«خطوطٌ رُسِمت على خريطة فارغة»: حدود العراق وأسطورة الدولة المصطنعة (الجزء الأوّل)

[هذه مقالة من جزئين، لقراءة الجزء الثاني أضغط هنا]


خريطة لورنس، 1918. المصدر:
خريطة لورنس، 1918. المصدر: “لورنس العرب: الحياة، والأسطورة”. متحف الحرب الإمبراطورية، لندن، الأرشيف الوطني البريطاني لـ2005. البي بي سي

سارا برسلي

لربما لم تُوصَف أي دولة-أمة حديثة بـ«المصطنعة» بقدر ما وُصِفت العراق بهذا الوصف. بينما يعترف أغلب الباحثين سريعًا أنّ كلّ الدول-الأمم مصطنعة، بمعنى أنّها تم خلقها من قبل البشر، يبدو أنّ العراق في نظرهم أكثر اصطناعيّةً من أغلب الدول. تبدأ القصة دائمًا باتفاقيات السلام ما بعد الحرب العالمية الاولى، إذ يُزعم أنّ حدود العراق وغيرها من دول المشرق العربي خُلِقت من العَدم تقريبًا من قِبل أوروربيين. وكتب في ذلك ديفد فرومكين في كتابه المقروء كثيرًا «سلامٌ يُنهي كلّ سلام»:

لقد كان عصرًا لُـفِّقت فيه دول وحدود الشرق الأوسط في أوروبا. كان العراق وما نسمّيه اليوم بالأردن – على سبيل المثال – من صنيعة بريطانيا، والخطوط الحدوديّة رُسِمت على خريطة فارغة من قبل سياسيين بريطانيين بعد الحرب العالمية الأولى، بينما حدود السعودية والكويت والعراق تمّ تأسيسهم من قِبل موظفٍ مدنيّ بريطانيّ في عام 1922.[1]

هذه السردية مألوفةٌ لدينا جميعًا، إذ رددها باحثون وصحفيون ومعلّقون سياسيّون من كلّ التوجّهات السياسية ما يقارب قرنًا كاملًا. وقد ردّدتها أنا شخصيًا عددًا من المرّات.

استُحضِرت سردية «الدولة المُصطنعة» هذه من قِبل الدولة الإسلامية أيضًا – المعروفة سابقًا بـ«داعش» – حين أصدر التنظيم مقطع فيديو بعنوان «نهاية سايكس بيكو» في صيف 2014. وأعلن التنظيم أنّ انحلال الحدود السوريّة العراقية يعني نهاية نظام الدولة-الأمّة الذي فُرِض على المنطقة من قِبل القوى الاستعماريّة بعد الحرب العالمية الأولى، وتوعّد أنّ الحدود السوريّة العراقيّة «لن تكون آخر حدود نكسرها». ووضّح قائد التنظيم أبو بكر البغدادي مُتحدثًا من مسجدٍ في الموصل شهر يوليو أنّ «هذا التقدم المبارك لن يتوقف حتى نضرب آخر مسمار في نعش مؤامرة سايكس بيكو».

أعقب تصريح أبو بكر البغدادي موجةٌ مضطّربة من التعليقات الإعلاميّة وظهرت خرائط سايكس بيكو في أرجاء الانترنت كأدلّة داعمة، أو على أقل كديكوراتٍ داعمة لعددٍ من الآراء حول تصاريح الدولة الإسلامية. وكان الرأي الغالب حتى عند أشدّ المعارضين للدولة الإسلامية هوّ أنّ التنظيم كان يعمل حقًا على إبطال اتفاقية سايكس بيكو سيئة السمعة التي وُقّعت 1916 ما بين بريطانيا وفرنسا لتقسيم وتوزيع الأراضي العربيّة التابعة للإمبراطورية العثمانية، وأنّ ما يجري هو النهاية المنطقية لحدودٍ مختلقة صنعتها قوىً استعماريّة قبل مئة عام. وأوضحت مقالة نُشِرت في رويترز بعنوان «سايكس-بيكو رسم خطوطًا في رمال الشرق الأوسط تمسحها الدماء الآن» أنّ الاتفاقيّة كانت «بطبيعتها مشروعًا امبراطوريًّا لم يكترث كثيرًا بالجغرافيا أو التضاريس أو الإثنيّات»، وتوافق المثقّفون الشعبيّون من أقصى اليمين لأقصى اليسار على ذلك؛ فحتى قبل تقدّم الدولة الإسلاميّة، نُشِرَ اقتباسٌ لنعوم تشومسكي قائلًا فيه أنّ «اتفاقيّة سايكس بيكو تنهار الآن، وهذا الانهيار ظاهرة مثيرة للاهتمام…ولكن اتفاقية سايكس بيكو فرضتها الامبراطوريّات وليس لها أيّ شرعيّة؛ وليس هنالك سببٌ لوجود هذه الحدود – إلّا مصالح القوى الإمبرياليّة». وظهرت بعض الآراء المعارضة أغلبها شكّك فيما إذا كانت الحدود العراقيّة السوريّة حقًا تنحلّ. كتب ستيفن سيمون على سبيل المثال في إصدار أغسطس من فورين أفيرز: «موكب الفظائع المُنطلِق من سوريا لم يشمل حتى الآن انحلال حدود سايكس بيكو…على الرغم من الفوضى الإقليميّة، يبدو أنّ سايكس بيكو – باختصار – لا يزالُ حيًا وبصحّة جيدة».

خرجت بعض الانتقادات النادرة لسردية سايكس بيكو ذاتها أو السردية الأوسع التي تنتمي لها ألا وهي سرديّة «الدولة المُصطنعة». وكانت هنالك بعض الاستثناءات البارزة، من ضمنها نصٌ متألق كتبه دانيل نيب مجادلًا أنّ افتتان المحللين في كل مكان بكيفية رسم خريطة أفضل للمنطقة «ليس إلّا خيالًا مُختلقاً من وهم، وهو وهمٌ تمّ تقطيرهُ من فتات حُلمٍ لا يُذكر إلّا نصفه»[2]. ولكن في أغلب الأحيان، أحكم فتات الحلم الذي لا يذكر إلّا نصفه سيطرته على آراءِ المحلّلين. حقًا، قليلٌ أخذوا على عاتقهم التشكيك في كون الحدود التي تتحداها الدولة الإسلامية صُنِعت فِعلًا عن طريق اتفاقيّة ساكيس بيكو لعام 1916. الإجماع شبه التامّ هذا كان صادمًا ليس لتوفّر معلوماتٍ دقيقة لكلّ من يرغب بالبحث عنها فحسب، ولكن أيضًا لأن هذه المعلومات متوفّرة في أغلب المقالات هذه على شكل نسخٍ من خرائط سايكس بيكو مُدرجة في أعلى هذه المقالات كلّها، وكأنّما تلك الصّور تعمل حقًا على إثبات تلك المزاعم المذكورة. وأمّا مسألة عدم تشابه خريطة سايكس بيكو أبدًا مع خريطة المنطقة الحديثة لم تستدعي تفسيرًا لدى هؤلاء الكتّاب. واقعًا، بالإمكان المجادلة ببساطة أنّ حدود المنطقة التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية حاليًا تبدو مماثلة لسايكس بيكو أكثر من الحدود العراقية السورية المعترف بها دوليًا. وسأعود لهذه النقطة لاحقًأ.

ما أهتمّ بِه كمؤرّخة للعراق ليس فقط ما يمكن أن يشكّل سردية أكثر دقّة حول تكوين العراق – مع أنّ ذلك سيكون جزءً مما سيتبع في هذه المقالة – وإنما ما أهتمّ به هو كيفيّة النظر لهذا الانفصال الغريب ما بين الصور المتوفرة والسردية التي تروى عن هذه الصور. قد يوحي لنا ذلك أنّ سردية «الدولة المُصطنعة» لم يعكّر عليها المؤرخون الذين صحّحوا السجلّ التاريخي كما ينبغي. وإنما فهذه السردية نفسها قد تحتاج لتمحيصٍ دقيق. من أين أتت هذه السردية؟ وما هو تاريخها؟ وما هو ارتباطها بتاريخ الاستعمار والقومية والحرب والاحتلال في العراق خلال القرن الماضي؟ ما هو نوع الوظيفة التي عملت بها هذه السردية تاريخيًا؟ وما هي وظيفتها اليوم؟

بزغَ الخطاب حول العراق كدولة مُصطنعة – بمزيجٍ غير عقلانيّ لشعوبٍ غير متجانسة – في عشرينات القرن الماضي، كما سأبيّن في الجزء الثاني من هذه المقالة. وكانت هذه السرديّة في الأصل سرديةً استعماريّة استُحضِرت للادّعاء بأنّ العراق ليس متجانسًا كفاية ليحكم ذاته خلافًا لدعوى الوطنيّين العراقيين، ولذلك يجب حُكمه من قِبل بريطانيا. وقد يساعد كون هذه السرديّة أصبحت بعدئذٍ سرديّةً قوميّة أيضًا – وبالتحديد سردية قوميّة عربيّة – على فهم ديمومتها. وفي أعقاب الغزوات الامريكيّة لعام 1991 وعام 2003، أزيح الغبار عن هذه السردية وحبّذها المعسكر المؤيّد للحرب والمدافعون عنه بطرقٍ خبيثة. فقد أرادوا مِن استحضارها القول بأنّ لا ضرر في تدمير دولةٍ لم توجد بشكلٍ أصيل من الأساس.

غلاف عدد يناير-فبراير من ذا أتلانتيك
غلاف عدد يناير-فبراير من ذا أتلانتيك

وضع جيفري غولدبيرغ – على سبيل المثال – هذه الحجة في مقالة نشرها في ذا أتلانتيك عام 2008 عنوانها «بعد العراق» واقتُبِست تلك المقالة كثيرًا. عرض غلاف ذلك الإصدار من ذا أتلانتيك المخيال الإثني-طائفي المتوقّع لشرقٍ أوسط رُسِمت خرائطة من جديد. وتبعها غولدبرغ  بمقالٍ نُشِر أثناء تقدّم داعش بعنوانٍ جانبيّ: «لِمَ نحارب التفكّك الحتميّ للعراق؟» عبّر فيه عن تعاطفه مع خريطة سايكس بيكو، ولكنّه شدّد على أنّ ضعفها يكمن في أنّها كانت مفرطة في «التقدميّةً» بالنسبة للشرق الأوسط، إذ أنّ الشرق الأوسط «ليس بالمكان» الذي يمكن أن تُؤَسّس فيه «دولة حديثة متعددة الثقافات ومتعددة المعتقدات». هذه الحجج توحي أنّ انتشار خرائط سايكس بيكو في الآونة الأخيرة قد لا يتعلّق فقط بتقدّم الدولة الإسلامية وإنما بإحساس منتعش بالقوة الإمبراطوريّة في هذه المرحلة بالذات. أي أننا لربما يجب أن لا نقرأ هذه الخرائط كتوضيحاتٍ وإنما كدعواتٍ، أوتعويضاتٍ تستثير المخيّلة للانتشار المتسارع أيضًا لمقترحات إعادة رسم الخرائط.

خريطة سايكس بيكو

خريطة اتّفاقيّة سايكس بيكو التي تمّ توقيعها من قبل ماركس سايكس وفرانسوا جورج بيكو بتاريخ 8 مايو 1916. الصورة من الأرشيف الوطني البريطاني MPK1/426, FO 371/2777 (folio 398). من ويكيبيديا
خريطة اتّفاقيّة سايكس بيكو التي تمّ توقيعها من قبل ماركس سايكس وفرانسوا جورج بيكو بتاريخ 8 مايو 1916. الصورة من الأرشيف الوطني البريطاني. من ويكيبيديا

حين تُستخدم خريطة سايكس بيكو كتفسيرٍ سياسيّ للأحداث ففي ذلك شوائب. هنالك نسخٌ عديدة من الخريطة وبعضها تبدو مضللة أكثرَ من غيرها، بالتحديد تلك التي تستخدِم الألوان والأنماط بشكلٍ إبداعيّ لجعل الخريطة تبدو مثل خريطة المنطقة الحاليّة إلى أبعد ما يمكن. على الرغم من ذلك، فالنسخة الأصلية لعام 1916 التي وقّع عليها كلٌ من مارك ساكيس وفرانسوا جورج بيكو ما تزال تُستخدم كثيرًا اليوم (أنظر الصورة أعلاه). المنطقة المظللة بالأحمر في أسفل يمين الخريطة كانت تحت الحكم البريطاني المباشر. سأسمي هذه المنطقة الحمراء «العراق» لأنّ هذا هو ما سمّيت به في ذلك الوقت من قبل متحدّثي العربيّة والتركيّة وأيضًا من قبل المسؤولين والجغرافيين الأوروبيين. وتضمّنت هذه المنطقة ولايتيّ البصرة وبغداد العثمانيّتين ولكنّها لم تتضمن ولاية الموصل العثمانية أو المنطقة الصحراوية في غرب العراق المعروفة اليوم بمسمّى الأنبار. في خريطة سايكس بيكو، تضمّنت تلك المنطقة رُقعةً كبيرة خارج العراق الحديث، وهي قطعة طويلة من شرقيّ شبه الجزيرة العربيّة تمتدّ من الكويت الحديث عبورًا بالساحل الشرقيّ للسعودية الحديثة وحتى قطر (وهي لا تتبين بأكملها في خريطة 1916).

والمنطقة الواقعة تحت السيطرة الفرنسية في خطة سايكس بيكو المعروضة في الخريطة بتظليلٍ أزرق قاتم، تضمّنت جزءً كبيرًا من جنوب الأناضول في تركيا الحديثة زائدًا ساحل البحر المتوسط حتى فلسطين. لا أحد يعلم ما يجب أن يُطلق على هذا الكيان، إذ أنه من الصعب موافقته مع أي خريطة لأي دولةٍ اليوم أو أي فكرةٍ حول منطقةٍ جغرافيّة في 1916. والحلّ الأبسط الذي اتّخذته وتبنّته أغلب شروح سايكس بيكو هو تجاهلها.

المنطقة المركزيّة في الخريطة – أي المناطق «ألف» و«باء» – عُيّنت لتكون «دولةً عربيّة مستقلّة» أو «اتحادًا كونفدراليًا لدولٍ عربيّة» حيث تصُوِّر أن تكون المنطقة الشماليّة («ألف») واقعةً تحت «نطاق نفوذ» فرنسا وأن تقع المنطقة الجنوبيّة («باء») تحت «نطاق نفوذ» بريطانيا. هذا الجانب من ساكيس بيكو كان محلّ جدال، وقُصِد له أن يكون غامضًا في وقتها أو على الأقل أن يكون قابلًا للنقاش في المستقبل. كان موقف بريطانيا العلنيّ هو أنّ المنطقتين ألف وباء يجب أن تكونا دولةً عربيّة «مستقلّة» واحدة، وبهذا الشكل ادّعت بريطانيا أنّ سايكس بيكو لم يتعارض مع مراسلات حسين-مكماهون. ولكنّ الاتفاقيّة تركت الباب مفتوحًا أمام إمكانيّة تكوين دولتين عربيّتين مستقلّتين. أمّا من ناحية معنى «النفوذ» البريطانيّ والفرنسي، فقد تُرِك معناهما ذلك مبهمًا على نحوٍ مشهور، ولكنّ معنى العبارة تضمّن على الأقل اعطاءَ امتيازاتٍ اقتصاديّة لكلّ دولةٍ أوروبيّة في داخل نطاقها المعنيّ.

خريطة العراق. الصورة مِن مكتبة جامعات تكساس. جامعة تكساس في أوستن.
خريطة العراق. الصورة مِن مكتبة جامعات تكساس. جامعة تكساس في أوستن.

الجانب الوحيد من الحدود العراقيّة الحالية (انظر للخريطة أعلاه) الذي بالإمكان أن يطلق عليه خط سايكس بيكو هو جزء الجنوبي الأقصى من حدودها مع سوريا، عابرًا خلال المنطقة الصحراوية من الأردن وحتى نهر الفرات قُرب «القائم» شمالًا – ولكن كما رأينا، فهذه الحدود لم تكن حدود العراق في سايكس بيكو وإنما الحدود ما بين المنطقتين ألف وباء في «الدولة العربية المتسقلة». علاوةً على ذلك، كما سأفصّل في الجزء الثاني من هذه المقالة، هذه الحدود لم تؤسس فِعلًا من خلال اتفاقية سايكس بيكو على الرغم من المراسلات؛ الواقع هو أنّ نشاطات الوطنيّين المحلّيين كان لها أثرٌ كبير في تأسيسها. والجزء الأطول الباقي من الحدود العراقية السورية الممتد من «القائم» إلى تركيا لا يوجد بأي شكلٍ من الأشكال في خطة سايكس بيكو.

على نحوٍ مهمٍ إذًا، فإن المنطقة الواقعة حاليًا تحت سيطرة الدولة الإسلامية تقترب من نظرةِ سايكس بيكو أكثر من خريطة العراق وسوريا. وأهمّ هذه النواحي بالطبع هو أنّ احتلال الدولة الإسلامية لمدينة الموصل والمنطقة المحيطة بها، وأعلى المناطق الخاضعة تحت سيطرة التنظيم من ناحية الكثافة السكانية. هذا الأمر حقيقيّ بغض النظر عن كيفيّة فهم الشخص لماهية المناطق ألف وباء تحت خطّة سايكس بيكو، إذ أنّ الاتفاقية لم تضع الموصل لا ضمن العراق ولا ضمن المنطقة «باء» من النفوذ البريطاني، فقد وضعتها جليًا داخل نطاق نفوذ فرنسا في المنطقة «ألف»، مُدمِجةً إيّاها مع شمال سوريا الحالية بشكلٍ مشابه لما تدّعي داعش أنّها حققته. في الوقت الذي أُصدِر فيه فيديو «نهاية سايكس بيكو» الصيف الماضي، أحكم التنظيم سيطرته على رقعةٍ من العراق الحالي التي كان من المفترض أن تُضم في المنطقة «باء» من الدولة العربيّة، وجزءٌ كبير منها صحراويّ، وهي جزءٌ صغير من عِراق سايكس بيكو كما يمكن رؤيته في كلٍ من الخريطتيّ الدولة الإسلامية المفصّلة وغير المفصّلة.

على مرّ السنين، كان الباحثون أقلّ وقوعًا مِنَ الصحفيين والمعلّقين السياسيين في إطلاق مزاعم كاذبة بشكلٍ واضح حول سايكس بيكو. إذ قال بعضهم أن حدود العراق لم تُخلَق مِن قِبل اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 وإنما في مؤتمر باريس للسلام لعام 1919، أو لربما في اتفاقيّة سان ريمو لعام 1920، أو من الممكن أنها خُلِقت في مؤتمر القاهرة لعام 1921، وهنالك دائمًا من يذكرون الموظّف المدنيّ اللندني في عام 1922. ولكنّ أغلب هذه الروايات تنتهي في نفس المكان: وهو أنّ حدود العراق تمّ «رسمها» من قِبل أوروبيين في السنين التي تبعت الحرب العالمية الأولى. يكتب ريفا سيمون بذلك الشأن:

مثالٌ واضحٌ على الدول المُصطنعة هو العراق، إذ وُجد نهاية الحرب العالمية الأولى بأومر البريطانيين…إذ رسموا خطوط الحدود الجديدة في مؤتمرٍ في القاهرة عام 1921 والذي خلق دولة العراق مكوّنةً من ولايات بغداد والبصرة والموصل العثمانيّة سابقًا.[3]

من الحقيقيّ بالطبع أنه مع مرّ السنين، بدأت الخطوط المرسومة من قِبل الأوروبيين – والمرسومة من كلّ الآخرين – بالمَيلِ للاقتراب من حدود العراق الحاليّة ولكن لا توجد نقطة أصلٍ تمّ أثناءها «رسم» حدود العراق؛ ولو وُجِدت هذه اللحظة، فالأرجح أننا لن نحتاج لكلّ هذه الروايات المتنافسة في بادئ الأمر. فكما هي، بإمكاننا دائمًا أن نتخيّل وجود خريطةٍ ما في مكان ما تبيّن اٌقوالنا عنها.

من المرجّح أنّ السبب الذي يجعل سردية سايكس بيكو مستمرّةً في شعبيّتها أكثر من غيرها هو أنّها –  على الرغم من عيوبها المرئيّة الجليّة – تُرجِع عمليّة تكوين الأمة العراقية في أغلبها إلى الأوروبيين.  فقد كان مؤتمرا سان ريمو والقاهرة – على نحوٍ مهمٍ– استجابةً من قبل القوى الاستعماريّة لتغيّرات على الأرض، وبالخصوص المطالبات الاستقلاليّة السوريّة والعراقيّة، والتي تتجلى في انتفاضاتٍ شعبيّة وتمرّداتٍ مسلّحة في أرجاء رقعٍ واسعة من كلّ من المنطقتين في 1919 و1920. واقعًا، أحد طرق عمل سردية سايكس بيكو المثيرة للاهتمام جدًا والتي تساعد على إخفاء التدخّلات المحليّة التي شكّلت الخرائط المستقبليّة هو أنّ كلّ هذه الخرائط اللاحقة تسمّى أحيانًا بـ«تعديلاتٍ» على سايكس بيكو[4]، وكأنّما بإمكان المرء أن يستمرّ بتعديل اتفاقٍ سريّ لم يكن في المقام الأوّل مُلزِمًا قانونيًا أبدًا حتى في أوروبا ذاتها، ناهيك عن الشرق الأوسط. إذًا، عن طريق هذا المنطق المستدير، فإن كلّ خريطةٍ جديدة للعراق يُزعَم أنّها تعديلٌ على سايكس بيكو، وبإمكننا حينها أن نستمرّ بالقول أنّ سايكس بيكو أسّس خريطة العراق.

اعتراضٌ مُحتمَل

استباقًا لاعتراضٍ مُحتمَل: قد يعترف عديدٌ من مؤيّدي سردية «الدولة المُصطنعة» بسهولةٍ عن عدم وجود نقطة أصلٍ وأنّ سايكس بيكو بالتحديد لا يحملُ تشابهًا مع خريطة العراق الحاليّة، ولكنّهم قد يشيروا بأنّ ذلك يبتعد عن الهدف، وقد يجادلوا أنّ الهدف هو أنّ الأوروبيين هم من رسموا الحدود وأنّهم رسموها اعتباطيًا – أي، يمكن القول أنّهم رسموها على «خريطة فارغة» – بدون استشارة السكّان المحليين وبدون وضعِ أيّ اعتبار للوضع القائم في المنطقة.[5] لو كانت الخريطة فارغة ولو كانت الحدود اعتباطيّة، فلِمَ نهتمّ بأين انتهت هذه الحدود؟

لديّ جوابان على ذلك. أولًا: الموقع الفعليّ لحدود العراق الحاليّة له أهميّة كبيرة في تكريس سردية «الدولة المُصطنعة»، وهذه السردية لا يمكن أن تجمع بين الشيء ونقيضه. دائمًا ما يعرّف «العراق» – على سبيل المثال – بحدوده الحاليّة بغرض محو العراق بالتحديد من تاريخه السابق، وبالتالي يُعاد ضبط ساعة تاريخ العراق لتبدأ من وصول الامبراطورية الأوروبيّة. هنا مثال لهذه المَزعَم المألوف من كتابٍ شائع الاستخدام في تدريس تاريخ الشرق الأوسط كتبهُ مالكوم ياب:

إنّ الكتابة عن تاريخ العراق في القرن التاسع عشر أمرٌ خطأٌ ينافي التاريخ أكثر مما هي الكتابة عن تاريخ سوريا في ذلك القرن. مع أنّ مصطلح «العراق» مصطلحٌ قديم، فهو لم يتطابق مع أيّ منطقة من الدولة الحديثة ولم يُستخدم للإشارة لأيّ من مقاطعات الإداريّة العثمانية في المنطقة.[6]

إذًا، فنحن الآن نعرف معنيين لم يؤدّيهما مصطلح «العراق» قبل الحرب العالمية الأولى، ولكنّنا لا نزال لا نعلم المعنى الذي أدّاه هذا المصطلح، ناهيك عن الطُرُق التي من خلالها شكّل أو لم يشكل هذا المصطلح التاريخ اللاحق للعراق. قد نتساءل: كيف فُهِم مصطلح «العراق»، وكيف تغيّر فهم هذا المصطلح مناطقيًا أو غير ذلك منذ الفترة العثمانيّة وحتى العصر الذي أصبح فيه العراق دولةً حديثة؟ لِم يكون الحديث عن أمرٍ جرى في القرن التاسع عشر منافيًا للتاريخ حين يكون هذا الأمر – كما يخبرنا ياب – قد تمّ الحديث عنه في القرن التاسع عشر؟ وما معنى القول بأنّ أمرًا ما – مهما كان – لم يتطابق مع أي منطقة في الدولة الحديثة؟ ففي النهاية، ما يهتمّ به المؤرّخون عادةً هو كيفية تغيّر الأمور من الوقت ألف إلى الوقت باء. ونحن عادةً لا نستبعد تغيرًا تاريخيًا باعتبار بقاءِ شيءٍ ما دون تغيير فشلًا معياريًا.

خريطة العراق العثماني لعام 1893. المصدر: مشاع ويكيبيديا
خريطة العراق العثماني لعام 1893. المصدر: مشاع ويكيبيديا

الصورة أعلاه هي خريطة عثمانيّة لعام 1893، وتبيّن ثلاث ولايات إداريّة: البصرة وبغداد والموصل. يمتدّ خلال الولايتين الأوليّتين تسمية «العراق العربي». إذًا، فـ«ياب» مُحق في إشارته لكون عثمانيي القرن التاسع عشر لم يستخدموا مصطلح «العراق» للإشارة لأيٍ من ولاياتهم الإداريّة، وإنما استخدموه للإشارة للرقعة الجغرافية التي تغطّي على الأقل اثنتين من هذه الولايات. قد نذكر أنّ هذه الرقعة الجغرافية ذاتها هي ما سمّيناه بـ«العراق» في خريطة سايكس بيكو. حقًا، أولى حدود سايكس بيكو رُسِمت على نُسخٍ إنكليزيّة من الخريطة العثمانيّة، إذ لا تظهر عليها المسمّيات الجغرافيّة كترجماتٍ إنجليزيّة فحسب وإنما كنقحراتٍ مباشرة للمسمّيات العثمانيّة. فالصورة أسفل هذه القطعة على سبيل المثال ترينا تفصيلًا لخريطة سايكس بيكو 1916 (والخريطة الكاملة عُرِضت سابقًا في هذه المقالة) نرى فيها التسمية المُنقحرة «إيراك آربي» (Irak Arabi). وهنالك سببٌ جيّد لاستخدام هذه المسمّيات، وهو أنه في وقت مراسلات سايكس بيكو عام 1916، كان الجنود البريطانيّون قد احتلّوا البصرة مسبقًا وكانوا يحاربون الجيش العثماني من أجل السيطرة على بغداد. ومع إخضاعهم لكلّ منطقة، احتفظت قوى الاحتلال بكثيرٍ من الهياكل البيروقراطية العثمانية – ومن ضمنها حدودها الإدارية والتسميات الجغرافية – وذلك بغرض إدارة الشعب وفرض الضرائب عليهم في الأراضي المحتلّة.

تقريبٌ من خريطة سايكس بيكو المُدرجة أعلاه.
تقريبٌ من خريطة سايكس بيكو المُدرجة أعلاه.

فيما يتعلّق بالعراق إذًا، فخريطة سايكس بيكو استُمدّت مباشرةً من الخريطة العثمانية، مع أنّ العراق الموجود في كلٍ من هاتين الخريطتين لا يتطابق على ما أُطلِق عليه بمسمّى «العراق» في الخرائط اللاحقة، ولم يعيّن العراق في أيٍّ من هاتين الخريطتين كدولةٍ مستقلّة. يبدو من العدل إذًا أنّ نسأل: لِم يكون عدم تطابق الحدود من فترةٍ ما مع الفترة التي تليها سببًا كافيًا لفصل العراق العثمانيّ من تاريخ العراق اللاحق، بينما عدم التطابق هذا نفسه لا يكون سببًا كافيًا لفصل سايكس بيكو من هذا التاريخ؟[7]

جوابي الثاني لهذا الاعتراض المُتخيّل القائل بأنّه إن كان الأوروبيّون قد رسموا حدودًا اعتباطيّة على خريطة فارغة، فليس من المهم أين انتهت هذه الحدود على الأرض، فإذًا سايكس بيكو يعمل كما يعمل سان ريمو، وسان ريمو يعمل كما يعمل مؤتمر القاهرة لبرهنة هذه الفكرة – هو أنّنا يجب أن ننظر بعناية لمفهوم «الخريطة الفارغة». يُبيّنُ تيموثي ميتشل أنَّ إنتاجَ التمييز التامّ بينَ الواقعِ وَالتمثيل (representation) يُشكِّل فرضيَّةً مركزيةً في فكرِ الحداثة الغربية، تمييزٍ بينَ «الشيء وفلسفته»، بين المكان وَخارطته. ذلك أنَّ الخِطَّة وَالتخطيط وَالخارِطة تسعى جميعاً إلى «تحويل كُل شئٍ إلى مُجرَّد تَمثيلٍ لشئٍ أشدَّ واقعيَّةً من ذاته، شئٍ مُتميّزٍ ظاهِراً.. أمَّا الظاهر الحقيقيّ فيكاد يستحيل بلوغه. ما يُبلَغ هو تمثيلُ هذا الظاهر فقط». لذا فإنَّ هذا التمييز بين التمثيل والواقع هو «الوسيلة التي يتحقق عبرها انطباعنا عن ’واقعٍ’ أصليّ».[8]

يعتمد منطق سرديّة «الدولة المُصطنعة» حسب اعتقادي على هذا التمييز الجذريّ ما بين الخرائط والعالم الحقيقي، فالسردية هذه تنتقد الخرائط ولكنّها تترك العالم الحقيقي مكانه – لربما غامضًا نوعًا ما ولكن كاملًا وقائمًا بذاته، مُحدِثًا أزيزًا على طول خطٍ زمنيّ خاصٍ به غير متأثّر بالخرائط. مِن جِهة، تنسُب هذه الرواية الإرادة والنشاط التاريخي الحقيقي لِقيام الأوروبيون برسم الخطوط على الخرائط، ويُفهم ضِمنًا بالتأكيد أنّ هذا الرسم عمِل حقًا على تحويل المنطقة عن طريق «تلفيق» دُولِها الحديثة. ومن ناحية أخرى، تفترض هذه السرديّة ضمنيًا أن المشكلة في هذه العمليّة هي أنّ الخرائط كانت «فارغة»، أي أنها لم تتصّل بأي شكلٍ من الأشكال بالواقع الحينيّ في المنطقة المعنيّة. ويترتّب على هذه الحالة أنه من الممكن أن تكون هنالك خطوطٌ أفضل وأكثر واقعيّة، موجودةٌ في مكانٍ ما في ذلك الواقع المطوّق وغير الفارغ، والذي لربما لم يتمّ اكتشافه ولكنه على كلّ حال أكثر واقعيّةً بطريقةٍ أو بأخرى من الخطوط الموجودة على الخرائط التي لدينا.

رُؤىً إثنية-طائفيّة

هذا الاعتقاد بوجود غير متغيّر لخطوطٍ أفضل وأكثر واقعيّة قد يساعد على فهم ردّة الفعل الحماسيّة تجاه «اكتشاف» عام 2005 لخريطة «مفقودة منذ زمن» نراها في الأسفل رسمها توماس إدوارد لورنس (ألا وهو لورنس العرب) في عام 1918. وصرّح أحد كتّاب سيرة لورنس المُقتبسين كثيرًا بأنّ الخريطة «كان من الممكن أن توفّر على العالم الكثير من الوقت والعناء والثروة»، إذ أنّها تعطي المنطقة «نقطة بدءٍ أفضل بكثير من النحت الامبراطوريّ الفج» لسايكس وبيكو. وأوضحت الإذاعة الوطنيّة العامة الأمريكيّة ذلك أكثر قائلةً: «بالنسبة للمؤرّخين، خريطة لورنس هي تمرينٌ فيما يمكن: فهو ضَمَن دولةً منفصلة للكرد، مماثلة لما يطالب به كرد العراق اليوم. يجمع لورنس مجموعاتٍ من الناس فيما هو اليوم سوريا والأردن وأجزاء من السعودية لدولةٍ أخرى بناءً على أنماطٍ قبليّة وطُرقٍ تجاريّة»، ووافقت الـ«بي بي سي» على كون خريطة لورنس تشير لـ«حكوماتٍ منفصلة» لكلٍ من «المناطق ذات الأغلبيّة الكردية و[المناطق ذات الاغلبيّة] العربيّة في ما هو اليوم العراق…ولكنّ اقتراحاتِ لورنس لقت مُعارضةً من الإدارة البريطانيّة في بلاد الرافدين».

خريطة لورنس، 1918. المصدر:
خريطة لورنس، 1918. المصدر: “لورنس العرب: الحياة، والأسطورة”. متحف الحرب الإمبراطورية، لندن، الأرشيف الوطني البريطاني لـ2005. البي بي سي

إن أوّل نقطة تُذكَر حول ردود الفعل هذه تجاه خريطة لورنس هي – مرّةً أخرى – الفقدان الملحوظ للتطابق ما بين صورة الخريطة المتوفّرة والادّعاءات التي تُقال حولها. ولا يُوضّح لنا لم يجب أن نفهم علامتيّ الاستفهام المتوازيتين عموديًا على أنّ معناهما هو«دولة كرديّة». هذا الادّعاء عجيبٌ ليس فقط لكون لورنس يعرف كيف يتهجئ الكلمات على الأرجح، وإنّما أيضًا لأنّ الحدود العراق الشماليّة على خريطته – وهي حدود سايكس بيكو ما بين المنطقتين ألف وباء – تخترق منتصف كردستان العراق، ضامّةً السليمانيّة لداخل الدولة العراقية. هذه المنطقة الفارغة المُعلّمة بعلامتي استفهام على خريطة لورنس ليست كردستان وإنما المنطقة المحيطة بها والتي تتضمن مدينة الموصل.

من الواضح أنّ السبب وراء شعبيّة خريطة لورنس اليوم هو أنّها تبدو وكأنّها تومئ على الأقل بجهودٍ لمحاذاة حدود الدول مع الحدود الإثنيّة، ضمن دولتين – إن كانتا فِعلًا دولتين – علّمهما بمسمّى «عرب». وإن كان هذا هو المنطق، فما الشيء الذي كان بإمكان لورنس استخدامه لتعليم الموصل سوى علامتيّ استفهام؟ لورنس كان سيعلم بالطبع أنّ هذا الجزء من الموصل لم يكن متجانسًا ولم تكن هذه منطقة ذات أغلبيّة كرديّة وإنما منطقة متنوّعة بشكلٍ غير اعتياديّ، إذ يقطنها عددٌ كبير من العرب (أغلبهم سنّة، وبعضهم شيعة)، والأكراد (سنّة، يزيديّون وشيعة)، تركمان (سنّة وشيعة)، آشوريّون وكلدانيّون وأرمن ويهود من بين مجموعاتٍ اخرى. بالطبع، أيّ شخصٍ يتابع الأحداث الأخيرة ولو من بعيد من المفترض أن يحسّ بهذه التنوّع الآن ولو قليلًا.

ما يجب أن تُـعلّمنا إياه هذه الأحداث الأخيرة هو أنّ اتّباع سرديّة «الدولة المُصطنعة» لنهايتها المنطقيّة يقودنا لمكان واحد، وهذا المكان ليس السّلام في الشرق الأوسط وإنّما عنف التطهير الإثني-الطائفي. وهذا جزءٌ مما تقوم به الدولة الإسلاميّة في جهودها لتفكيك الحدود «المُصطنعة». وعوضًا عن دفع العالم نحو إعادة التفكير حول منطق سرديّة «الدولة المُصطنعة» – وأكرّر مرّة أخرى أنّه منطق التطهير الإثنو-طائفي – فإن عُنف الدولة الإسلاميّة يُعدّ كدليلٍ آخر على الصدق المزعوم لهذه السردية.

حين تكوّنت العراق بعد الحرب العالميّة الأولى، كانت فكرة أنّ الدول يجب أن تسعى نحو تجانسٍ إثنيّ فكرةً جديدة وأبعد ما تكون عن القبول العالمي.[9] بعض الدول-الأمم شُكِّلت حقًا بناءً على تنوّعاتٍ من هذا المبدأ أثناء القرن العشرين، وكثيرًا ما كان ذلك من خلال نقلٍ سكّانيّ إجباريّ ضخم وأحيانًا باستخدام طُرقٍ أكثر فتكًا. والنتائج لم تكن دولًا مُتجانسة (إذ يبدو أنّ ذلك مستحيل في كلّ مكان) بل دولًا ذات أكثريّات إثنية-طائفيّة مُهيمِنة بوضوح. وليس هنالك حاجة ملحّة للقول بأنّه مهما قيل عن هذه النتيجة، فهي لم تؤدّي غالبًا لتحسين أوضاع الأقلّيات الباقية. وفي كلّ الأحوال، فمشاريعٌ كهذه لم يعد لها شعبيّة، على الأقل ضِمن خطاب حقوق الإنسان والقوانين الإنسانية الدولية، والمصطلح الذي تطلقه الأمم المتحدة على النسخ المعتدلة (والتي تتضمن النقل السكاني) هو «التطهير العرقيّ» وأمّا النسخ الأكثر تطرّفًا فيُطلق عليها «المذبحة» (genocide). إنّ سرديّة العراق كدولة مُختلقة، في تمثّلها الغالب اليوم تستوحي من مخيّلةٍ حول تجانس إثني-طائفيّ كقاعدةٍ لاستقرار الدولة، رافضةً في الوقت ذاته التداعيات الحتميّة لهذه المخيّلة، بالخصوص في منطقة غير متجانسة كالعراق.

تشكيل الحدود العراقيّة

بالنسبة لخريطة لورنس، فأحد الأمور التي نستنتجها منها هو أنّ البريطانيين كانوا مدركين تمامًا في 1918 – عقب عامين من سايكس بيكو – أنّه لم يتم تأسيس أي حدودٍ جديدة في هذه المنطقة، وذلك رغم أنّه بحلول ذلك الوقت تمّ رسم العديد من الخطوط على العديد من الخرائط. إنّ الفاعلين السياسيين البريطانيين المنخرطين في مسائل الشرق الاوسط أحبّوا بالفعل رسم خطوطٍ على خرائط؛ وبالنسبة لبعضهم فرسم الخطوط كان تسليةً حقيقيّة، إن لم يكن هوسًا. ولكنّ الخرائط التي استخدموها لم تكن يومًا فارغة، ولو كانت فارغة لكان رسمُ الخرائط أمرًا مُملًا. لقد وضعوا أمورًا عديدة في عين الاعتبار: الجبال والصحاري والأنهار والموانئ، وحقول النفط المعروفة والمحتمل وجودها، وكثافة السكان والحدود العثمانية الموجودة، الدوليّة منها والمناطقيّة، اتفاقيات المعاهدات السابقة والعلاقات الدبلوماسية الحالية وتوازنات القوّة؛ والاستراتيجيات العسكرية، الخسائر والأرباح، بالخصوص حين نضع في عين الاعتبار الحروب النشطة حول العديد من الحدود أثناء أواخر العشرينات؛ كما وضعوا بعين الاعتبار الرغبات المحليّة المُتصورّة والمطالب والصراعات، وجنبًا إلى جنب مع كل هذه الأمور، وضعوا الطوائف الدينية والإثنيات واللغات المُتصوّرة.

بالتالي، منذ 1914 وحتى 1932 كانت هنالك العديد من خرائط العراق المختلفة والمتنافسة، رُسِمت في أوروبا – ناهيك عن تلك التي رُسِمت في العراق وتركيا وسوريا والأردن والحجاز ونجد والكويت وإيران. في ذلك الوقت، كان مفهومًا من قِبل جميع المهتمّين أنّ هذه الخرائط كانت مجرّد مقترحاتٍ ومقترحاتٍ مضادة. فقط في ديسمبر 1922، بعد توقيع أحدث معاهدة حدوديّة بين عراق ونجد، بدأت الحدود التي تُرسم في كلٍ من هذه الاماكن (وتركيا كانت استثناءً شديدًا) تبدو مشابهة للعراق الحديث. ولم يكن ذلك نتيجة نزوات موظّفٍ مدنيّ في لندن وإنما نتيجة العمليّة البطيئة والشاقّة لحلّ المزاعم المناطقيّة المتنافسة، وكثيرًا ما جرى ذلك عن طريق الحرب ودائمًا ما كان باستخدام القوّة. إنّ ضمّ مقاطعة الموصل العثمانية داخل العراق وبالتالي تعديل الحدود العراقيّة التركيّة لم يتقرّر حتى عام 1926. واتّخذ التوافق ما بين سوريا والعراق حول حدودهما الشماليّة ستّ سنواتٍ أخرى. والصراعات الحدوديّة شابت علاقات العراق مع إيران خلال الثلاثينات وما بعدها. ولم تعترف أيّ حكومة عراقيّة بأيّ حدودٍ مع الكويت حتى عام 1991 حين أُجبِرت على القيام بذلك بعد القصف الأمريكيّ. باختصار، حدود العراق تشكّلت كما تشكّلت حدود أيّ دولة-أمّة في أيّ مكان. تضمّن بناؤها الكثير من العمل والكثير من العنف، وتتطلّب إعادة بنائها الكثير من العمل والكثير من العنف أيضًا.

المصدر: جدليّة

—–

ملاحظات:

[1] David Fromkin, A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East, rev. ed. (New York: Henry Holt and Company, 2009),  9.

[2]See also James Gelvin, “Don’t Blame Sykes-Picot,” OUPBlog, February 7, 2015, http://blog.oup.com/2015/02/dont-blame-sykes-picot/.

[3]Reeva S. Simon, “The Imposition of Nationalism on a Non-Nation State: The Case of Iraq During the Interwar Period, 1921-1941,” in Rethinking Nationalism in the Arab Middle East, ed. James Jankowski and Israel Gershoni (New York: Columbia University Press, 1997), 87.

[4] على سبيل المثال أنظر Michael Williams, “Sykes-Picot Drew Lines in the Middle East’s Sand that Blood is Washing Away,” Reuters, October 24, 2014, http://blogs.reuters.com/great-debate/2014/10/24/sykes-picot-drew-lines-in-the-middle-easts-sand-that-blood-is-washing-away/.

[5]  فِعلًا، سرديّة الدولة المصطنعة لا تعتمد على نقطة أصل، لمثالٍ حديث أنظر: Guiditta Fontana, “Ethno-Religious Heterogeneity and the British Creation of Iraq in 1919-23,” Middle Eastern Studies 46, no. 1 (2010), http://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/00263200902760535.

[6]M.E. Yapp, The Making of the Modern Middle East 1792-1923 (New York: Longmann Group, 1987), 137-38.

[7]أتعامل هنا بكرم واقعًا مع خريطة سايكس بيكو. ففي الواقع، العراق (“العربي”) العثماني يبدو أقرب في مظهره للعراق الحديث من عراق سايكس بيكو، وذلك بسبب الامتداد الطويل للساحل العربي المتضمّن في الأخير، وهو لا يظهر كاملًا في خريطة 1916. (وهنالك عراق آخر في عدّةٍ من خرائط القرن التاسعة عشر العثمانيّة، ألا وهو “العراق العجمي”، أو العراق الفارسي: هذا العراق مثل العراق العربي يظهر في خرائط سايكس بيكو الاوليّة كـ”إيراك أجامي”)

[8]Timothy Mitchell, Colonising Egypt (Berkeley: University of California Press, 1991), 172-73.

[9]لأجل روايتين تاريخيّتين مختلفتين نوعًا ما عن هذا المفهوم، أنظر  Mark Mazower, No Enchanted Palace: The End of Empire and the Ideological Origins of the United Nations (Princeton: Princeton University Press, 2009); Sarah Shields, Fezzes in the River: Identity Politics and European Diplomacy in the Middle East on the Eve of World War II (Oxford: Oxford University Press, 2011).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s