منطق العنف الإسرائيلي

العنف الإسرائيلي ليس اعتباطيًا، فهو يجري وفق منطقٍ استعماريّ

viol

غريغ شوباك

قد نتفهّم لِم قد يظنّ المرء أن هدَف المذابِح التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزّة هو سفكِ الدماء فقط لا غير، فهذا تفسيرٌ معقول لقتل 1248 فلسطينيّ، 75 بالمئة منهم على الأقل مدنيّون، وإصابة 7100 آخرين.

وقد يبدو استنتاج كون ذلك سفكِ ذلك لا يحمل هدف أكثر عقلانيّة على ضوء مجزرةِ ثلاثة وستّين شخصًا في حيّ الشجاعيّة أعقاب «الاستخدام الكثيف للقصف المدفعي على عشرات المناطق المأهولة في أرجاء قطاع غزّة» والذي خلّف جُثثًا «مرميّة على الشوارع»، أو قصف ملاجئ الأمم المتّحدة المخصّصة للهاربين من العُنف. قد يميل المرء لهذا الاستنتاج أيضًا بناءً على التقارير التي خرجت من قرية «خزاعة»، وهي قرية في المناطق النائية من القطاع شهدت مجزرةً إسرائيليّة أخرى.

ولكنّ وصف هذا العنف بأنّه بلا هدف يغفل عن المنطق وراء ممارسات إسرائيل طوال «عمليّة الجرف الصامد»، وطوال تاريخ إسرائيل نفسه حقًا.

فكما يشير داريل لي: «منذ 2005، طوّرت إسرائيل تجربةً غير اعتياديّة ولربما تكون غير مسبوقة في قطاع غزّة في تاريخ الإدارة الاستعماريّة» ساعيةً إلى «عزل الفلسطينيين هناك عن العالم الخارجي، جاعلين إياهم في اتّكاليّة تامّة على المساعدات والإحسان الخارجيّ» وفي نفس الوقت تسعى هذه التجربة لـ«إعفاء إسرائيل عن أيّ مسؤوليّة تجاههم».

يُكمل داريل لي مُجادِلًا أنّ هذه الاستراتيجّية هي إحدى الطرق التي تعمل عليها إسرائيل لتحافظ على أكثريّة اليهود في المناطق الواقعة تحت سيطرتها كي تستطيع أن تحرم بقيّة السكان من المساواة في الحقوق.

قمع المقاومة الفلسطينيّة أمرٌ ضروريّ لنجاح التجربة الإسرائيليّة، ولكن هنالك لازمةُ ما، وهي التفاعلُ الدائري ما بين الاستعماريّة الإسرائيلية والعسكريّة الأمريكيّة. فكما يوضّح لنا بشير أبو منّه، هنالك علاقة بين الإمبرياليّة الأمريكيّة والسياسات الصهيونيّة، فصنّاع القرار الأمريكيّون يؤمنون بأنّ تحالفهم مع إسرائيل يساعد في سيطرةَ أمريكا على الشرق الأوسط، فلذلك تعمل الولايات المتحدة على تمكين الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي، والذي يخلق هو بدوره إطارًا لزيادة التدخلات الأمريكيّة في المنطقة والتي يمكن استخدماها لمحاولة تعميق الهيمنة الأمريكية.

يشير أبو منّة، علاوة على ذلك، بكون «الولايات المتحدة كانت ولا تزال هي من يقرّر النتائج الاقتصاديّة والسياسيّة الرئيسيّة» في المنقطة منذ 1967 على الأقل، وتلعب إسرائيل «دورًا حيويًا في تحقيق هذه القرارات. وفي إسرائيل-فلسطين، معنى ذلك هو تناوب القوّة الاستعماريّة والسلام الاستعماري كالأدوات الرئيسيّة لاتخاذ القرار». ومع كون الهدف الرئيسيّ لا يزال «أمرًا ثابتًا: سيادة اليهود في فلسطين – والاستحواذ على أكبر قدرٍ من الأرض، بأقلّ عددٍ ممكن من الفلسطينيّين».

الأمر الذي يسلّط كلٌ من داريل لي وبشير أبو منّة الضوء عليه هو سعي إسرائيل لإبقاء الفلسطينيّين في حالةٍ من العجز، إذ تسعى إسرائيل مدفوعةً بأجنداتها الاستيطانيّة الاستعماريّة وبوظيفتها كشريكٍ أمريكيّ في النظام الجيو-سياسيّ للموازنة ما بين رغبتها في زيادةِ مساحة الأراضي الواقعة تحت سيطرتها إلى أقصى حدّ ممكن وضرورة إنقاص عدد الفلسطينيّين القاطنين في هذه الأراضي التي تريد توظيفها لأهدافها الخاصة إلى أقصى حدّ ممكن.

بانَت إحدى الطرق التي تسعى إسرائيل من خلالها لتدمير أيّ رمزٍ للقوّة الفلسطينيّة أثناء «عمليّة الجرف الصامد»، إذ حينها سعى العنف الإسرائيلي لسحق أي رمزٍ للاستقلال الفلسطينيّ – ولذا دعى وزير الاقتصاد الإسرائيلي نفتالي بنت لـ«هزيمة حماس التّامة».

النتيجة هي أنّ الفلسطينيين ليسوا فقط عُرضةً للعنف الإسرائيلي المُفرِط، وإنما قدرتهم على العيش باستقلاليّة في أراضي فلسطين التاريخيّة يتمّ مهاجمتها حاليًا. فتدمير البنى التحتيّة كما في حالة الهجوم الذي حدث في الآونة الأخيرة على محطّة توليد الكهرباء الوحيدة في غزّة هو مؤشّر واحد على ذلك. والهجوم الإسرائيليّ الحالي لا يعمل فقط على إنهاء الوجود الجسديّ لأفرادٍ فلسطينيين معيّنين، وإنما هدفه هو محو الفلسطينيّين كشعبٍ ذو قدرةٍ على العيش باستقلالٍ في وطنه.

ومع أنّ أكثر التكتيكات التي توظّفها إسرائيل صراحةً في سعيها للحفاظ على صورتها الديموغرافيّة المرغوبة هو حرمان اللاجئين من حقّ العودة المحميّ قانونيًا وطبيعيًا، فإنّ خلق أوضاعٍ قاسية لا تسمح بالوجود الفلسطينيّ المستقل يساعد أيضًا – في المدى الطويل – على ضمان «أكثر قدرٍ ممكن من الأراضي، وأقل عددٍ ممكن من الفلسطينيين» لصالح إسرائيل.

والعنف الخاضع للمنطق هذا لا تتفرّدُ بِه الصهيونيّة، فهو ذو أهميّة مركزيّة للاستعمار الاستيطانيّ ونجد له مقارباتٍ تاريخية – على سبيل المثال – في «دربِ الدموع» الأمريكيّ[*]، أو في كندا في حادثة «تطهير السهول» من خلال خلق المجاعات المتعمّد للشعوب الأصليّة. «الجرف الصامد» في جوهره مشابه لتلك الأفعال.

إنّ منع الناس من توفير قوتِ يومهم بأنفسهم هي أيضًا طريقةٌ لتخريب قدرتهم على العيش باستقلاليّة، وبهذه الكيفيّة يجب أن نفهم هجوم إسرائيل على ستة وأربعين من قوارب الصيد في غزّة أو هجومهما في اليوم السادس عشر من «الجرف الصامد» على الأراضي الزراعية في شمال ومركز القطاع وفي مدينة غزّة وخان يونس ورفح، وبهذه الكيفيّة يجب أن نفهم تعطيل إسرائيل لثلثيّ مطاحن القمح في غزّة وحاجة 3000 من رعاة المواشي في غزّة لأعلاف الحيوانات (ناهيك عن قيمة حياة الحيوانات نفسها). وبهذه الكيفيّة أيضًا يجب أن نفهم التكثيف الجاري لما تصفه دكتورة هارفارد سارا روي بالتدمير وإلغاء التنمية المتعَمّدين وطويلي الأمد لاقتصاد القطاع، إذ أنّه إن لم يتم زيادة تمويل «أونروا» فقد يسبّبان مجاعةً جماعيّة.

وأن تضع الفلسطينيّين في حالةٍ لا تمكّنهم من الاعتناء بأنفسهم أو بغيرهم يعني أيضًا أن تأخذ منهم القدرة على الأداء والعمل بأنفسهم. وهذه هي التداعيات الناتجة عن النقص الشديد لـ«الأدويّة النفسانيّة للمرضى ذوي الأمراض النفسيّة والصدمات النفسية والقلق» والناتجة عن جعل مستشفى الشفا في حاجة «ملحّة» لـ«جراحيي أعصاب، وأخصائيي تخدير، وجرّاحين تجميليين وجرّاحين عامّين وأخصائيي عظام، وعشرين سريرًا لوحدة العناية المركّزة، وجهاز “C-ARM” رقمي لجراحات العظام، وثلاث طاولات عمليّات ونظام إنارة لخمس غرف عمليّات».

وهذه هي تداعيات قتل مُسعفين اثنين وجرح اثنين آخرين أثناء محاولتهم إنقاذ المصابين في الشجاعية – كما أشار تقرير «أطبّاء بلا حدود» في دعوتهم إسرائيل لـ«إيقاف قصفها للمدنيّين المحاصرين». هذه هي تداعيات الأضرار التي ألحقتها إسرائيل باثنين وعشرين مرفقٍ صحيّ، من ضمنها قصفٌ مباشر على مستشفى الأقصى وتدمير مستشفى الوفاء لإعادة التأهيل عن طريق قصفه على مدى عدّة أيام. أنتجت هذه العمليات رسالة علنيّة نُشِرت من خلال إحدى أكبر المجلّات الطبيّة المرموقة عالميًا، «ذا لانسيت»، حيث أشار اثنان وعشرون طبيبًا وعالِمًا عن كونهم قد «فزعوا من الهجوم العسكريّ على المدنيين في غزّة بذريعة معاقبة الإرهابيّين» و«المجزرة التي لا ترحم أحدًا، حتّى المعاقين والمرضى في المستشفيات».

والهجمات على المؤسسات الدينيّة، وهي ميزة لكلّ المشاريع الاستعماريّة الاستيطانية، هي طريقةٌ أخرى للتدخل في الاستقلال الفلسطينيّ؛ تمّ إلحاق أضرارٍ بثمانية وثمانين مسجدًا في غزّة، أي أنّه تمّ إلحاق الضرر بثمانية وثمانين موقعًا تتجمّع فيها المجتمعات الغزّاوية وتنخرط مع بعضها البعض اجتماعيًا.

إنّ الهجوم الإسرائيلي على الثقافة الفلسطينيّة بالإمكان فهمه أيضًا كأعمال عنفٍ ضدّ الفلسطينيين كشعب، فالثّقافات ليست ثابتة وإنما تشارك في عمليّة لا منتهية من خلق، وإلغاء، وإعادة خلق النصوص وتفسيراتها، وهي طريقة تفهم من خلالها المجموعات ما يميّزها عن غيرها وهي طريقة يفهمهم بها من لا ينتمون لهذه المجموعة.

إنّ قدرة مجموعةٍ ما على رواية قصّتها بنفسها هي عاملٌ رئيسيّ في وجودهم المستقلّ، وإعاقة قدرة الفلسطينيين على القيام بهذه الممارسة هو ما تقوم بِه إسرائيل حين تدمّر منزل عثمان حسين ومنزل الفنّان رائد عيسى وحين تقتل المصوّر التفلزيوني خالد رياض حمد في الشجاعية وحمدي شهاب، السائق الذي يعمل لوكالة «ميديا24» الإخباريّة في غزّة، وحين تهاجم الصحفيين المتحدّثين للغة العربية مِن قناة «الجزيرة» والـ«بي بي سي»، أو حين تدمّر المبنى الذي كان مقرًا لمحطّة إذاعة «صوت الوطن».

وتقويض قدرة شعبٍ ما على تعليم صغاره وتدريبهم على العمل وتعليمهم على التفكير بأسلوبٍ نقديّ هو، علاوةٌ على ذلك، طريقةٌ لتضييق الخناق على وجودهم المستقلّ، وهذه هي تداعيات إلحاق أضرارٍ بـ133 مدرسة.

وبينما تدمير المؤسسات التعليمية والثقافية يمنع المجتمع من القدرة على إعادة إنتاج نفسه رمزيًا، فقتل إسرائيل الجماعي لـ229 طفلٍ فلسطينيّ وجرح 1949 طفلٍ آخر هو أبشع الإعاقات وأكثرها حَرفيّة لقدرة الفلسطينيين على الاستمرار في وجودهم كمجموعة في فلسطين مستقبلاً. هذا هو معنى إدخال إسرائيل 194،000 طفلًا فلسطينيّ في حالة حاجة لراعية نفسية، وهذا هو معنى تقييد رعاية الحوامل والأمّهات «لما يقدّر بـ45 ألف امرأة حامل في قطاع غزّة، من ضمنهن حواليّ 5 آلاف امرأة مشرّدة».

هذا هو معنى إعاقة الحياة العائلية عن طريق تدمير منازل 3،695 عائلة أو إصابتها بأضرارٍ جسيمة وخلق أوضاعٍ تجعل من المستحيل تقريبًا ممارسة النشاطات اليوميّة التي تشكّل قوام استمراريّة الأجيال، مثل ما سبّبته إسرائيل من وضع 1.2 مليون شخصٍ في حالة حيث «لا يصلهم ماء أو خدمات تصفية أو أنها محدودة جدًا، وذلك بسبب الأضرار التي وقعت على نظام الكهرباء أو نقص الوقود لتشغيل المولّدات».

هذا ما يعنيه وصول أعداد النازحين في ملاجئ «أونروا» لعددٍ «يقترب إلى 10 بالمئة من التعداد السكّاني الكلّي لغزّة، حيث يوجد 170461 شخصٍ تقريبًا يعيشون في 82 مبنىً مدرسيّ» يفتقر «لبنى تحتيّة للصرف الصحي والنظافة في أماكن تفتقر للمساحة كافية لهذا العدد من الناس». هذا هو معنى أن تأثّر الحرب على كلّ فردٍ من سكّان غزّة الـ1.8 مليون.

على كلٍ منّا، مواطنو الحكومات التي تساعد إسرائيل على القيام بكلّ هذا، أن نجبر حكوماتنا على التوقّف، فحتى ذلك الحين، نحن جميعًا نشارك مسؤوليّة هذا العنف المنطقيّ المروّع.

المصدر: مجلة جاكوبين

ملاحظات المترجم:

[*] درب الدموع: حادثة طرد العديد من الأمم والقبائل مِن السكّان الأصليين من مسكنها التاريخيّ في ولاية ميسيسبي وموت الآلاف منهم في «دربِهم» إلى مسكنهم الجديد بسبب درجات الحرارة المتجمّدة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s