هال دريبر: حريّة الرأي والنضال السياسي

ملاحظة: حين يشير هال دريبر لـ«الشيوعيين» فهو يقصد أعضاء «الحزب الشيوعي» الأمريكي، ولذا فقد وضعت اللفظ ما بين علامتيّ تنصيص «»


-هال دريبر: كان ناشطًا اشتراكيًا أمريكيًا مهمًا في «حركة حريّة الرأي» (Free Speech Movement) وكاتب معروف حول كتابات كارل ماركس
-هال دريبر: كان ناشطًا اشتراكيًا أمريكيًا مهمًا في «حركة حريّة الرأي» (Free Speech Movement) وكاتبًا معروفًا لديه عدّة مؤلّفات منها «نظريّة كارل ماركس حول الثورة» و«الاشتراكيّة من الأسفل»

ما هي «حريّة الرأي»؟

هذه مسألة لها تاريخٌ طويل، واشتدّت في عام 1967 مع موجة المظاهرات الطلّابية ضدّ مكاتب توظيف لشركة «داو» (Dow) [الشركة التي اخترعت مادة الـ«نابالم» التي استُخدِمت في حرب فييتنام ويُعتبر استخدامها ضدّ المدنيين محرّمًا دوليًا] ووكالة الاستخبارات المركزيّة (CIA) في الجامعات، إذ قامت مظاهراتٌ مُحارِبة مناهضة للحرب بمطالبة إدارات الجامعات بمنع توفير مرافق الجامعات الخاصة لمكاتب توظيف شركة «داو»، فكان جواب إدارات الجامعات كالتّالي: إن هذا سيكون مخالِفًا لحقهم في حريّة التعبير، ويجب معاملتهم بنفس الحقوق التي تطالبون بها أنتم أنفسكم في تحريضكم المناهض للحرب.

وفي وجه هذا الخطاب، انشقّ ذوو التوجهات اليساريّة على ثلاثة اتّجاهاتٍ مختلفة:

  • كثيرٌ من الليبراليين والديموقراطيّون الاجتماعيّون (social democrats) وقعوا على وجوههم قُبال مناورة إدارة الجامعة، إذ ردّدوا صدى رأي الجامعة بأنّ المظاهرات تعدّت على حقّ مكاتب توظيف شركة «داو» للتعبير عن رأيها بحريّة، ولذلك فالمظاهرات أمرٌ سيء.
  • اتّفق العديد من الراديكاليين والطلّاب المكافحين مع ادّعاء الجامعة (أي أنّ المظاهرات تعدّت على حقّ شركة «داو» في التعبير عن الرأي)، ولكنّهم استنتجوا أن التعدي على حقّ الشركة أمرٌ جيّد، وذلك بحكم أنّ هذا الاعتداء حاصل لهدفٍ نبيل.
  • الاتّجاه الثالث نفى أنّ حق التعبير عن الرأي ينطبق على حالة «داو»، واتّخذ موقفًا متمسّكًا بمبدئ الحقّ في حريّة التعبير ودافعوا بحماسة عن المظاهرات المناهضة لشركة «داو».

إن التوجه الثاني هو التطوّر المقلق في هذا الوضع، فليس من المفاجئ أن نرى الليبراليين والديموقراطيين الاجتماعيين الذين جادلوا ضدّ أي حراكٍ مُحارِب مناهِض للحرب ووصموه بالشؤم، أن يقوموا هم أنفسهم بإنتاج حجج تحاول أن تثبت كون المظاهرات المناهضة لشركة «داو» من عمل الشيطان. ولكنّ الأمر مختلف حين يقوم أناسٌ يربطون أنفسهم بالنضالات المختلفة لأجل «حريّة التعبير» في أرجاء البلد بدعم حججٍ ترمي – فعليًا – حقّ التعبير عن الرأي بأكملِه في القمامة. وهذه كانت هي نتيجة الموقف رقم إثنين. مهما كانت صياغة هذا الموقف، فهو يتلخّص في افتراض «هرميّة القيَم»: وفي هرم المبادئ، حريّة التعبير ليست إلا درجةً واحدة، إما إيقاف همجيّة الحرب فهي قيمةٌ أسمى، فلذلك يجب على حريّة الرأي أن تفسح الطريق أمام هذه القيمة العليا.

القضاء على حريّة الرأي

إنّ المنطق هذا لا يقضي على حقّ حريّة التعبير في حالات معيّنة فحسب، وإنما هو يقضي على حريّة الرأي بأكملها، فهو يختزلها في أمرٍ تتسامحُ معه إن لم تكن هنالك «قيمة أسمى» تلغيه في تلك اللحظة. علاوة على ذلك، فإنّ هذا المنطق يعمل عن طريق تقديمه للحاجة لقرارٍ مخصّص في كل حالة حول «هرميّة القيَم» المعطاة على تقديم قاضيٍ يتّخذ هذا القرار – طبيعيًا – بما يناسب قيمَهُ الذاتيّة. ليس هنالك أيّ طاغيّة أو مستبدّ لا يقبل بمثل هذه النظريّة حول «حريّة الرأي» بحماسة ويعدل بها أيضًا. فالدكتاتوريّون عادةً ما يقمعون فقط ممارسات «حريّة الرأي» التي تخالف واقعًا «القيَمَ العليا» التي يؤمنون بها.

هذا النوع من الانقسامات الثلاثيّة ليس جديدًا: يمكن رؤية أمثاله في الدوائر الراديكاليّة لعددٍ من مئات السنين، قبل فترة طويلة من يومِ اخترعت «داو» مادة الـ«نابالم». فضمن حركات المعارضة الاجتماعية، دائمًا ما تواجد جناحٌ قويّ أو مهيمن من الإصلاحيين أو المصلحين من جهة، وفي الجهة المقابلة نرى أيضًا موجاتٍ نخبويّة أو دكتاتوريّة من الراديكالية أو «الثورجيّة»، تعادي الديموقراطيّة علنًا، بعضها أكثر من الآخر، مما يعكس طموحات المثقّفين النافرين عن المجتمع نحو تحقيق «ديكتاتوريّة الطبقة المثقفة» التي تسمح لهم بفرض «هرم قيمهم» على المجتمع الذي احتقروه. وكلٌ من هؤلاء كانوا مختلفين كثيرًا عن الموجة الثالثة التي تسعى لإنشاء اشتراكيّة ثوريّة من الأسفل للأعلى.

حقًا إذًا، أنّ الراديكاليين والاشتراكيين (إن جمعناهم بكلّ أنواعهم) لم يتوحّدوا أبدًا في دعم المناصرة المتماسكة لحريّة الرأي، وليس من الغريب أنّ هذا الوضع تكرّر في بيئة «اليسار الجديد» الحديثة، حيث أعيد اختراع كثيرٍ من أقدم الأفكار الراديكاليّة وأطولها عمرًا.

أين تُطبّق حريّة الرأي؟

دعنا نحاول أن نكتشف طريقنا أثناء الإجابة على هذا السؤال.

دعنا نبدأ من الاعتبار الذي يقرّ بِه بالتأكيد أي شخص من أي وجهة نظر: إن حريّة الرأي تتعلق في نوعٍ من الأوضاع الاجتماعية حيث الحق في حريّة التعبير معنيّ، ليس ما إذا كان صالحًا للتطبيق أم غير صالح، وإنما فقط ما إذا كان معنيًا بالأمر أم لا. إن مسألة حريّة التعبير تنتعش في سياق النضالات الاجتماعية وفقط حمقى القانون بإمكانهم الاعتقاد بأنّ كلّ النضالات الاجتماعيّة بالإمكان حلّها عن طريق أي نوعٍ من التعبير، سواءً أكان حرًا أم غير ذلك. وفي التحليل الأخير، فالنضالات الاجتماعيّة الأساسيّة لا يتمّ تحديدها بقوانين الحكومة أو في المحاكم، بل في الصراع على السلطة.

والمثال الواضح هنا هو حالة الثورة، والتي تستلزم صراعًا مفتوحًا على سلطة الدولة. فإعلان الاستقلال الأمريكي لم يكن ممارسةً للحقّ في حريّة التعبير، وإنما كان إعلانًا لنيّةٍ في الدخول في صراعٍ على السطلة والذي أجهض مستبِقًا أيّ حقلٍ من أعراف السلم الأهلي (من ضمنها حريّة التعبير). ولم يمثّل ذلك مناشدةً لحريّة التعبير (مثل الأعراف الديموقراطيّة، والإقناع…إلخ) وإنما للقوّة كفيصلٍ في النزاع. وأتت الثورة الروسيّة والثورة الألمانيّة وكلّ ثورةٍ أخرى على نفس المنوال. لا يجب عليك أن تدّعي أن «حقّك في التعبير عن الرأي» هو ما يسمح لك بحشدِ «المليشيا الحمراء» متجها للاستحواذ على البيض الأبيض، فحينئذٍ سيموت الجنود من الضحك.

لا يعني ذلك أنّ المسألة الديموقراطيّة ليست معنيّة بالنضال الثوريّ أو أي صراعٍ آخر على السلطة، فالديموقراطيّة مفهومٌ أوسع من حريّة الرأي، و«حقّك في القيام بثورة» – هذا الحقّ الأخلاقيّ أو السياسيّ أو مهما كان اعتبارك له – لا يزال يتطلّب تبريرًا ودفاعٍ من ناحية الأحكام الديموقراطيّة. ولكنّ هذا الإطار أكبر بكثير من مسألة «حريّة الرأي». إضافةً على ذلك، فإن ذلك لا يعني أنه منذ أن يتحولّ الوضع لصراع على السلطة، لا تعود مسألة حريّة الرأي موجودةً في صفوفِك، في داخل معسكرِك. إنها متواجدة بالتأكيد. ولكنّ مسألة حريّة الرأي لا تعود مسألة حين يكون الأمر بين جهتين خرجتها خارج إطار السلم الأهلي.

والثورة هنا هي فقط الحالة الواضحة من هذا النوع حيث يمكن للمرء أن يقرّر مغادرة أرضيّة تجاه أرضيّة أخرى: أي، مغادرة أرضية «حريّة التعبير» والاتجاه نحو أرضيّة الصراع المفتوح على السلطة. والحرب – بالطبع – هي حالة أخرى واضحة، إذ أنّ الثورات هي واقعًا في نهاية المطاف حروبٌ أهليّة. فالفرنسيّون الذين اختاروا مساعدة جهة «الحلفاء» في الحرب العالمية الثانية عِوضًا عن حكومة فيشي القانونية لم يتّخذوا قرارًا له صِلة بـ«حريّة الرأي»، هم اختاروا دعم أحد أطراف الحرب فحسب. وفي الحرب الباردة – كذلك – إن كنت تريد أن تعطي أسرارًا عسكريّة أمريكيّة أو بريطانيّة للرّوس، فإن ذلك ليس له أي صِلة بأي «حقوق»، وإنما هو متعلّق فقط بالاصطفاف مع طرفٍ في هذا الصراع على السلطة.

حتى في الأوضاع الأكثر «عاديةً»، فهنالك أوضاع مؤقتّة وعادة ما تكون محليّة حيث تقرّر مجموعة من الناس أن تغادر أرضيّة التقاليد الأهليّة كحريّة التعبير متجهين نحو الأرضيّة الأخرى؛ وبطبيعة الحال فعليهم مواجهة العواقب. إن النضالات الإضرابيّة دائمًا ما تكون – بدرجةٍ كبيرة أو صغيرة – صراعًا على القوّة الاجتماعيّة المجرّدة، حتى حين تكون هنالك أشكالٌ قانونيّة تُبتدع لتسليك وتخفيف الصراع على القوّة. هذا العامل في الإضرابات بإمكانه إنتاج أوضاعٍ مشابهة جدًا للحرب الأهليّة. مرة أخرى يجب أن نشير لكون ذلك لا يعني أن الاعتبارات الديموقراطيّة أصبحت خارج الموضوع أبدًا. دائمًا ما تكون هنالك مسألة من يسعى لفرض السلطة على من، ولأيّ غاياتٍ اجتماعيّة.

هنالك مواضع أخرى تقع خارج أرضيّة حريّة التعبير. كالأوضاع التي تدخل ضمن إطار حريّاتٍ اجتماعيّة تحرّمها السلطات، كما هو حال الزنوج في الجنوب وأحياء الأقليات الشماليّة، أو من قِبل نوّاب الشريف في مدينة ديلانو، حيث تمّ إخراج ممارسة الضغط المباشر خارج نطاق أيّ تعبير. إن تمرّدت وحدة في الجيش، فالمسألة ليست مسألة حريّة رأي، ومظاهرات العصيان المدني ليست مسألة حريّة رأي أيضًا: فالوظيفة الديموقراطيّة والتبرير للعصيان المدني يستند على أرضيّة أخرى، تمّ شرحها كثيرًا.

في كلّ هذه الحالات، ليست المسألة أبدًا مسألة تحديد ما إذا كان الحق في حريّة التعبير يتمّ «إلغاؤه» من قِبل «قيمة عليا» ما، أو مسألة صفّ قائمة من القيم في «هرم القيَم»، وإنما هي مسألة الانتقال من أرضيّةٍ معيّنة لأرضيّةٍ أخرى، من أرضيّة عادات السلم الأهلي لأرضيّة الصراع المفتوح على السلطة. ودائمًا ما تواجه بالتأكيد الحاجة لتبرير قرارك للانتقال من أرضيّةٍ لأخرى. فبإمكانك أن تقرّر ذلك مُحقًّا أم مُخطئًا، ديموقراطيًا أم لا، وهذا القرار بالإمكان الحكم عليه بأنه حكيم أم غير حكيم، ولكنّ كلّ ما نهتمّ له هنا هو أنّ هذه الأوضاع تقع خارج مسألة حريّة الرأي.

إنّ موضوعنا هذا، حريّة الرأي، هو مسألة تقع في الأرضيّة الأولى، حين يكون هنالك صراعٌ ما بين الآراء، ضمن إطار علاقات القوّة الموجودة، بناءً على الدولة الموجودة. فيما يتعلّق بصراع آراءٍ كهذا، ما هو مطلبك أو مقترحك تجاه السلطة الحكوميّة؟

«دولةُ مَن؟»

عند هذه المرحلة من التحليل، قد يقول لنا بعض الراديكاليين «الراقين» الذين سمعوا عن أنواعٍ مختلفة من الدول: «تريّث قليلًا! عن أي دولةٍ تتحدّث؟ دولتنا أم دولتهم؟» وإن كان المُعترِض هذا نفسه ماركسيًا، فسيقول: «هل تتحدث عن الدولة البورجوازية أم الدولة الاشتراكيّة؟» أو ما يعادلها في مصطلحات اليسار الجديد.

هنالك رأي واقعًا – يُعتقد به صراحةً أو ضمنيًا – يأتي على النحو التالي: طالما نحن (الأخيار) لسنا في السلطة، يجب أن نطالب بحريّة الرأي وأمثالها من الحريّات، فنحن نستحقّها، لأننا على حق. ولكن انتظر حتى نمسك نحن بالسلطة: لن نكون حمقى بحيث نسمح لك – وأنت مخطئ – بأن تخلق مشاكلًا وتفسد الشعب.

وهذا الرأي ليس ساخرًا، فقد طبَعَهُ «هيربرت ماركوزه» (وإن لم يقبل بِه أيّ شخصٍ عاقِل). لقد سمعت هذا الرأي بدون أن أبحث طويلًا لدى شباب راغبين في أن يكونوا راديكاليين: وبالطبع، ليس هنالك شخصٌ ليس بساذج لا يعلم بأن هذا هو البرنامج غير المكتوب لأيٍ من الأحزاب الشيوعيّة.

هذا الرأي مناسبٌ جدًا للطبقة المثقفة التي تطمح لتكون هي نفسها الطبقة الحاكمة الدكتاتورية الجديدة، ولكنّ هذا الرأي بعيدٌ عن الماركسيّة الثوريّة. خذ هذا الافتراض: لا يمكن أن يكون هنالك أي تناقض، أو فارِق كبير في المبادئ بين ما نطالب به من هذه الدولة الموجودة، وما نقترحه لأجل المجتمع الذي نريد أن نستبدل هذه الدولة بِه، مجتمعًا حُرًا.

إنّ الأوضاع – بطبيعة الحال – تغيّر الحالات، ولكنّ بحكم أنّ هذا التعميم ينطبق على الجهتين، فهو ينلغي ولا يؤثر على هذا الافتراض. بإمكانك أن تفكّر فيه بصورةٍ مشروعة من وجهة نظر أخلاقية، أي كواجبٍ أخلاقي، ولكنّي هنا لست مهتمًا بالوعظ الأخلاقيّ وإنما بالتحليل السياسي. لم هذا الافتراض؟

أولًا: إنّ ما نطالب بِه من هذه الدولة يشكّل فِعلًا برنامجنا الحقيقيّ. ثانيًا، إنّ الحركة التي نبنيها الآن على أساسٍ معيّن، هي – لا النوايا الحسنة – ما ستحدّد مجتمعنا الجديد. بإمكان الشخص طبعًا أن يبني حركةً على أساس من الديماغوجيّة الاجتماعيّة، والنفاق على مستوىً ضخم، وإخفاء النوايا الحقيقية كما فعل الفاشيّون، وكما فعل الستالينيّون، ولكنّ مثل هذه الحركة لا تتناسب إلّا مع إرساء طغيانٍ جديد. ليست هنالك حركة تسري على هذا المنوال وتسعى حقًا لتحرير المجتمع.

من مبتذل القول أنّ نشير لكون الحقّ في حريّة التعبير يعني دائمًا حرية التعبير للشخص الذي يختلف معك، من ضمنها حريّة التعبير للآراء التي تمقتها. وإلا فأنت لا تتحدث عن حقٍ وإنما تتحدث عمّا أنت على استعدادٍ للتسامح معه، عمّا أنت على استعدادٍ لمنحِه. نحن هنا مهتمّون بالحقوق السياسيّة: وإلا فنحن لسنا نتحدّث عن حريّة الرأي البتّة. وبشأن هذا الارتباط بإمكاننا استخدام بعض الخلفيات التاريخية الحول هذه المسألة.

«هرمية القِيَم»

كما ذُكِر آنفًا، فهذه المسألة ليست بجديدة. ونظريّة «هرميّة القيم» ليست نظريّة جديدة، فقد لعبت لتوّها دورًا كبيرًا في هذه الدولة في اليوم الذي سبق الأمس، أي في عصر «مكارثيّة» الخمسينات. من المعروف كيف انهار الليبراليّون والديموقراطيّون الاجتماعيّون بشكلٍ مخزٍ أمام هجوم المكارثيّة، ولكنّ ما يقلّ فهمه هو أنّ هذا الانهيار لم يكن محض نتيجة لصفاتهم الشخصيّة البائسة (على سبيل المثال، فقدانُهم لأيّ قدرٍ من الشجاعة[1]). كانت هنالك أيديولوجيا حول الحقوق الديموقراطية مرتبطة مع توجّهٍ معيّن من التبرير، ولم تكن – واقعًا – أكثر من هذه «الفكرة الجديدة جدًا» حول «هرميّة القِيَم». شرَحَ سيدني هوك، وهو أحد المنظّرين الأساسيين للاستسلام للمكارثيّة، مُفصِلًا (ومؤمنًا حقًا بما قال) أنّه يقف مع حريّة التعبير بحماسة، ولكنّه لا يقف مع كلّ ممارسة لحريّة التعبير حين تكون «الحريّة» نفسها في خطر إثرَ إعطاء حريّة التعبير للجميع بدون تمييز. عنى ذلك أنّ «الشيوعيين» الذين سعوا حسب فرض سيدني هوك لتوظيف حريّة التعبير والحقوق الديموقراطيّة بغرض تدمير الحريّة والديموقراطيّة بذاتهما، لا يمكن أن يُسمح لهم بأن يمارسوا هذه الحقوق الديموقراطيّة. ولذلك، فبالإمكان حرمان «الشيوعيين» من حريّة الرأي والحقوق المدنيّة بدون تفنيد «القيمة العليا» التي هي «الحريّة» ذاتها. وهذا هو أساس الدفاع الليبراليّ عن نظام مطاردة واضطهاد المعارضين هذا. [witch hunt system]

هذه المنظومة الفكريّة لا تصبح أفضل مثقال ذرّة حين تكون «القيمة العليا» المعنيّة أمرٌ مختلف عن «الديموقراطيّة ذاتها» أو أي صياغة محدّدة أخرى، وليست أفضل مثقال ذرّة لو كانت «القيمة العليا» المعنية هي معارضة حرب فيتنام. أمّا منهجيّة مطاردي ومضطهدي المعارضين فيمكن محاربتها بنجاح فقط إذا لم يكن الجدل حول ما إذا كانت «قيمُك» هذه «أرقى» من قيمي، بل حول المنهج ذاته الذي يجب أن يرفض من جذوره.

«لا حريّة رأي للفاشيين»

ولكن قبل العودة للحديث عن المنهج نفسه، دعنا نظهر الصورة كاملةً عن طريق عرض نسخة أخرى من نفس المشكلة. بالنسبة لليبراليين الذين انهاروا قُبال المكارثية، فقد برّروا أنفسهم باستخدام حيلةٍ كان لها تواجد قويّ أيضًا ما بين الراديكاليين. هذه المسألة هي مسألة «الحقوق المدنيّة للفاشيين»، وإن لم تكن هذه المسألة مُلحّةً في الخمسينات! ولكن هذه المسألة كان لها انتشار في الأربعينات والثلاثينات، وذلك فقد كان لها دورٌ كنموذج منهجيّ.

أغلب أفكار الراديكاليين تجاه هذه المسألة تمّت قولبتها من خلال صورة ما حصل في جمهوريّة فايمار الألمانيّة، وكانت فِكرتهم كالتالي: «أنظر، لقد سمحت ألمانيا الفايمارية للنازيّين بأن يتمتّعوا بحريّة التعبير والحقوق الديموقراطيّة وانظر ما حدث! الدرس هو أنّ أي ديموقراطيّة فحلة يجب أن تقمع الشموليين قبل أن يشكّلوا تهديدًا واضحًا واقعًا، ليس قبل فوات الأوان».

وظّف الليبراليّون الجبناء هذه العقليّة وهذا النموذج التاريخي بحريّة، مستهدفين «التهديد الشيوعيّ»، واضطهاد المعارضين أثناء الحرب الباردة تمّ تعميقه منذ أواخر الأربعينات حتى منتصف الخمسينات، ولم يكن كلّ ذلك من اختراع جو مكارثي، وإنما المكارثيّة وظّفت هذه العقليّة فحسب.

تمرين سياسي

هنا لدينا تمرين سياسي للقرّاء حول هذه المسألة ذاتها:

في عام 1949، حين تعمّق مناخ ملاحقة المعارضين تحت الرئيس ترومان، تلقّت المحكمة العليا قضيّة «تيرمينييلو»، وهو رجل ألقى خطابًا في شيكاغو أثار غيظ جزءٍ معتبر من الجمهور بسبب آرائه غير الشعبيّة. ثار غضب الناس لدرجة أنّ الخطاب تبِعه فوضى، وكانت حصيلة ذلك أن تم اعتقال المتحدّث لمساهمته في الوضع (عن طريق عدم شعبيّة آرائه). باختصار، تمّ اعتقاله لأن آراءه كانت غير شعبيّة لدرجة أن المستمعين لجأوا للعنف.

كان قرار المحكمة العليا – كما كتبه القاضي ويليام أو. دوغلاس – بدعم حقّه في التعبير عن رأيه. نصّ رأي دوغلاس على أنّ «وظيفة حريّة الرأي تحت نظام حكومتنا هو الدعوة للخلاف، وأن حريّة الرأي تخدم هدفها السامي فعلًا حين تحدث اضطرابًا، وتخلق استياءً على الأوضاع كما هي، أو حتى تثير غضب الناس…»

هُزِمت القضية ضدّ «تيرمينييلو» بسبب مخالفتها لقاعدة «التهديد الواضح والحاضر». هل كان ذلك أمرًا جيدًا أم سيئًا؟

يجب أن نضيف أنّ تيرمينييلو هذا كان فاشيًا (أحد أتباع «جيرالد إل. كي. سميث»)، والآراء غير الشعبية التي عبّر عنها في خطابه كانت آراءً معاديّة للساميّة. هل كان قرار المحكمة العليا جيدًا أم سيئًا؟

لو كان يجب رمي تيرمينييلو في السجن بسبب مقولاته الازدرائية التي قالها عن اليهود، ماذا سيعني ذلك لحقّ أناسٍ آخرين، في أوضاعٍ أخرى أن يعبّروا عن آراءٍ ازدرائية تجاه أناسٍ أو أشياء أخرى؟ هل كان من حقّ الشيوعيين» أن يلقوا خطاباتٍ فيها آراءٌ بغيضة بقدر آراء تيرمينييلو، على سبيل المثال دفاعًا عن معسكرات الاعتقال؟

الواقع هو أنّ القرار الذي اتُخِذ في قضيّة «تيرمينييلو» كان ضربة ضدّ ملاحقة المعارضين واضطهادهم، وهذا الدور لا يجب إنكاره بسبب بُغض شخصيّة الفرد المعنيّ، مثلما لا يجب إنكار الطبيعة المؤيدة للحريات المدينة لبعض القرارات الحديثة المحكمة العليا حول حقوق المجرمين والقيود على الشرطة بسبب كون بعض القضايا الفرديّة تتعلق بمجرمين لا يستحقّون تعاطفنا. وحقيقةٌ أخرى هو أنه لم يكن ولا يمكن أن نفرّق – فيما يتعلّق بمبدأ الحريّات المدنيّة – بين قضايا «الحريات المدنيّة للفاشيين» و«الحريّات المدنيّة للشيوعيين».

خمسة مفاهيم

هنا خمسة مفاهيم متعلّقة بهذه المسألة تحتاج للتوكيد:

أولًا: دعنا نأخذ المقاربة التاريخية المذكورة أعلاه حول النازيين في ألمانية الفايمارية، فهي بأكملها خاطئة. الحقيقة هي ببساطة أنّ التصرّفات المخزية التي جرت في محاكم ألمانيا الفايماريّة لم تتمحور حول قضايا «حريّة الرأي للنازيين»، فالقضاة في هذه الجمهوريّة شديدة الديموقراطية سمحوا لبلطجيّة النازيين بأن يفلتوا بدون عقاب حتى في الحالات التي قُبِض عليهم فيها متلبّسين بجرائم قتل واعتداء وضرب يهودٍ وراديكاليين وتكسير مقرّات الاتحادات العماليّة وغيرها من الأفعال المشابهة. نتحدّث هنا عن أفعال، لا أقوال. فلو اكتفت الحركة النازيّة بالخطاب (ما فيه الخطاب النازيّة)، لما تحوّلت يومًا للخطرَ الذي شكّلته. فلم تكن هنالك حاجة للحدّ حريّات الرأي بملّيمترٍ واحد للحصول على تبريراتٍ كافية لاعتقال القيادات النازية جمعاء قبل سنوات عدّة من تحول الحركة لخطرٍ واضح وحاضر. ولم تكن تلك حقيقةً عَرَضية للحركة النازيّة وإنما هي متأصّلة فيها: فهذه الحركة لم تعتمد يومًا على الإقناع والتعليم للحصول على القوّة. فهذا الادّعاء حول كون «التاريخ يعلّمنا» أن الفاشيين يجب زجّهم في السجن وقتما عبّروا عن أيّ رأي يمكن اعتباره بأنه فاشيّ هو ادّعاءٌ زائف. إنّ زيفه واقعًا يناظرُ زِيفَ ادّعاء الداعين لملاحقة المعارضين حول كون التعبير عن آراءٍ شيوعيّة يجب أن يواجَه ببطشِ الشرطة وإلّا فـ«الديموقراطيّة ذاتها» ستكون في خطر.

الفعل ليس مثل القول، هذا هو الفيصل. في أمريكا في أيامن على سبيل المثال، يقف الاشتراكيّون مع قوانين تجرّم الأعمال العنصريّة، فلو ميّز مالك عقارٍ في عمليّات التأجير أو البيع ضدّ ذوي البشرة السوداء أو السمراء أو الصفراء أو ضدّ البِيض المُلتحين، فالديموقراطيّة الحقيقيّة ستواجِهه بقوى القانون والنظام؛ ولكنّ ذلك ليس له علاقة بتجريم حقّه في التعبير عن أي رأيٍ أحمق أو رجعيّ عن أي فئة. (ولن أرغب أيضًا بأن يُقيّد حقّي في التعبير عن رأيي بشأن الأمريكيين البيض الجنوبيين (rednecks)، وقاطنو المدن الليبراليون، والسياسيّو الحزب الديموقراطي ورجال الأعمال الزنوج من الطبقة الوسطة، وأصحاب المحال التجاريّة اليهود في مدينة هارليم، وطيفٍ أوسع من الفئات الاجتماعيّة).

ثانيًا: من ضمن كلّ الأسلحة التشريعّية التي لا يجب أن نأتمن جهاز دولةٍ لا نمتلكه عليها، الأسوأ هو الحقّ في أن يكون هذا الجهاز انتقائيًا بشأن الحقوق الديموقراطيّة. لأن الدولة ستجعل منه سلاحًا ذو حدّين؛ والحدّ الحادّ القاطع سيكون على المدى الطويل موجّهًا ضدّ الشعب، لا ضدّ الفاشيين، إن لم يكن ذلك على المدى القصير أيضًا.

بالخصوص إذا وحين تكون الدولة دولةً بورجوازيّة، لا يمكن أبدًا أن نوفّر لها تصديقًا على ترك أرضيّة حريّة الرأي؛ وفي حال كانت الدولة حقًا دولةً اشتراكيّة، فلا يجب أن نقوم بذلك أيضًا. ولكن المقترحات العملية التي نسمعها تتعلّق بالدولة البورجوازيّة، بالتأكيد. وبالخصوص في مثل هذه الحالات يجب أن نشدّد: نحن لا نثق بهذه الدولة. لا نثق بها عمومًا، وفوق كلّ شيء، لا يجب أن نأتمنها على حمل سلاحٍ كهذا.

ثالثًا: مع استمرارنا لاستخدام العبارة المعتادة «الحقوق المدنيّة للفاشيين» و«الحقوق المدنيّة للشيوعيين»، فالصيغة هذه غير دقيقة. أنا لست مهتمًا لا بالحقوق المدنيّة للفاشيين أو «الشيوعيين»، فأنا لست مهتمًا بحقوقهم المدنيّة، وذلك لحقيقة أنهم يريدون حريّة الرأي فقط كي يساعدهم ذلك على فرض نظامٍ يكمّم أفواهنا. لو كانت هذه حقًا هي القضيّة، فلن يكون هنالك خلافٌ عليها، ولكنّ القضية ليست حول ذلك؛ فقضيّة الحقوق المدنيّة للفاشيين و«الشيوعيين» لا تنفصل عن قضيّة الحقوق المدنيّة لكلّ شخصٍ آخر. إنها مسألة عدم السماح لدولةٍ لا نثق بها بأن تتعامل مع هذه المسألة بتمييز.

اكتشف «الحزب الشيوعيّ» [وهو ستاليني] ذلك بطريقةٍ عكسيّة بشكلٍ ما، حين حثّ الحكومة الأمريكية بحماسَة على توظيف «قانون سميث» الرجعي [الذي جرّم الدعوة لإسقاط الحكومة الأمريكيّة] لسجنِ التروتسكيّين، وأشاد بملاحقتهم في فترة الحرب كنصرٍ للتقدميّة؛ لم يمرّ وقتٌ طويل حتى احتجّ «الشيوعيّون» بشدّة حين قامت الحكومة الناكرة للجميل باستخدام «انتصار التقدّمية» هذا لزجّهم هم أنفسهم في السجون، بتوظيف ذلك القانون نفسه. لو كانت السياسة مجرّد مسألة أخلاقيّاتٍ أو مشاعر، لقلنا أن بلطجيّة «الشيوعيين» الذي سُجنوا بعد أن أيّدوا سجنَ التروتسكيين يستحقّون ما جرى لهم. ولكن ليس هنالك سببٌ يُوقِع أي ثوريٍ حقيقيّ في جحر الأفعى هذا. قام «الاشتراكيّون المُستقلّون» بحملة ضدّ محاكمة «الحزب الشيوعي» بناءً على «قانون سميث»، ليس في سبيل إنقاذ «الحزب الشيوعيّ»، وإنما في سبيل الحفاظ على حقوق المعارضة الراديكاليّة في أمريكا.

رابعًا: ليس بإمكاننا الاعتماد على هذه الدولة في الدفاع عنا في وجه الديماغوجيين الفاشيين الطموحين. أليس من قمّة الحماقة أن نسحق بُنية الحقوق المدنيّة التي نمتلكها، كي نشجّع وهمًا كهذا؟ ولكن هذا هو ما يُفعل بالضبط حين يُطلب من الدولة أن تفنّد معاييرها الذاتية لحريّة الرأي عن طريق حرمان أي شخص منها.

المثال الذي أبهرني بهذا الشأن حدث أن تعلّق هو أيضًا بـ«جيرالد إل. كي. سميث» الذي ألهمَ «تيرمينييلو». في عام 1945، قرّر الفاشيّ سميث أن يجتاح مدينة لوس أنجلوس بحملة لبناء حركته وبدأ بإلقاء خُطب، ولكوني مُنظمًا لحركة «الاشتراكيّون المستقلّون» هناك، حاولت أن أشكّل جبهةً متّحدة من المنظّمات الراديكاليّة (وغيرها) لتنظيم خطّ اعتصام حاشد ضدّ سميث (لمنعه من إلقاء خُطبِه)، فلم يتعاون أيٌ منهم، لا معنا ولا لتشكيل خط اعتصامٍ منفصل؛ لا «الحزب الشيوعي»، ولا حزب «العمّال الاشتراكيّون»، ولا أي جماعة أخرى. (وكانت مسوّغاتهم هي نفس المسوّغات الكلاسيكيّة: لا تعطِ جيرالد سميث أيّ اهتمام، وسيرحل). ولذلك، فخطوط الاعتصام الأولى ضدّ حملة جيرالد سميث نظّمناها نحن لوحدنا. وفي ذلك الوقت، ظهرت مشكلة أخرى؛ أراد سميث أن يعقد اجتماعًا في مدرسة، فقام أولئك أنفسهم الذين رفضوا المشاركة في تنظيم نشاطاتٍ ضدّ سميث بالذهاب لـ«مجلس التعليم» مطالبين برفض توفير مرافق المدرسة له. ولم يكن بالإمكان القيام بذلك إلا بالاعتماد على نفس القوانين التي اختُرِعت مبدئيًا لحرمان الاشتراكيين والراديكاليين من استخدام المدارس!

كان هذا موقفنا المعارض: لقد كنّا نحن الوحيدين الذين شرعنا وأطلقنا حراكًا جماهيريًا مُكافِحًا ضدّ اجتماعات جيرالد سميث، ولكننا رفضنا مطالبة الحكومة بالتخلّص مما تبقّى من مرافق حريّة الرأي بغرض التغلب عليه. نحن ننظّم أعمالًا جماهيريّة، ولكنّنا نرفض وضع هذا السلاح ذو الحدّين في يدّ الحكومة، بمباركتنا.

خامِسًا: في هذه القضيّة بأكملها، هنالك فارقٌ جوهريّ بين الرجعيين والطبقات الحاكمة مِن جهة، ومن جهةٍ أخرى، نحن، من نقاتل لأجل ديموقراطيّة اشتراكيّة.

هدفنا بطبعِة يتطلّب تعبئة الجماهير الواعية، فبدون هذه الجماهير الواعية، هدفنا مستحيل، ولذلك فنحن نحتاج أقصى قدرٍ من الديموقراطيّة. هدفُهم يتطلّب تقييد وتخدير كلّ ما يماثل مشاركة جماهيريّة من الأسفل، ولذلك فهم دائمًا ما يطمحون لنفي أو إضعاف أو إلغاء القوى الديموقراطية من الأسفل.

نحن إذًا، بسبب طبيعة أهدافنا، ليس لدينا أي خوفٍ من إطلاق العنان غير المحدود للمبادرات والاندفاعات الديموقراطية. هم – على العكس من ذلك – دائمًا ما يكونون حذرين منها، حتى حين يسعون للتلاعب بها.

حين أتحدّث عن «هم»، فلست أقصد النخب الحاكمة الحالية فحسب، وإنما النُخب المختلفة الطامعة بالسلطة، مثل النُخب المثقفة أو البيروقراطيّة التي تسعى لتكون هي فئة «الطغاة الأخيار» عِوضًا عن الرأسماليين.

قضية شركة «داو» للكيماويات

[ينتقل هال دريبر هنا لنقض أفكار الليبراليين حول كون التظاهر ضدّ شركة «داو» ينفي حقّها للتعبير عن آرائها]

نعود الآن لقضيّة المظاهرات المناهضة لشركة «داو». هل كان من الضروري التخلّص من الحق في حريّة الرأي بغرض الدفاع عن المظاهرات المناهضة لشركة «داو»؟ أعتقد أن هذا الادّعاء مجرّد هراء، والقضيّة المرفوعة ضدّ هذا الادّعاء تكاد تكون قضيّةً مفروغًا منها. هنا عددٌ من الاعتبارات:

أولًا: إن عمّال توظيف «داو» لم يدّعوا أساسًا أنهم أتوا للحرم الجامعي لتقديم أي وجهات نظر أو آراء أو خُطب على الإطلاق. إن طلبوا هم باستخدام مرافق الجامعة لتقديم حججهم ومناقشة الدفاع عمّا يقومون به عن طريق تنظيم منتدىً أو وضع طاولة لتوزيع تصريحاتهم وما إلى ذلك، يجب أن نرحب بتلك الفرصة، فهذه مسألة حريّة رأي.

ثانيًا: لم يستخدم ممثّلو «داو» المرافق الخاصة التي توفّرها الجامعة لتقديم آرائهم عن استخدام مادة النابالم، وإنما استخدموها لإدارة أعمال شركتهم. فقط لا غير!

ثالثًا: كثير من الجامعات – بيركلي على سبيل المثال – قامت بسحب هذه الامتيازات من الشركات التي تميّز عرقيًا أو توظّف كاسري إضرابات. هل هذا يُعتبر تعديًا للحق في التعبير عن الرأي من قِبل الشركات؟ لا يمكن للمدافعين عن حقّ «داو» في حريّة الرأي [المؤيّدين لسحب الامتيازات عن تلك الشركات] أن يجمعوا بين الأمر ونقيضه. لو وقع حقّ «داو» في استخدام مرافق الجامعة لإدارة أعمالهم في نطاق حريّة الرأي، فهذه الحالات الأخرى المذكورة أعلاه تقع أيضًا في نطاق حريّة الرأي. ولو فرضنا مثلًا أنّ أحد الجامعات اتّخذت سياسةً لا تسمح لأي مؤسسة خاصّة أو شركة باستخدام مبانيها ومرافقها لأي غرضٍ من ضمنها التوظيف، فذلك سيترك لهذه الشركات إمكانيّة تأسيس مقرّاتها قُرب الحرم الجامعيّ وإعلان تواجدها كالمعتاد، ولن يغيّر ذلك أي شيئًا بالنسبة لهم. ولكن مهما كانت فكرة الشخص حول مدى استحسان هذه السياسة العامة، فهل ذلك سيعني أنّ الجامعة قد ألغت «حريّة الرأي» للشركات على الحرم الجامعي؟ لا أظن أنّ أي شخصٍ سيدّعي ذلك. فهذه الممارسة، أي السماح لمكاتب توظيف الشركات أن تُنشأ في الحرم الجامعي يمكن الدفاع عنها كمسألةِ تيسير الأمور لطلّاب الجامعة، لا كحقٍ لدى هذه الشركات.

بالمناسبة، لو كان حقّ شركة «داو» في استخدام مرافق الجامعة الخاصة من أجل التوظيف يقع ضمن نطاق مسائل حريّة رأي، ذلك سيعني أنه لو طلب «الحزب الشيوعي» من الجامعة استخدام مرافقها الخاصة لتجنيد منظّميه، فستكون تلك أيضًا مسألة حريّة رأي. وسيكون من المشوّق أن نرى كم من الجامعات ستسمح بالتعامل مع «الشيوعيين» على نفس المنوال، أو حتى الليبراليين الذين يدافعون اليوم عن «حقّ داو في حريّة الرأي»، كم منهم سيتلقون هذا التعامل…

النقطة التي أريد إيصالها حول هذا الهراء الليبرالي هي تبيان كون الدفاع عن المظاهرات المناهضة لشركة «داو» لا يضع أي سببٍ واقعي للتخلي عن مبادئ حريّة الرأي، إلّا أن كان لدى الشخص دوافع إيديولوجيّة أخرى للقيام بذلك.

هربيرت ماركوزه و«التسامح»

ولكننا نعلم – في واقع الأمر – بوجود مثل هذه الدوافع الإيديولوجيّة، وآخر مثال على ذلك في المحيط الراديكالي هي الموجة الإيديولوجية التي تحمل «هربيرت ماركوزه» كأشهر منظّريها.

هذه الموجة لديها كاتبٌ دراسيّ الآن، ألا وهو كتاب ماركوزه المُعنون «نقد التسامح التامّ» (A Critique of Pure Intolerance). في هذا النصّ، وبعباراتٍ كثيرة، يدين ماركوزه حريّة الرأي (أو «التسامح» معها على الأقل) لأولئك الذين يحملون آراءً مخالفة لآرائه، ويدعو – بوضوح – لـ«دكتاتوريّة تعليميّة» للمثقّفين المتنورّين من أمثاله الذين يعلمون أنهم على حقّ وأن كلّ الناس الآخرين على خطأ، ويدعو لذلك بعد عددٍ قليل من المراوغاتٍ العَرَضية وكمية قليلة من المراوغات اللفظية الهيغيلـيويّة (Hegelianized). (أنظر بالخصوص للصفحات 109-111 والصفحة 106، ويجب قراءة النص بأكمله للحصول على النكهة كاملةً).

وما يجعل هذا الاقتراح المتواضع حول «عدم التسامح» يقارب الخيال هو أنه تمّ تشكيله في سياق العلامة الفارقة الأخرى في إيديولوجيا ماركوزه، ألا وهي رأيه عن عدم وجود جماهيرٍ بالإمكان تعبئتها لنضالاتٍ تقدّمية. يصر هو (مُخطئًا جدًا) على كون «المعارضة في انحسار» وأن الأقليّات المعارضة «صغيرة ومغلوبٌ على أمرها»، وأنه لم يتبقّ هنالك مُحاربون (سوى حفنة من المثقفين من مقامِه). لم يرسم أحد صورةً أكثر تشاؤمًا عن المشهد الاجتماعيّ أكثر من ماركوزه، ومع ذلك، وفي هذا الوضع على وجه التحديد، يكتب بيانًا يناشد فيه بحرمان حريّة الرأي والحقوق الديموقراطيّة (ما يسمّيه بـ«التسامح») للآراء التي يعتبرها ضارّةً!

هذه هي كلّ الذخيرة التي يحتاجها ملاحِقونا، فهيّ تؤيّد كل ما كتبه سيدني هوك في تبرير هذه الملاحقة، مع أن ماركوزه وهوك – طبيعيًا – سيوظّفون هذه النظرية ضدّ ضحايا مختلفين. كي نعيد صياغة المقولة الشهيرة: «هذه ليست مجرّد جريمة وإنما تخبّط»، يجب أن نقول بأنّ «هذا ليس مجرّد تخبّط، إنما هو انتحار».

لربما نتيجةً لتأثير ماركوزه، كتب كارل ديفدسون مِن منظّمة «طلّابٌ لأجل مجتمعٍ ديموقراطيّ» (Students for a Democratic Society) صياغة فظّة لوجهة النظر هذه بشكلٍ غير اعتياديّ، نشرها في (ملاحظات اليسار الجديد، 13 نوفمبر، 1967)، إذ كان استنتاجه هو: «إنّه من واجب الثوريّ ليس فقط بألّا يكون متسامحًا مع النشاطات المعادية للديموقراطيّة من النظام الاجتماعي المهيمن، بل وأن يقمعها فِعلًا»، والمبرّر الذي يقدّمه هو: «إنّ نقدنا يجادل» أنّ هذا النظام الاجتماعي معاديٍ للديموقراطيّة. حسنًا، فاستنادًا لهذا المنطق، لو كان نقد شخصٍ آخر «يجادل» أنّ ديفدسون وأصدقاءه هم المعادون للديموقراطية، فيحقّ لهذا الشخص أن يقمعه هو وأمثاله. ليس ذلك فحسب، وإنما بحكم أن «النظام الاجتماعي المهيمن» هو فِعلًا مهيمن، بينما ديفدسون يمثّل أقلّية صغيرة، فليس هنالك شكّ حول من سيقمعُ من. إن مجرّد التفكير بأنّ أقليّة ملحوظة تتحدث عن قمع «نشاطات النظام المهيمن» هي بذاته فكرةا فاضِحة، إن كان هذا النظام الاجتماعيّ مهيمنًا حقًا. ومن الأشياء التي تفضحها هي كون هذا التبجّح الفخم علامة على العجز والإحباط، لا القوّة والثقة.

إنّ هذه الأنواع النخبوية – من ضمنها أنواع ماركوزه – التي تعطي آراءها الرجعيّة غطاء الراديكاليّة تهتزّ عظامها خوفًا من الحريّات الديموقراطيّة، فهم منغرسون تمامًا في تراث «كارلايل» و«رسكن» و«إتش.جي. ويلز» ومثلائهم من المنظّرين المعبّرين عن الطموحات العاجزة لمثقّفين متجذِّرين عن مجتمعاتهم راغبين بممالك أفلاطونيّة يحكمها الفيلسوف المستبدّ (والذي صفاتُه عادةً ما تكون بشكلٍ محيّر مشابِهة لصفاتهم).

ومع كونهم عاجزين هم أنفسهم، فدورهم الحقيقي هو الدفاع عن طغاة طامحين أقلّ عجزًا.

الاشتراكيّون الثوريون يقترحون عكس ذلك. نحن نريد أن ندفع الافتراضات المسبقة والممارسات للمشاركة الديموقراطيّة من أكبر عدد من الناس إلى حدودها. إلى حدودها بمعنى: إلى أقصى حدودها، فالتغير الاجتماعيّ التقدّمي غير ممكن إلا حين يتحرّك السواد الأعظم من الناس من أسافِل المجتمع. وهذه الحركة تتطلب كلًا من وتساعد أيضًا على الفتح الكامل للتحكم الديموقراطي للمجتمع من الأسفل، لا تقييد هذا التحكم. معنى ذلك هو تحطيم كلّ الحدود والقيود المعادية للديموقراطيّة. معنى ذلك إطلاق العنان لمبادرات شعبيّة جديدة. بمعنىً آخر، هي تعني النقيض التام للماركوزيّة.

إنّ مسألة حريّة الرأي ليست إلا جزءً واحد من مسألة أكبر، ولكنّها مع ذلك امتحانٌ لسياساتنا.


[1]ترجمة بتصرّف. النص الأصلي: «على سبيل المثال: وجود فراغٍ في المكان الذي يجب أن توجد فيه أحشاؤهم»

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s