الإرث الشاهق لفايز صايغ ينبضُ بالحياة بعدَ 25 عاماً من رحيله

فايز صايغ، في عام ١٩٥٨ تقريباً (مصدر الصورة: زوجته)
فايز صايغ، في عام ١٩٥٨ تقريباً (مصدر الصورة: زوجته)

بقلم أندرو كلغور

لا أعلم ما إذا نجحَ فايز في تحقيق السكينة الداخلية التي كان يصبو إليها طوال حياته، يتساءل زميله الفلسطيني الدكتور هشام شرابي راثياً فايز عبدالله صايغ في التأبين الذي أقيم في جامعة جورجتاون  في ديسمبر من عام ١٩٨٠. شرابي يتذكر بحنين كيف أن الأستاذ صايغ أخذه لمنزله في طبريا عند بحر الجليل عام ١٩٤٧ مباشرة قبل أن يغادر كليهما إلى الولايات المتحدة لإكمال دراستهم، في جامعة شيكاغو بالنسبة لشرابي وجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن بالنسبة لصايغ حيث سعى لنيل شهادة الدكتوراه.

التقيت الدكتور صايغ في جامعة مينيسوتا عام ١٩٦٣ حيث كنت ألقي خطاباً عن الشرق الأوسط، وبالتحديد عن الصراع العربي الإسرائيلي. كان الإعلام الأمريكي في ذلك الوقت يخترع برنامج المتخيل للرئيس المصري جمال عبد الناصر لصناعة صواريخ لإطلاقها على إسرائيل. كانت مصر تتلقى المساعدة من علماء ألمان طبقاً للصحافة الأمريكية. اللحظة الذي أنهيت فيها كلامي، وقف شاب على قدميه أمامي ليسألني “سيد  كلغور، متى ستجعل الولايات المتحدة ناصر يتخلى عن هؤلاء العلماء النازيين؟” مباشرة وقف أحدهم في نهاية القاعة “سيد كلغور، دعني أجيب على هذا السؤال. ناصر سيتخلص من علمائه النازيين عندما تتخلص الولايات المتحدة من علمائها النازيين.” (الإشارة بالطبع كانت لورنر فون بارون وعلماء صواريخ ألمان آخرين جلبتهم الإدارة في واشنطن للولايات المتحدة من ألمانيا بنهاية الحرب العالمية الثانية للمساعدة في برنامجنا للفضاء).)

التصفيق حيا الملاحظة القصيرة والثاقبة ولم يذكر بعد ذلك ما يسمى بالعلماء النازيين. الرجل الذي ساعدني بالإجابة على السائل المفاجئ كان البروفيسور فايز صايغ الذي كان يدرس تلك السنة في كلية مكلستر في سينت پاول القريبة. قبلت دعوته للتحدث في بعض فصوله في مكلستر، مؤجلاً بذلك عودتي لواشنطن ووزارة الخارجية لمدة يوم حيث قضيت ذلك اليوم الإضافي المبهج في مينسيوتا مع شخص بارع ذكي. لم أفأجأ فقط بشجاعته كمثقف ولكن تفاجأت أيضاً بدماثته وتواضعه وظرافته. مع أني لم أره بعد ذلك، ولكن تابعت مسيرته عبر التقارير الصحفية وعبر كتاباته.

حيث ولد في خرابة في سوريا عام ١٩٢٢، حيث أبوه كان قساً مشيخياً، تلقى فايز درجتي البكالريوس والماستر مع الجامعة الأمريكية في بيروت. في ١٩٤٩، حصل على شهادته الدكتوراه في الفلسفة مع درجة فرعية في العلوم السياسية من جورجتاون.

بعد ذلك، عمل صايغ في السفارة اللبنانية في واشنطن العاصمة، وعمل كباحث ومستشار للبعثة اللبنانية في الأمم المتحدة. لاحقاً خدم كملحق للبعثة اليمنية للأمم المتحدة ورئيساً لبعثة الدول العربية للأمم المتحدة. سيرته المثيرة للإعجاب تتضمن مناصب كمسؤول لبرنامج الشرق الأوسط في قسم الراديو للأمم المتحدة  المتحدة ومسؤول الشؤون الإجتماعية في قسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

لكن فوق كل ذلك، كان الدكتور صايغ معلما ومدرساً. لقد درَّس في ييل، ستانفورد، الجامعة الأمريكية في بيروت، أكسفورد، وكما ذكرنا في كلية مكلستر. في عام ١٩٦٥، أنشأ وأصبح رئيساً عاماً لمركز أبحاث فلسطين في بيروت. قُلِد الدكتور فايز من قبل رئيس لبنان بوسام شرف الأرز بمرتبة قائد وهي أعلى وسام مدني يُقَّلد في لبنان.

أعمال الدكتور فايز بالإنجليزية تتضمن الوحدة العربية ودينيمات الحياد في العالم العربي، بالإضافة لرسائله كـ النزاع العربي الإسرائيلي، اللاجئون الفلسطينيون، وسجل إسرائيل في الأمم المتحدة. كتب عدة فصول لسبع ندوات نشرت في الولايات المتحدة وبريطانيا، وكتب بالعربية عدة كتب ترجمت للإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والروسية.

 

عقل بارع في العمل.

يمكن للشخص أن يدرك شيئاً من الإرث الإستثانئي للدكتور صايغ من خلال مراجعة لأعماله قُدِمت لجامعة يوتا من قبل أرملته السيدة أرلين برايم صايغ. ما بين الأربعمئة والخمسمئة عملاً مكتوباً وعدة مئات من التسجيلات والتصويرات لخطاباته ومقابلاته ومكتبة شخصية تضم أربعة إلى خمسة آلاف مجلد بما فيها مجموعات عن العقيدة (الإسلامية والمسيحية واليهودية)، والقانون الدولي والسياسية الخاريجة الأمريكية وتاريخ العالم والفلسفة. رحيله المبكر قبل خمسة وعشرين سنة عن عمر ال٥٨ كان خسارة مروعة ليس فقط لفلسطين، ولكن لعالم الفكر أجمع.

تتضح براعة الدكتور في المناظرة عندما يقرأ حواره في ٣ ديسمبر من عام ١٩٦٧ مع المقدم التلفزيوني الصهيوني الحذق، ديڤد سسْكند. معرفة صايغ الموسوعية بالشرق الأوسط وتطويعه المذهل للغة الإنجليزية وصدقه العاطفي جعلت المغرور سسْكند عاجزاً عن إيجاد الكلمات. لسنين تلت تلك المقابلة، لم يكن لأي مناظر صهيوني أو مؤيد لإسرائيل أن يظهر مع صايغ للعلن.

ما زالت ذاكرتي تعود لسؤال هشام شرابي الإستفزازي عن ما إذا كان الدكتور صايغ قادراً على تحقيق السكينة الداخلية. تذكروا أن فلسطين كانت أكبر همه وأنه درس في الجامعة الأمريكية في بيروت المرتبطة بالمشيخية والتي كانت تدعو وتمارس صورة علمانية من أمريكا حيث الطلاب من كل الأديان واللا-دين بإمكانهم التعلم جنباً إلى جنب. كانت تلك الأيام الذهبية للبروفسور والطالب الفلسطيني البارع في الجامعة الأمريكية في بيروت. في ذلك الوقت لاحت فرصة حقيقية لإيقاف القوة الصهيونة الساحقة وإنقاذ فلسطين للفلسطينيين، ملاكها الحقيقيين.

عوضا عن ذلك فإنه كفيلسوف وعالم في العلوم السياسية كان دائماً ما ينظر للفلسفة والمنطقة “كأداة لتحقيق العدل والحرية” رأى أمريكا التي عايشها في الجامعة الأمريكية في بيروت تنقلب على أفضل مثلها وعلى من أحب فلسطين.

لقد حاز صايغ على حب زوجته أرلين وابنته ريما، ولكنه رأى أمريكا المرة تلو الأخرة تخون المبادئ التي تبنتها لتدفع عوضاً عن ذلك باتجاه أجندة رجعية إسرائيلية فيما تتجاهل عواقبها على الفلسطينيين. لقد غُدِر إيمانه  بقيمة الفلسفة والمنطق أيضاً . هل كان إحباطه العميق من تلك الخيانة السبب في بحثه عن السكينة الداخلية؟

أندرو كلغور هو مسؤول سابق متقاعد في وزارة الخارجية والسفير الأمريكي الأسبق في قطر وناشر في تقرير واشنطن لشؤون الشرق الأوسط.

فايز صايغ في برنامج
فايز صايغ في برنامج “فايرنغ لين” مع وليام بكلي الإبن في حلقة بعنوان” “كيف نمضي من هنا في الشرق الأوسط؟”، عام ١٩٧٤. (المصدر: يوتيوب)

 

الأستاذ فايز صايغ في مواجهة ديڤد سَسْكند

مقتطفات من ظهور الأستاذ فايز صايغ في برنامج “ديڤد سَسْكند شو” في الثالث من ديسمبر، ١٩٦٧.

ديڤد سَسْكند: ما الدور الإيجابي الذي ممكن أن تلعبه الأمم المتحدة أخيرا في قضية الصراع العربي الإسرائيلي؟

فايز صايغ: حسناً، دعنا لا ننسى أن دور الأمم المتحدة هو الذي خلق المشاكل الحالية في الشرق الأوسط، وذلك من خلال توصيتها بإنشاء دولة يهودية على فلسطين العربية- أو جزء من فلسطين العربية. لذلك، نشعر بأنه إذا ما كانت الأمم المتحدة قادرة على أن تكون فعالة من أجل الشر، يمكنها بالتأكيد أن تكون فعالة من أجل الخير…

 

ديڤد سَسْكند: كيف تقيم أداءك حتى الآن، مقارنة بالتمثيل الإسرائيلي في الأمم المتحدة بخصوص حرب الستة الأيام؟

فايز صايغ: نظام الأمم المتحدة يمثل مفهوما تقدمياً لنظام عالمي، كان حتى ٢٢ سنة مضت، مجرد حلمٍ في عقول الكثيرين.  تحت هذا النظام/ لا يمكن لدولة أن تحمل السلاح ضد دولة أخرى، تجتاح أراضيها، تحتل أراضيها وتحفظ بها. لذلك، ما يطالب به العرب تحت هذا النظام، وهو الأمل الوحيد للبشرية اليوم، هو أن تنسحب إسرائيل بلا شروط من كل أرض عربية احتلتها بالقوة -بالإضافة إلى كونه أبعد ما يكون عن المطلب غير العقلاني- هو المطلب العقلاني الوحيد والمطلب الوحيد المتوافق مع نظام دولي يحافظ على القانون والنظام، القادر على أن يعطي هذا العالم أي سلام وأي أمل في السلام.

ديڤد سَسْكند: هل خلافك قائم على أن إسرائيل شنت حربا على الدول العربية؟

فايز صايغ: لا يوجد حتى خلاف، يا سيدي، على أن إسرائيل شنت أو لم تشن حرباً. إسرائيل حتماً أرسلت قوتها الجوية عبر الخطوط المرسومة والحدود إلى القواعد الجوية العربية وفي وقت كانت فيه الولايات المتحدة وفرنسا والإتحاد السوفييتي يخبرون العرب: “ما دمتم تتورعون عن اجتياح إسرائيل لا تقلقوا من اجتياح إسرائيل لأراضيكم.” وكان العرب يؤكدون لهذه القوى العظمى أننا لن نجتاح أولا.

ديڤد سَسْكند: لماذا لا تقبل الدول العربية الآن الجلوس مع إسرائيل للتفاوض حول السلام؟

فايز صايغ: لسبب بسيط هو أن إسرائيل عندما تطلب المفاضوات تقول أنها تريد التفاوض مع الدول العربية. وفي نفس الوقت، الطرف المسؤول بشكل اساسي عن البحث في مصير تلك البقعة هم شعب فلسطين. نحن في الكويت والسوريا والإمارات والعراق وكل الدول العربية لا نملك حقاً حتى تنخلى عن جزء من أرض فلسطين. الأمر يعود للفلسطينيين حتى يقرروا ما يوافقوا وما لا يوافقوا عليه عن طريق التصرّف المطلق في شأن أرضهم (أو عبر حق التصرّف/البتّ المطلق في شأن أرضهم). إسرائيل تريد أن تتفاوض مع أطراف ليس لها دخل بدل أن تتفاوض مع الطرف المعني بالمشكلة.

ثانياً، بالقول “لتنفاوض مباشرةً،” إسرائيل تقول -هامسةً- “أبقواً الأمم المتحدة خارج المشهد.” هذا نتيجة افتراضية لمطلب المفاوضات المباشرة: إبعاد الأمم المتحدة وقطع الطرق على الأمم المتحدة للتدخل.

دعني أذكرك أن الأمم المتحدة كانت مسؤولة عن خلق كل مرحلة من مراحل تكون المسألة الفلسطيمية من ١٩٤٧ حتى الآن. إسرائيل وهي المستفيد من التطبيق الجزئي لتوصيات الأمم المتحدة والمستفيد من تصرفات الأمم المتحدة والمستفيدة عندها لا تتصرف الأمم المتحدة، لا يمكنها الآن القول “دعوا الأمم المتحدة تبقى خارج المشهد وأريد أن أتعامل مباشرة مع الدول العربية.” لا يمكنها في مرحلة ما أن تقول “المسألة كاملة يجب أن تبت في أمرها الأمم المتحدة” وفي مرحلة آخرى تقول “الأمم المتحدة ليس لها من قول في الأمر.”

تقول أننا نرفض الإعتراف بإسرائيل. نعم، نحن نرفض الإعتراف بإسرائيل لأن إسرائيل هذه التي تتحدث عنها عبارة عن ممارسة اغتصاب لقطر عربي، وأرض عربية; هي عبارة عن عملية طردٍ لسُكَّانٍ عرب. كل إسرائيلي في إسرائيل اليوم يعيش في بيت عربي لم يعوض عن نزع ملكه. كل إسرائيلي في إسرائيل اليوم ليس هناك إلا لأن عربياً قد طُرِد منها. إسرائيل كائنة لأن فلسطين لم يُرد لها أن تكون. إنما وجودُ إسرائيل عَدَمُ فلسطين. نحن لا نصادق على أن ينتفي وجود دولة عربية تُسمى فلسطين. لن نعترف بإسرائيل ما دام الاعتراف  بها يعني عدم الاعتراف بفلسطين العربية.

ديڤد سَسْكند: لو كانت إسرائيل هي دولة مغتصبة وتستوطن أرضك، هل الحل من وجهة نظرك هو إلغائها نهائياً أو هزيمتها؟

فايز صايغ: ليس بالضرورة.

ديڤد سَسْكند: ما الذي سوف يحقق طموحك خلاف ذلك؟

فايز صايغ: ما يمكن أن يحقق طموحي وهو أملي  -وأقول ذلك بأقصى حد من الجدية، سواء كنت تصدقي أو لا- أملي هو هو أن يستفيق الضمير الإنساني عند الصهاينة القاطنين في إسرائيل، ليجعلهم يستوعبون أنهم اغتصبوا أرض أحد ثانٍ، وليجعلهم يقبلون أن يعيشوا كالخلق في فلسطين ديمقراطية، حيث هم وأهل المكان بحق لديهم مكان، بدل أن يعيشوا في دولة صهيونية حصراً، على حساب من هم أهل فلسطين بحق.

ديڤد سَسْكند: يتخلوا عن الإنتماء لدولة؟

فايز صايغ: يتخلوا عن الإنتماء لدولة لا أن يتخلوا عن وجودهم.

ديڤد سَسْكند: مبهج. لا تمت ولكن ارحل من هنا.

فايز صايغ: يا سيدي، أنتم فعلتم ما قلته للتو. إسرائيل فعلت ذلك لعرب فلسطين. وأنا أعتقد أن البشر هم بشر في كل مكان. أؤمن أن الضمير الإنساني للعديد في إسرائيل سيستفيق للمأساة التي كانوا مساهمين في إلحاقها على شعب آخر لم يكن قط مذنباً في عذاباتهم، لم يكن مذنباً قط في اضطهادهم في أوروبا المسيحية…

ديڤد سَسْكند: تحويل دولة إسرائيل إلى دولة عربية؟ هل هذا هو الحل؟

فايز صايغ: ما داموا هناك، لن تكون هذه الدولة عربية حصراً. أي يهودي ليس له مكان سوى فلسطين سوف يكون بإمكانه البقاء في فلسطين، سكان فلسطين بحق يجب أن يسمح لهم بالرجوع لبلدهم، وسوف يكون لديك دولة ثنائية القومية فيها المسيحيون، المسلمون،اليهود، البهائيون، والملحدون، جميعهم في فلسطين يعيشون تجربة حياة فلسطينية.

رابط المقالة الأصلية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s