السوريّة العراقية – لم يكن حول تقسيم الأراضي العربيّة لدولٍ منفصلة وإنما حول نسبة وتوقيت سيادة هذه الدول. كانت الأمور مُختلفةً بالطبع في حدود سوريا الغربيّة والجنوبيّة نظرًا إلى الصراع حول انفصال فلسطين ولبنان والأردن من سوريا – وانفصال الأولى كان أثناء فترة سان ريمو وانفصال لبنان والأردن أتى بعد ذلك – وهذه الصراعات لربما شكّلت فهمنا لتكوين العراق.

فيما يتعلّق بتحديد الموقع الفعلي للحدود العراقيّة السوريّة، كانت المسألة الرئيسية حول ولاية دير الزور العثمانيّة (فلنترك الموصل جانبًا الآن، بحكم أنّ ذلك كان خلافًا بين العراق وتركيا بالدرجة الأولى، ولم يكن خلافًا بين العراق وسوريا). في سايكس بيكو، وُضِعت دير الزور في الجزء الفرنسيّ من الخطّ الفاصل ما بين المنطقتين ألف وباء، ولكنّ حقيقة انتهائها داخل الحدود السوريّة لم تكن إلّا شبه صُدفةً تاريخية.[4] قاد صراعٌ ما بين سكّان دير الزور وضبّاط الجيش العربي في سوريا في نوفمبر من عام 1918 الوجهاء المحليين لمناشدة البريطانيّين مباشرةً للاستيلاء على المنطقة وإلحاقها بالمنطقة العراقيّة المُحتلّة. أتى الجنود البريطانيّون فِعلًا واستولوا عليها وألحقوها بالعراق، ولكن عاجلًا ما سخط سكّان دير الزور على الاحتلال البريطانيّ أيضًا، وفي 1919 التمسوا إلى دمشق لإعادة إلحاق المنطقة لسوريا.

من المفارقة أنّ الضبّاط الوطنيين العراقيين من «العهد» العراقي هم من كانوا مسؤولين عن ضمّ دير الزور لسوريا في آخر المطاف، إذ رغبوا في استخدام المنطقة كقاعدة لشنّ هجماتهم من داخل سوريا على قوى الاحتلال البريطانيّ في العراق – وهذا ما قاموا بِه، مُساعدين على إشعال ثورة العشرين.[5] وفي 1923، وضّح الوطنيّ العراقيّ المتمركز في بغداد محمد مهدي البصير قرارَ العمل مِن دير الزور قائلًا: «العراقيّون [في سوريا] كانوا يعملون لأجل تحرير العراق، وإن تطلّب ذلك ضمّ جزءٍ كبير من أراضيها للحكومة السوريّة».[6] أكّد قياديّون بريطانيّون لاحقًا – من ضمنهم الحاكم المدنيّ المُفوّض في ذلك الوقت آرنولد ويلسون – أنّ رضوخ بريطانيا في دير الزور – أي إخلاء جنودها والتنازل عن المنطقة للجيش العربي في سوريا – ساعد على التعجيل بثورة العشرين بأكملها، ليس فقط عن طريق توفير قاعدة للضبّاط الوطنيين العراقيين في سوريا لعلميّاتٍ عسكريّة عبر الحدود بل أيضًا عن طريق إعطاء معارضي الانتداب البريطانيّ داخل العراق إحساسًا بضعف بريطانيا.[7]

العراق ونجد

تُرِكت حدود العراق الجنوبيّة مع نجد (السعوديّة حاليًا) من غير تعريف في أغلب الاتفاقيّات الدولية أثناء وبعد الحرب العالميّة الأولى، ومع أن هذه الحدود تظهر في إحدى أولى خرائط أراضي الانتداب (أنظر أدناه)، فهذه الخريطة – المعنونة بـ«الانتدابات في الجزيرة العربيّة» التي عُرِضت في العديد من الروايات العامّة والبحثيّة حول كون العراق دولةً مُصطنعة – هي مِثالٌ جيّد لبعض المزالق في تقفّي تاريخ الحدود ما بعد العثمانيّة. في وقتٍ ما تمّ تأريخ هذه الخريطة بعام 1920 ونُسِبت إمّا لمعاهدة فرساي أو لاتفاقيّة سان ريمو، مما يوحي بالتالي أنّ الحدود التي تبيّنها تمّ تأسيسها بحلول ذلك الوقت. ولكن من المُستحيل أن تكون تلك الخريطة قد رُسِمت في ذ    لك الوقت، وذلك للعديد من الأسباب، من ضمنها عرضُها لانتداب شرق الأردن الذي لم يتشكّل حتى 1921 ولو كفكرةٍ حتى. واقعًا، هذه الخريطة رسمها الجغرافيّ الأمريكيّ لورنس مارتن عام 1924 كتفسيرٍ شخصيّ لكلّ الاتفاقيّات الحدوديّة التي تمّت وصولًا لعام 1923، فيما يتضمّن معاهدة لوزان لذلك العام نفسه. ولكن في حالة الحدود العراقيّة النجدية، فالخريطة تعرض الوضع كما كان في أوائل 1922، أو على الأقل كتفسيرٍ معقولٍ له، فالجغرافيّ كما يبدو لم يكن واعيًا لكون الحدود تمّت إعادة رسمها في توقيع معاهدة العقير بين العراق ونجد في شهر ديسمبر من ذلك العام.[8]

خريطة مناطق الانتداب. كلّ الحدود المتقطّعة تمّ تعريفها بأنّها
خريطة مناطق الانتداب. كلّ الحدود المتقطّعة تمّ تعريفها بأنّها «غير محدّدة» في مفتاح الخريطة. أنظر أدناه للخريطة الكاملة. الصورة من «معاهدات السلام للفترة 1919-1923». (نيو يورك: مؤسسة كارنغي للسلام الدولي، 1924)، 966:2

على أيّ حال، فكلٌ من الحدود العراقيّة النجدية وحدود شرق الأردن مع نجد تبتعد في هذه الخريطة جنوبًا من موقعهما الحاليّ بمسافة كبيرة. قد نستذكر أنّه في سايكس بيكو امتدّت المساحة المُتصورّة للعراق المحكومة مِن قِبل البريطانيين أكثر من ذلك للجنوب على الجانب الشرقيّ، شاملةً الخطّ الساحليّ وقطعةً داخليّة مُعتبرة من شبه الجزيرة العربيّة تصل حتى قطر. العامِلُ الرئيسيّ الذي أبطل كلًا من هاتين الخطّتين، واضعًا الحدود في موقعها الأبعد شمالًا هو التوسّع العسكريّ لعبد العزيز ابن سعود النجديّ وقوّات الإخوان التابعة له في تلك السنوات. في سلسلة من المعاهدات مع عبد العزيز منذ 1920 وحتى 1927، أقرّ المسؤولون البريطانيّون بتوسّعِه المستمرّ في المنطقة عن طريق قبولهم بالانكماش التدريجيّ لمنطقتهم المتخيّلة. ولكنّ بريطانيا حاربت في آخر المطاف لإيقاف التوسّع الشماليّ للدولة السعودية، إذ شنّت لتحقيق هذه الغاية غاراتٍ جويّة مكثّفة داخل أراضيٍ نجديّة معترف بها في عاميّ 1927 و1928. خطّ بريطانيا الأحمر، كما كان، هو عزمها على عدم فقدام ما تبقّى من الرواق الذي يربط بين انتدابيها في العراق وشرقيّ الأردن، والذي 0 في نظر البريطانيّين – تمّ تضييقه بشكلٍ خطير مُسبقًا من قِبل غزوات عبد العزيز الأخيرة.[9] الصورة أدناه تبيّن المعالِم التقريبيّة للحدود العراقيّة النجديّة اعتبارًا من 1927، حين أوقت القوّات البريطانيّة الجويّة أخيرًا التقدّم السعوديّ.

العراق في 1927. الصورة من
العراق في 1927. الصورة من «حدود نجد: ملاحظة حول أوضاعٍ خاصّة». جيوغرافيكال ريفيو 17، رقم 1 (يناير 1927): 130

لم تكن تلك الحدود خُطوطًا رُسِمت على خريطةٍ فارغة، بل تمّ تعريفها في المعاهدات كسلسلة من الخطوط التي تربط بحيراتٍ طبيعيّة أو آبارٍ في الصحراء. وُضع الخطّ الحدودي على جانبٍ ما أو آخر من أيّ بئر حدّد جنسيّة السكّان البدويين القاطنين في الأراضي الحدوديّ، فلو كان البئر في الجانب العراقيّ، فأعضاء القبيلة المالكة وفقًا للعرِف المحلّي لذلك البئر سيصبحون رعايا عراقيين، وإن كان العكس، فسيصبحون رعايا نجد. ووَضعُ الآبارِ في جانبٍ معيّن من الحدود لم تكن عمليّةً عشوائية، إذ أنّ كلًا من المسؤولين البريطانيين والعراقيين وعبد العزيز كانوا يعلمون حقّ المعرفة أيّ قبائل يرغبون بها تحت حكمهم أو أيّها لا يرغبون به، وتفاوضوا حول القبائل التي طالب بها الطرفان. والقبائل أيضًا كان لها صوتٌ في المسألة نوعًا ما، فبعضٌ منهم رفضوا وقاوموا جنسيّتهم الجديدة ونُقِلوا للجانب الآخر.[10]

العراق وتركيا

كانت أكثر المسائل الحدوديّة أهميّةً في تشكيل العراق الحديث إلى حدٍ بعيد هي الخلاف حول ولاية الموصل العثمانيّة، فحين احتّلت بريطانيا الموصل في يوم 3 نوفمبر 1918 رافضةً مغادرتها بعدئذٍ، كسرت بريطانيا بهذا الفعل اتّفاقيّتين: اتفاقيّة سايكس بيكو مع فرنسا، إذ وِفقها تقع الموصل تحت النفوذ الفرنسيّ، وهُدنة مودروس التي وقّعتها بتاريخ 30 أكتوبر عام 1918، والتي أنهت رسميًا الحرب العالميّة الأولى في الشرق الأوسط عن طريق إنهاء الاقتتال ما بين الإمبراطوريّة العثمانيّة وقوى التحالف. رَفَضَت كلٌ من الدولة العثمانيّة ومن بعدها الدولة التركيّة الاعتراف بالشرعيّة القانونيّة للاحتلال البريطاني للموصل، وذلك لكونها احتلّتها بعد أربعة أيام من توقيع الهُدنة – أي حين لم تكن في حربٍ مع الإمبراطوريّة العثمانيّة –وبالتالي رفضت أيضًا إلحاق الموصل بالعراق.

معاهدة سيڨر، 1920. الصورة من
معاهدة سيڨر، 1920. الصورة من «معاهدات السلام 1919-1923». (نيو يورك: مؤسسة كارنغي للسلام الدولي، 1924) 789:2

بينما نجحت بريطانيا في آخر المطاف في ضمّ الموصل للعراق، كان أحد العوامل المهمّة في تأسيس الحدود العراقيّة التركيّة، وهو عاملٌ دائمًا ما يُنسى، هو الحرب الاستقلال التركيّة. إنّ تاريخَ الحدود التركيّة الجنوبيّة ما بين الأعوام 1918 و1923 أكثر تعقيدًا من أن يُسرَد هنا، ولكن يكفي القول بأنّ معاهدة سيڨر التي فُرِضت على الدولة العثمانيّة في أغسطس 1920 جعلت من تركيا دولةً عاجزة في وسط الأناضول. وتمّ تمديد مناطق النفوذ البريطانيّة والفرنسيّة شمالًا إلى عُمق تركيا الحاليّة من خلال منطقة أو دولة شبه مُستقلّة – من المحتمل أن تكون كرديّة؛ الخريطة أعلاه تبيّن تفسير لورنس مارتن لمعاهدة سيڨر. هذه المعاهدة ساعدت على إشعال حرب الاستقلال التركيّة، والتي انتصرت فيها القوّات الأتاتوركيّة على الحلفاء واستعادت أغلب الأراضي التي خسرتها منذ هُدنة 1918، دافِعةً بالخطّ الحدوديّ جنوبًا مرّةً أخرى. وفي هذه الحالة، فُرِضت الحدود بالتالي على القوى الأوربيّة وليس مِن قِبَلها. ولو هُزِمت القوّات الأتاتوركيّة، لربما كنّا سمعنا قصصًا حول رسمِ الأوربيين لحدود الشرق الأوسط في سيڨر عِوضًا عن سان ريمو أو سايكس بيكو.

معاهدة لوزان لعام 1923 التي أنهت حرب الاستقلال التركيّة أسّست أغلب حدود تركيا الحاليّة، باستثناء حدودها مع العراق، إذ لم تتزحزح لا تركيا ولا بريطانيا عن مزاعمهما حول الموصل. نصّت الاتفاقيّة على كون الطرفين سيحاولان الوصول لحلٍ سلميّ حول الخلاف، وإذا فشلوا خلال تسعة أشهر فالمسألة ستُقدّم إلى عُصبة الأمم، وذلك فِعلًا ما حصل، فبعد أن قامت لجنة مُعيّنة مِن قبل العصبة بجولة في الموصل عام 1925 لتتحقق من الآراء المحليّة، وصّت بأن تُعطى الموصل للعراق. اعترضت تركيا على القرار ولكن القرار استؤنف وفي 1926 وقّعت تركيا اتفاقيّة تؤسس حدودها مع العراق. صرّح ملك العراق فيصل أنّ الاتفاقيّة «رسّخت وجودنا السياسيّ، داخليًا وخارجيًا».[11] لقد كان مُحقًّا بالطبع، فالاعتراف المتبادل – عادةً عن طريق حلّ المزاعم المتنافسة حول منطقة ما – هو ما يشكّل الحدود، أو على أيّ حال يجعل من وجود الحدود مُمكِنًا. فهذا الأمر يتطلّب طرفين على الأقل.

عمل المسؤولون البريطانيّون والعراقيّون جاهدًا خلال ثمان سنوات لفصل الموصل عن تركيا. فالقوات الجويّة البريطانيّة انخرطت في حملات قصفٍ جوّي شبه مستمرّة. وُصفِت تلك الحملات كثيرًا في المصادر البريطانيّة الأوليّة وردّدَ عدد من المصادر الثانويّة بالنشاطاتٍ الدفاعيّة ضدّ «غزواتٍ» تركيّة داخل العراق. ولكن بحكم أنّ الموصل لم تنتمي للعراق حينها، فهذا التوصيف قابلٌ للنقاش. استهدف القصف الجويّ كلًا من مجتمعات المناطق الحدوديّة المؤيّدة لتركيا والانفصاليين الأكراد. وضّحت إحدى التقارير البريطانيّة:

العرب والأكراد. هذا هو معنى القصف الحقيقي من ناحية الضحايا والأضرار؛ ها هم الآن يعلمون أنّه خلال 45 دقيقة بالإمكان مسح…قرية ذات مساحة كبيرة وقتل ثلث سكّانها أو إصابتهم باستخدام أربع أو خمس مكائن لا يستطيعون استهدافها فِعلًا، ولا تعطيهم فرصة ليحقّقوا مجد الأبطال، ولا وسيلة فعّالة للهرب.[12]

وُظِّفت إجراءاتٌ أكثرَ دبلوماسيّة أيضًا، إذ أدلت حكومة الانتداب بتصريحاتٍ من بغداد واعِدةً بأنّ لغات الأقليّات وحقوهم في الشمال ستُحتَرم، وأرسلت وفودًا من المسؤولين العراقيين ليجولوا في الموصل والسليمانيّة ويقنعوا السكّان بأنهم سيكونون في حالٍ أفضل في العراق من لو كانوا تركيا، بالخصوص مع اقتراب موعد وصول لجنة عصبة الأمم.

استحوذت الموصل على أهميّةً بالغة في الواقع (منذ 1918 وحتى 1926) في تكوين هويّةٍ عراقيّة وطنيّة، وعمليّة تكوين الهويّة الوطنيّة هذه لم تتلقى الكثير من الاهتمام، ولذلك كثيرًا ما يساء فهمها. بالفعل في استفتاء 1918-1919، كانت النقطة التي لا خلاف عليها – مثلما لاحظ كلٌ من المراقبين العراقيين والبريطانيين – هي أنّ «الموصل جزءٌ من العراق»[13]، وأنّه في السنوات القادمة كتب شعراءُ وطنيّون في بغداد والبصرة متحدّثين بحماس عن الموصل واصفين إيّاها بـ«جوهرة العراق».  حرّك المسؤولون العراقيّون هذه الأحاسيس لصدّ الانتقادات الوطنيّة في علاقتهم مع الانتداب، فشدّد رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون على كون الموصل «رأس جسِد» الأمّة العراقيّة، وأعلن الملك فيصل أنّ مسألة الموصل «مسألةُ حياةٍ أو موت لوطننا الحبيب»[14]. أدرك المسؤولون البريطانيّون هذه الأحاسيس أيضًا، فاستخدموا الموصل مرارًا كجزرةٍ وعصا أيضًا لجعل الوطنيين في بغداد والمناطق الجنوبيّة يتماشون معهم. أهمّ هذه الطرق وأعظمها كان تهديدهم بعدم دعم مطالب العراق لدى عصبة الأمم في خلاف الموصل إن لم تقرّ الحكومة العراقيّة المعاهدة مع بريطانيا التي تضمن سُلطةَ الأخيرة هذه على شؤون العراق. حصلت مناظرات كبيرة ما بين الوطنيين العراقيين في ذلك حول ما إذا كانت بريطانيا تخادعهم – فقد كان لديها في آخر الأمر مصلحة كبيرة في نفط الولاية – ولكنّ الكثيرين لم يعتقدوا أنّ الأمر يستحق المجازفة، بالخصوص بعدما عرضت تركيا على بريطانيا الحقوق للوصول إلى نفط الموصل ذاتها التي ستمتلكها إن كانت تحت حكم العراق. أكّد فيصل أنّها ستكون «مجازفة مرعبة نتّخذها مع أغلى أجزاء أمّتنا»[15]. حين أقرّت الجمعيّة التأسيسيّة العراقيّة أخيرًا بالاتفاقيّة الأنجلو-عراقيّة في عام 1924 تحت ضغطٍ بريطانيٍّ شديد، جعلت قبولها مشروطًا بـ«حماية الحكومة البريطانيّة لحقوق العراق على ولاية الموصل بأكملها».[16]

أمّا الموصليّون أنفسهم فقد كانوا منقسمين بشدّة ما بين آراءٍ مؤيّدة لتركيا وآراءٍ مؤيّدة للعراق طوال تلك السنوات، وذلك أنّ بعضهم كانوا يغيّرون آراءهم حسب تقديرهم للأوضاع المتغيّرة سريعًا. بالنسبة للبعض، بالخصوص الأرمن والمسيحيين الآخرين، كثيرًا ما حرّك الانتماءُ الدينيّ ولاءهم السياسيّ؛ وكان من الصعب القبول بتركيا بعد المذبحة والحرب التركيّة الأرمنيّة. غيرهم – لربما الأكراد بالخصوص – كانوا منقسمين، وهو انقسامٌ عقّد الحالة الكرديّة لوجود فصيلٍ يقترح دولةً كرديّة مستقلّة. هذا الفصيل كان صريحًا بشكلٍ متفاوتٍ في كلّ فترة وكلّ منطقة، ولكنّه لم يكن متوحدًا كفاية لتكون له فرصة للتغلب على القوّات الجويّة البريطانيّة. أمّا بالنسبة للموصليين العرب فالانتماءات الدينيّة-اللغويّة وحتى الالتزامات العروبيّة لم تحدد بالضرورة الانحيازات السياسيّة. على سبيل المثال، اندلع نزاعٌ ما بين الفرع السوريّ لجمعيّة العهد العروبيّة وفرع الموصل حين أعلن الأخير هذا أنّ كثيرًا من الموصليين يميلون لتركيا وأشاروا لكون العراقيين عمومًا سيكونون بوضعٍ أفضل لو تحالفوا مع الأتاتوركيين (والبلشفيين) من لو تحالفوا مع الحجازيين العرب مثل الشريف حسين وأبنائه.[17] بالنسبة لكلّ الموصليين، ذلك النزاع كان يتعقدّ بشكلٍ مستمر بحقيقة وجود تخيليّن متصارعين لـ«العراق»: عراقٌ بريطانيّ وعراقٌ مستقلّ.

ولكون «العراق المستقلّ» كثير ما تم تصوُّرهُ – من قِبل كلٍ من الوطنيين العراقيين ومن قبل البريطانيين – كـ«دولة عربيّة» كان أمرًا ذا أهميّة كبيرة لسكّان العراق من غير العرب. العروبة والوطنيّة العراقيّة لم تكونا إيديولوجيّتين متعارضتين في العشرينات كما تفترض بعض نسخ سرديّة الدولة المصطنعة؛ وفي ذلك إسقاطُ انقسامٍ سياسيّ حدث لاحقًا على هذه الفترة. الواقع هو أنّ العروبة شكّلت تكوين هويّة وطنيّة عراقيّة وبالتالي تكوين العراق كدولة-أمّة. العديد من الأكراد العراقيين إذًا مالوا نحو استمرارِ نوعٍ من الإدارة البريطانيّة عوضًا عن تكوين عراقٍ «عربيّ» مستقلّ. وشجّع المسؤولون البريطانيّون بالتأكيد هذه النزعات، وتجدر الإشارة بأنّهم مع ذلك كانوا يشيرون للعراق – من ضمنها الموصل – كـ«دولةٍ عربيّة» بشكلٍ اعتياديّ، ومنذ البداية أكّدوا أهميّة تأسيس «إدارة عربيّة» في البلاد كوسيلةٍ لفرضِ حكمٍ بريطانيّ غير مباشر.

لربما تجدر الإشارة لكون احتماليّة إلحاق الموصل لسوريا لم تكن موضوع نقاشٍ مهمّ في فترة 1919-1926، إذ أنّها لم تكن أمرًا مطروحًا على الطاولة، وذلك على الرغم من سايكس بيكو.[18] فالتكهنات البحثيّة التي امتدّت عقودًا طويلة حول ما إذا كان ضمّ الموصل لسوريا أكثر «طبيعيّةً» تخرج عن الموضوع. المشكلة التاريخيّة الحقيقيّة هي أنّ بريطانيا كانت تحتلّ الولاية عسكريًا وأرادت لها أن تكون جزءً من العراق – مثلما أراد المسؤولون الحكوميّون العراقيّون والوطنيّون العراقيّون المناهضون لبريطانيا – بينما كان لدى تركيا مزعمٌ قانويٌّ قويّ بالنظر لكون الاحتلال البريطانيّ مخالف للقانون الدولي. لم يقترح أحد بجديّة أنّ اتفاقيّةً سريّة ما بين أوروبيين في وقت الحرب أعطى سوريا أو فرنسا أو أيّ مزعمٍ دوليّ أو محليّ على الموصل، على الرغم من التذمّر الذي لم يدم طويلًا من بعض المسؤولين الفرنسيين بسبب نشاطاتِ حليفهم البريطانيّ في فترة الحرب (وهو خلافٌ خُفِّف على كلّ حال بحلول 1920، بعد أن وعدت بريطانيا فرنسا بحصّة مستقبليّة من نفط الموصل). إنّ فِكرة وجود وجهة نظر أرخميدسيّة [موضوعيّة] تتكوّن – أو تكوّنت يومًا – من خلالها الحدود الدوليّة هي بالتأكيد مجرّد هراء، ولكن ما ساعد على إبقائها هو سرديّة «التلفيق في أوروبا»، لربما بالرغم من نفسها، من خلال إدامة الفكرة عن أنّ ممارسة رسم خطٍ – وأيّ خطٍ – على خريطة في أوروبا تمتلك قدرة شبه سحريّة على خلق الحدود في آسيا. ومساهمة المؤرّخين في هذه القصة قد تتعلّق بما أشار له نيل سميث حول الفهم «الهزيل» للجغرافيا ضمن حقل الدراسات التاريخيّة الأكاديميّة، على الأقل في الولايات المتحدة على مدار القرن العشرين.[19]

نشوء سرديّة الدولة المُصطنعة

بينما يتردّد صدى سرديّة دولة العراق المُصطنعة مع خطابٍ مماثل حول دولٍ أخرى ما بعد استعماريّة – بالخصوص في الشرق الأوسط وإفريقيا – فالسرديّة المُتعلّقة بالعراق لها تاريخها الخاص، فقد نشأت في السنوات الأولى من تكوّن الدولة وكانت مرتبطةً بمزاعم حول عدم إمكانيّة حكم الرعايا العراقيين مِن قِبل عراقيين: الريفيّون منهم لأنّهم – استنادًا لهذه المزاعم – قبليّون وغير متحضّرون، والمدنيّون منهم لأنهم غير متجانسين إثنيًا ودينيًا. كانت هذه السرديّة في البداية سرديّةً استعماريّة وُظِّفت لتبرير احتلال بريطانيا المُستمرّ للعراق. فمبكرًا منذ 1922، عبّرت جريدة تايمز اللندنيّة عن الاشتباه الناشئ عن وجود شيءٍ فاضح حول العراق: «لا يحرّك هذه المجتمعات غير المتجانسة حتى الآن هدفٌ مشترك…بلاد الرافدين، بحدودها المُبهمة وسكّانها المختلطين، تمّت معاملتها كأمّة وكدولة جنينيّة، ووضِعت في مرتبة الديموقراطيّات الحديثة المُنضمّة تحت عُصبة الأمم».[20] يجدر بنا التذكّر بأنّ هذه الحجة كانت ردًا صريحًا على مطالب السيادة العراقيّة الوطنيّة. الحاكم المدنيّ المفوّض آرثر ويلسون أشرف على إخماد ثورة العشرين التي اشتعلت في كلّ أنحاء البلاد والتي طالبت بإخلاء الجنود البريطانيين وبـ«الاستقلال التامّ» للعراق داخل «حدوده الطبيعيّة»، والتي راح ضحيّتها ما يتجاوز الثمانيّة آلاف عراقيّ وخمس مئة بريطانيّ وهنديّ، حسب التقديرات البريطانيّة. ولكن في مذكّراته لعام 1931، أدّعى آرثر ويلسون أنّه في فترة 1917-1920 لم تكن الوطنيّة «عنصرًا مهمًّا في العراق…فكرة كونِ العراق كأمّة مستقلّة نادرًا ما تشكّلت، وذلك لكون الدولة تفتقر للتجانس، سواءً أكان جغرافيًا أم اقتصاديًا أم عرقيًا».[21] لم يكتف بذلك فحسب، بل استشهد بمصادر بريطانيّة أقدم ليدعم هذه المزاعم، مُقتبِسًا مقولة ماركيز ساليسبري التي قالها عام 1878 حول كون «تركيا الآسيويّة تحتوي سكانًا من العديد من الأعراق والمعتقدات، المفتقرين للقدرة على الحكم الذاتي والطموح للاستقلال».[22]

ردّد مسؤولون عراقيّون سرديّاتٍ متشابهة لأهدافٍ مختلفة طوال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. في 1932، وهو العام الذي أصبحت فيه العراق مستقلّة رسميًا وانضمّت لعُصبة الأمم، أدلى الملك فيصل بهذا التصريح:

أقول وقلبي يملأه الأسى أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، متشعبة بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة سمّاعون للسوء ميالون للفوضى مستعدون دائما للانتفاض على أية حكومة كانت.[23]

استُحضِرَ هذا الاقتباس على مرّ السنين كدليلٍ آخر على كون العراق هو بذاته نوعٌ من الفضيحة. ولكنّ كلمات فيصل التي تتبعه كثيرًا ما لا تُذكر: «فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعبا نهذبه وندربه ونعلمه…هذا هو الشعب الذي أخذت مهمّة تكوينه على عاتقي».[24] مثل أغلب بناة الأمم في زمانه، علِم فيصل جيدًا أنّ الدول-الأمم يتم بناءها – ومعنى ذلك بالنسبة لبناة الأمم أنّه يجب بِناؤها.

ولكن قد يكون من الأفضل أن نقلل تركيزنا على حروف مثل هذه الاقتباسات عن العراقيين وأن نركّز أكثر على الغَرضِ الذي استُشهِد بها لأجله في السياق الذي ذُكِرت فيه. بالطبع، لم يكن العراقيّون في العقد الأول من وجود العراق ينتفضون «على أيّة حكومة كانت» كما زعِم فيصل، وإنّما انتفضوا على حكومة فيصل ونظام الانتداب البريطاني الذي دعمها. هذا الخطاب حول كون العراقيين بطبيعتهم لا يمكن حكمهم أغرق كلّ الصراعات في العراق – مِثله مثل خطاب الدولة المُصطنعة اليوم – في سرديّة واحدة تفسيريّة جاهزة.

لربما كان أكثر ما اهتمّ هذا الخطاب بإغراقِه ونسيانه في العشرينات والثلاثينات هو ثورة العشرين. فالمصادر المعاصرة المتعلّقة بهذه الثورة ببساطة لا تدعم الفكرة القائلة بأنّ العراق لفّقه الاستعمار. فقد كان المطلبُ المتّسق من قِبل المتمردين من الموصل مرورًا ببغداد وحتى المدن المقدسّة الشيعية الجنوبيّة هو الاستقلال التامّ للعراق داخل ما سمّوه «بحدودها الطبيعيّة»، والتي عرّفوها بأنها تمتد من شمال الموصل للخليج الفارسي.[25] لا يعني ذلك أنّ كلّ العراقيين شاركوا في الثورة، ولكن ذلك يعني أنّ أغلب الذين شاركوا كانوا يتظاهرون ضدّ الاحتلال العسكريّ والانتداب البريطانيين، ولم يتظاهروا ضدّ رسم حدود العراق أو تكوينها كدولة-أمّة. وفي ذلك الوقت، كانت فكرة عدم أصالة العراق تكاد تكون محصورةً تمامًا في الخطاب الاستعماريّ.

لحسن حظّ العراقيين، فالمجموعة الصغيرة من المسؤولين البريطانيّين الذين جادلوا عقب الحرب أنّ حدود الدولة الجديدة يجب أن تكون مبنيّة على حدودٍ طائفيّة إثنيّة خسروا المعركة؛ والعراق بذلك لم يشهد مشاريع تطهيرٍ عرقيّ كبيرة في العشرينات. وكما طرحت سابقًا، ساهمت عواملُ كثيرة في هذه النتيجة من ضمنها المطالب الوطنيّة العراقيّة والمصالح الإمبراطوريّة البريطانيّة ونشاطات جيران العراق. أشار نقّاد هذه المزاعم كثيرًا للصعوبة الشديدة لفرضِ نظرةٍ طائفيّة إثنيّة على المنطقة. فِعلًا، هذه هي النظرة التي استوحت منطقها من تخيّل خريطةٍ فارغة، أو خريطة مليئة بفضاءات متجانسة فارغة: فارغة من التاريخ؛ ومن المزاعم على الأراضي والموارد، فارغة من جيرانٍ يتحدّثون لغاتٍ مختلفة أو قرىً متعددة الإثنيّات وأي مدُن يمكن تصوّرها؛ وفارغةٌ من الحدود الإقليميّة والدوليّة، ومن المعاهدات والاتفاقيّات التي وُقِّعت، ومن القوانين المحليّة والدوليّة، بل وفارغةٌ أيضًا من الجبال والأنهار والصحاري وآبار النفط. لا شيء سوى فضاءٍ فارِغ وهويّات إثنيّة طائفيّة ثابتة.

ولكنّ هذه النقطة قد أدلي بها قبل مئة عام. ما طرحته هنا أيضًا هو أنّ هذه السرديّة حول كون العراق كدولةٍ مُصطنعة نبعت من الصراعات والعمليّات التاريخيّة ذاتها التي وُظِّفت هي لتفسيرها لاحقًا، ولتبريرها أيضًا. عِوضًا عن تأريخ هذه السرديّة عن طريق استكشاف تاريخ نشأتها بعد الحرب العالميّة الأولى، قام الباحثون والعديد العديد من المعلّقين باستخدامها وإعادة استخدامها لتفريغ العراق من تاريخه.

المصدر: جدليّة

——

[1] أُرفِق برنامج 1919 للعهد العراقي في كتاب محمد مهدي البصير: تاريخ القضيّة العراقيّة (بغداد: مطبعة الفلّاح، 1924)، ص. 100-112؛ للمزيد من المعلومات حول تعريف الجمعيّة لحدود العراق، أنظر الصفحة 116. أنظر أيضًا Eliezer Tauber,The Formation of Modern Syria and Iraq (نيو يورك/ روتلدج، 1995)، ص. 179. وحول إعلان استقلال العراقي في المؤتمر العربي وتنسيقه مع الوطنيين داخل العراق، أنظر علي الورديّ: لمحات اجتماعيّة من تاريخ العراق الحديث (قم: مكتبة الصدر، 2004)، 5.1: 51، 132.

[2]للنظر في برنامج حرس الاستقلال السياسي لعام 1919، أنظر البصير: القضيّة العراقيّة، ص. 137-138؛ وانظر عبد الله الفيّاض، الثورة العراقيّة الكبرى سنة 1920 (بغداد: مطبعة الإرشاد، 1963)، ص. 165.

[3]أنظر: الوردي، لمحات، 5.1: 71-89؛ والبصير، القضيّة العراقيّة، ص. 81-88؛ و Philip Ireland, Iraq: A Study in Political Development  (نيو يورك: رسل أند رسل، 1937)، الفصل التاسع. تختلف المصادر العراقيّة والبريطانيّة حول ما حصل في بعض لقاءات الاستفتاء، مسببةً بعض الحيرة في الأبحاث. في بغداد، كانت النتائج غير قابلة للجدال، إذ صدر ردٌ موحّد وحيد يطالب باستقلال العراق التام، أصدرته مجموعة من الوجهاء السنّة والشيعة أثناء اجتماعٍ لهم. وفي مدنٍ أخرى، انقسمت المجموعة الأصليّة وأصدرت ردّين، موفّرةً بالتالي خيارين للباحثين المعاصرين واللاحقين ليختاروا منهم

[4]أفضل رواية حول صراع دير الزور باللغة الإنجليزيّة هو Eliezer Tauber, “The Struggle for Dayr Al-Zur: The Determination of Borders Between Syria and Iraq,”  المجلّة الدوليّة لدراسات الشرق الأوسط 23، عدد 3 (1991): ص. 361-385. ونُوقِش الصراع بكثافة في كتب التأريخ العربيّة: أنظر على سبيل المثال: البصير، القضيّة العراقيّة، ص. 117-130؛ والوردي، لمحات 5.1: 146-157.

[5]لست أقترح هنا أنّ ثورة العشرين «بدأت” في دير الزور، وهذه مسألة مناظراتٍ كبيرة في تأريخ العراق، بالخصوص في اللغة العربيّة. إنّ المواقف الثلاث في هذه المناظرة هي أنّها بدأت من قِبل العلماء الشيعة وأتباعهم القَبليين في الفرات الوسطى؛ والموقف الثاني هو أنها بُدِأت مِن قبل المثقّفين الوطنيين ذوي الشعبيّة الكبير في بغداد؛ والرواية الثالثة هي أنّها بدأت من قِبل ضبّاطٍ عراقيين سابقين في الجيش العثماني في دير الزور، مع تلقّيهم لمساعدة من الموصل. موقفيّ الشخصي هو أنّه من المستحيل أن نحدد المكان والوقت الذي بدأت فيه الثورة، إذ أنّ الانتفاضات كانت مُستوطِنة طوال فترة الاحتلال البريطاني. ما جعل ثورة العشرين ذات أهميّة هو أنّ انتفاضاتٍ كبيرة اندلعت بشكلٍ متزامن تقريبًا في هذه المناطق الثلاث، وأنّ اللغة شبه المتطابقة للمطالب التي أُصدِرت للسلطات الاستعماريّة البريطانيّة بيّنت مقدار التنسيق، أو على الأقل التواصل، فيما بينهم

[6]البصير، القضيّة العراقيّة، ص. 129.

[7]Arnold Talbot Wilson, Mesopotamia, Vol. 2: 1917-1920: A Clash of Loyalties (Oxford: Oxford University Press, 1931), 254-55, 310.

[8]لتوضيحٍ حول المصادر التي استُخدمِت لأجل هذه الخريطة التي لا تتضمن معاهدة العقير، أنظر: see Lawrence Martin, “Introduction: The Legal Basis of the New Boundaries,” in The Treaties of Peace 1919-1923  (نيو يورك: مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 1924)، 1:xxxvii-xliii؛ يمكن إيجاد الخريطة الأصليّة في 966:2

[9]أنظر Daniel Silverfarb, “Great Britain, Iraq, and Saudi Arabia: The Revolt of the Ikhwan, 1927-1930,”   إنترناشونال هيستوري رفيو 4، رقم 2 (1982): ص. 222-248.

[10]“A Short History of `Iraq-Najd Relations from about the Time of the Fall of Hail to Ibn Sa`ud’s Protest against the Establishment of the `Iraq Police Post at Busaiyah,” FO371/12993, in Records of Iraq 1914-1966, Vol. 3: 1921-1924 (Chippenham: Archive Editions, 2001), 831-41; “The Boundaries of the Nejd: A Note on Special Conditions,” Geographical Review 17, no. 1 (January 1927): 128-34; Daniel Silverfarb, “The Treaty of Jiddah of May 1927,” Middle Eastern Studies 18, no. 3 (1982): 276-85.

[11]عبد الرزّاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقيّة (صيدا: مطبعة العرفان، 1965)، 72:2

[12]اقتُبِس في Priya Satia, “The Defense of Inhumanity: Air Control and the British Idea of Arabia,”  أمريكيان هيستوريكا ريفيو 111، رقم 1 (2006): ص. 42

[13]البصير، القضيّة العراقيّة، ص. 87. Wilson, Mesopotamia, 286.

[14]الحسني، تاريخ الوزارات، 29:2، 32.

[15]حسين جميل، العراق: شهادة سياسيّة، 1908-1930 (لندن: دار اللام، 1987)، ص. 257

[16]الحسني، تاريخ الوزارات، 188:1.

[17]حول المراسلات ما بين الفرعين، أنظر الفيّاض، الثورة العراقيّة، ص. 160. وحول كيف حيّرت سيولة الهويّات الموصليّة والانتماءات السياسيّة لجنة عصبة الأمم، أنظر Sarah Shields, “Mosul Questions: Economy, Identity, and Annexation,” in The Creation of Iraq, 1914-1921, ed. Reeva Simon et al.  (نيو يورك: كولومبيا يونيفيرستي بريس، 2005)

[18]كان هنالك نزاعٌ عراقيّ سوريّ حلو حدود الموصل، استمرّ حتى الثلاثينيّات، ولكنّ المزاعم السوريّة-الفرنسيّة لم تمتد لأبعد من الجانب الغربيّ لجبل سنجار

[19]Neil Smith, American Empire: Roosevelt’s Geographer and the Prelude to Globalization (Berkeley: University of California Press, 2003), xviii.

[20]اقتُبِس في Giuditta Fontana, “Ethno-Religious Heterogeneity and the British Creation of Iraq in 1919-23,” Middle Eastern Studies 46, no. 1 (2010), 13

[21]Wilson, Mesopotamia, ix–x.

[22]المصدر السابق، 303.

[23]الحسني، تاريخ الوزارات، 289:3

[24]المصدر السابق

[25]لنقاشٍ باللغة الإنجليزيّة عن هذه المصادر، أنظر: Abbas Kadhim, Reclaiming Iraq: The 1920 Revolution and the Founding of the Modern State (Austin: University of Texas Press, 2012), especially chap. 4, “The Journalism of the Revolution.” 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s