وحشيّة الإمبراطوريّة الأمريكيّة

4314528884_428a209e25_b.sm_a

إن الطبيعة الوقحة والخادمة للذات لقمّة «مواجهة التشدّد العنيف» التي استمرّت لمدة ثلاثة أيام في منتصف فبراير في واشنطن العاصمة، والتي أدارتها حكومة أوباما، كانت شائنةً جدًا لدرجة أنّ المؤتمر افتعل سخطًا لدى نفس القطاعات التي أمِل مسؤولو البيت الأبيض بأن يجدوا فيها تأييدًا.

ولرغبتهم الشديدة بأن ينفوا التهم القائلة بأن غرض المؤتمر الرئيسي هو التهجّم على المسلمين، استخدموا لغةً «التشدّد العنيف» المحايدة للتّعريف بمحور اللقاء. وذلك – كما هو متوقّع – أشعل غضب كارهي أوباما المحافظين، إذ أدانوا «ليونة» أوباما – المفترضة – تجاه «العدو المسلم» ووجّهوا موجةً من النكات ذات السطر الواحد التي تسخر من المؤتمر، فأحدهم سمّى المؤتمر «معرض توظيف لداعش»، بينما دعا آخرون لتصعيد توظيف «القوّة الصلبة» للجيش الأمريكي.

ولكنّ اللغة المحايدة لم تخدع أحدًا – فمؤتمر «مواجهة التشدّد العنيف» كاد أن يتمحور حصريًا حول «الأصوليّة الإسلامية» كالتهديد الرئيسي لسلامة وأمان المواطنين الأمريكيين. وردًا على ذلك، أصدرت منظّمة «مسلم أدفوكيتس» (Muslim Advocates) – وهي منظمة مهتمة بالحقوق الوطنية القانونية – تصريحًا ينتقد إدارة أوباما: «تعبّر مسلم أدفوكيتس عن قلقها الشديد من الرسالة التي توصلها إدارة أوباما عن طريق تركيزها الشديد على المسلمين الأمريكيين، وبالخصوص المسلمين الأمريكيين الشباب، في قمّتها لهذا الأسبوع بعنوان «مواجهة التشدّد العنيف». ومع أن الحقائق تبيّن أن المسلمين لا يشكلّون إلّا جزءًا صغيرًا جدًا من العنف المتشدّد في الولايات المتحدة، فإن مؤتمرًا وبرنامجًا لـ”مواجهة التشدّد العنيف” يركّز على المسلمين يرسل رسالةً خاطئة وخطيرة للشعب الأمريكي تقول لهم أنّ جيرانهم المسلمين يشكلّون تهديدًا على سلامتهم».

تثبت الإحصاءات هذه النقطة: في الفترة ما بين 1980 وحتى 2005، وحسب تقارير مكتب  التحقيقات الفدرالي (FBI)، فإنّ غير المسلمين شكلّوا 94 بالمئة من كلّ الهجمات الإرهابية على الأراضي الأمريكية، بينما شكّلت الهجمات الإرهابية «ذات الدوافع الدينية»  في أوروبّا في السنوات الخمس الأخيرة أقل من 2 بالمئة من مجموع الهجمات الإرهابية، وذلك وِفق إحصاءات وكالة تطبيق القانون الأوروبيّة، «اليوروبول» [الشرطة الأوروبيّة].

وجدت دراسة أُجريت في عام 2014 من قِبل باحثين في جامعة شمال كارولينا أنّه منذ أحداث 11 سبتمبر، تسبّب الإرهاب المتعلّق بالمسلمين بمقتل 37 أمريكي – وفي نفس تلك الفترة، قُتِل أكثر من 190 ألف أمريكي بعوامل أخرى.

علاوةً على ذلك، إنّ قتل ثلاثة طلّاب مسلمين في تشابل هيل، في ولاية شمال كارولينا، قبل أسبوعٍ واحد من المؤتمر يوضّح أوتاد هذه المناظرة وضوحًا تامًا، وعلى حدّ قول «مسلم أدفوكيتس»:

«إذ يذكّرنا القتل الوحشي في تشابل هيل مأساويًا بأنّ العنف المتشدّد لا يمكن توقّعه عن طريق الانتماءات الدينية أو الأيديولوجية أو الإثنية أو العرقية. علاوة على ذلك، إنّ الممارسين القلّة من المسلمين للعنفّ المتشدّد لا يملكون في عمومهم روابط عميقة مع مجتمع المسلم الأمريكي حتّى يتمّ التوجّه له عن طريق برامج “مواجهة التشدّد العنيف”، فالأخوان تسارنايف [اللذان نفذّا تفجيرات ماراثون بوستن عام 2013]، على سبيل المثال، كانا بالكاد مألوفين لدى المجتمع المسلم في بوستن، وكانا معروفين مسبقًا لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي والاستخبارات الروسيّة».

هذه النقاط لا يمكن الاختلاف فيها، ومع ذلك، فإن السياسيين من على الطيف السياسيّ أجمع – من الليبراليين الديموقراطيين حتى الجمهوريين المحافظين – يقومون تكرارًا بعرض «خطر» العنف السياسي الإسلاموي بصورة أكبر من الواقع بكثير.

هنالك سببٌ واضح يفسّر ذلك: عمِل التركيز على «التشدّد العنيف» لدى المسلمين كمبرّرٍ إيديولوجي رئيسيّ للعنف الشديد الذي مارسته الإمبراطوريّة الأمريكية لأكثر من عقدٍ حتى الآن – من سنين الاحتلال الأمريكي للعراق حتّى حرب «الدرونز» المتصعّدة والتي حدثت في دولٍ عديدة وقتلت مدنيين بأضعاف ما قتلت من إرهابيين. [النسبة هي 50 مدنيّ لكلّ «إرهابيّ» قتلته الطائرات بدون طيّار].


مقالة غرايمي وود في «ذا أتلانتيك» بدت وكأنما خُطِّطَ تُنشر في نفس وقت مؤتمر «مواجهة التشدّد العنيف» في واشنطن، تحدّثت المقالة عن العدوّ الرئيسي في «الحرب على الإرهاب» الأمريكية في أيامنا هذه: الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). احتوت المقالة على ثروة من التفاصيل عن تصوّر داعش لنفسها، وانعكس على حديث وود في الوقت ذاته توجّهات الإسلاموفوبيا المهيمنة ذات الدور الرئيسي في التبريرات الإيديولوجية للإمبريالية الأمريكية منذ أحداث 11 سبتمبر  والتي تعاد وتكرّر في الإعلام الأمريكي السائد.

كتب وود في مقالته:«إنّ الدولة الإسلامية هي واقعًا إسلاميّة» ثمّ أسهب قائلًا: «إسلاميّة جدًا. نعم، هي جذبت سايكوباتيين [المختلّين نفسيًا] وباحثين عن مغامرات، أغلبهم أتوا من مجتمعات ساخطة في الشرط الأوسط وأوروبا، ولكنّ الدين الذي يدعو له أكثر أتباع الدولة الإسلامية حماسةً مُشتقّ من تفسيراتٍ متماسكة ومُتعلَّمة مِن الإسلام».

إنّ هذا الادعاء القائل بأنّ قطع داعش العلنيّ للرؤوس والأطراف، حرقها للكتب واضطهادها للأقليات الدينية، ناهيك عن اضطهادها للمسلمين السنّة الذين يتجرّؤون على معارضتها تنبع من الإسلام نفسه، خَضَعَ لتفكيكٍ وتفنيدٍ فعّال مِن قبل كتّابٍ مسلمين وغير مسلمين سواءًا.

إنّ أحد المحاور الشائعة في هذه المقالات التي تتحدى ما قاله وود هو أن وحشية داعش هي نتاج الأعمال الوحشية التي ألحقت بها الولايات المتحدة العِراق وبقيّة الشرق الأوسط لعقود. يسأل دانييل حقيقتجو والدكتور ياسر قاضي: «هل يجب أن يكون مفاجئًا أنّه إذا أمطرنا على شعبٍ ما “صراع فناءٍ” (apocalypse) حقيقيّ، فهم – لربما – سيبدؤون باعتناقِ أفكارٍ فنائيّة؟» وذلك في مقالهما «ما هو “الإسلاميّ”؟ ردّ مسلم على داعش وذا أتلانتيك» في موقع MuslimMatters.org، ويكملان: «سؤالٌ بسيط: لم وصلت مجموعة كـ”داعش” للسلطة في أرضٍ خضعت لصراعٍ سياسي مستمرّ وحربٍ أهلية وسفكٍ للدماء؟ إن وضعنا الأمور الثيولوجيّة جانبًا، لو لم تجتح وتعصف الولايات المتحدة بالمنطقة لعقود، هل ستصعد داعش؟ في الوضع العادي، لن يكون هنالك ما هو مرفوض جوهريًا من ناحية تركيز وود على عقيدة داعش الدينية عوضًا عن هذه الاعتبارات التاريخية والسوسيولوجية. ولكن في هذه الحالة وفي المناخ السياسي الحاليّ، فإنّ سهوات وود هذه لا تقوم إلّا بخدمة مصالح السلطة وتقوم فعليًا بتبرئة أمريكا مثيرة الحروب على حساب ضحاياها، ألا وهم المسلمون هنا في الولايات المتحدة وفي الخارج».


الحقيقة هي أنّ الموجات الإسلاموية السياسية التي توظّف الإرهاب لا تمثّل إعادة إحياءٍ لممارساتٍ إسلامية قروسطيّة كما يدّعي وود؛ على عكس ذلك، هذه الموجات هي حديثة في أصولها، وإن كانت تحاول استخدام تبريراتٍ من نصوصٍ قديمة لِتُكسِب مشاريعها شرعيةً أكبر.

إضافةً لذلك، هنالك وجهٌ آخر لهذه الأصول الحديثة: الولايات المتحدة كانت لاعبًا رئيسيًا في ربط الإسلام السياسي مع الأساليب الإرهابيّة.

كانت أرض المعركة هي أفغانستان في أواخر سنوات الحرب الباردة، بعد أن غزى الاتحاد السوفييتي أفغانستان، أمِلت المؤسسة الأمريكية العسكرية – بقيادة زبغنيو برجيزنسكي الذي كان في ذلك الوقت مستشار الأمن القومي لدى الرئيس الديموقراطي جيمي كارتر – بأنّ المجاهدين الإسلاميين المعارضين للاحتلال السوفييتي سيُعطون الاتحاد السوفييتي نُسخته الخاصة من فيتنام. [يُقصد هنا فشل الولايات المتحدة في حربها على فيتنام]

كما يشرح محمود مامداني في كتابه «المسلم الجيّد، المسلم السيء: أمريكا، الحرب الباردة وجذور الإرهاب» (باللغة الإنكليزية): «كان لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية دورٌ رئيسي في تلحيم الصلة ما بين الإسلام والإرهاب في آسيا الوسطى وفي إعطاء الإسلاميين المتطرّفين نفوذًا وطموحًا دوليّة. هذه المجموعات التي دربتها الاستخبارات الأمريكية ورعتها اشتركت في اعتناقٍ ثلاثيّ للتكتيكات الإرهابية، وللحرب المقدّسة كاستراتيجية سياسية، ولتجنيدٍ عابر لحدود الدول، مما أعطاها هويّاتٍ متعدّدة الأصول. عشرات الألاف من المقاتلين الجهاديين الذين تدرّبوا في حرب أفغانستان، تشتّتوا مع نهاية الحرب».

هؤلاء المحاربون الإسلامويون – «المناضلون لأجل الحريّة» حسب وصف الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان – كانوا الأساس لصعود القاعدة وطالبان، والآن داعش.

ولكن الولايات المتحدة– بقوّتها العسكرية الغالبة والمليارات التي صرفتها في دعم أيّ دكتاتور أو أيّ قوّة إسلاموية ترى أنها متوافقة مع المصالح الأمريكية – هي التي قتلت أناسًا أكثر بكثير (إذ فاق تعداد القتلى بسبب الغزو الأمريكي للعراق الخمس مئة ألف) وقامت بوقاحة بالترويج للعنف الطائفي، ولا تزال تحتفي بتحالفاتها مع داعمين رئيسيين لإسلامويين رجعيين في يومنا هذا.

ليس هنالك دينٌ بطبيعته أكثر تقدميةً أو أكثر رجعيةً من الأديان الآخرين، ولكي نفهم الدين – كما تحدّث عنه كارل ماركس – يجب علينا أن نتجاوز مجرّد النظر لمبادئه وعقائده، ونضع الأفكار الدينية في ظروفها الاجتماعية.

إن كان هنالك شيء واحد متوارث في الأفكار الدينية، فهو أنّها تمّ تفسيرها وإعادة تفسيرها من قِبل أناسٍ أحياء من أجل خدمة أهدافٍ محددة وحاجاتٍ محدّدة في تلك اللحظات من التاريخ. إنّ أحد أشهر الجمل التي قالها ماركس عن الدين هو أنّه «أفيون الشعوب». ولكنّ هذه العبارة أتت في نهاية قطعة أطول تضمنّ الآتي:

«إن المعاناة الدينية، هي في ذاتها تعبيرٌ عن المعاناة الحقيقية واعتراضٌ على المعاناة الحقيقية. إنّ الدين هو صرخة المخلوق المظلوم، إنّه قلب عالمٍ لا قلب له، وروح أوضاعٍ لا روح لها.»

وهذا يفسّر الدور المتناقض للأفكار الدينية في النقاط المتنوّعة في التاريخ. وبذلك، فالكاثوليكية استُخدِمت كمبرّر لدى السياسيين لوضع قيودٍ على حقوق النساء الإنجابيّة وحرمان المثليين من المساواة – وفي عصورٍ سابقة، كانت الكنيسة الكاثوليكية عنصرًا مركزيًا في نظام الحكم في أوروبا الإقطاعية. ولكنّ الكهنة من تقليد «التحرّر اللاهوتي» الكاثوليكي خاضوا نضالاتٍ بطولية ضدّ الظُلم – مثلما لعبت كنائس السّود في الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في حركة الحقوق المدنية في الخمسينات والستينات.

قد تدّعي قيادات الحكومة الأمريكية أنّهم معارضون لـ«التشدّد الإسلامي» وأنه لا يمكن التوفيق بينهم وبينه، ولكن واقعًا، كانت واشنطن تاريخيًا مرنة في تعاملها مع هذه المجموعات – إذ دعمت بعضها وأدانت بعضها حسب ما تراه مناسبًا.

وهذه حقيقةٌ تاريخية لا يجب أن يُسمح للقيادات الأمريكية تجنّبها – وهنالك حقيقةٌ أخرى علّمنا إياها مارتن لوثر كينغ في آخر شهورٍ في حياته: «لا يمكن لي أبدًا أن أرفع صوتي ضدّ العنف الذي يمارسه المظلومون في أحياء الأقليّات بدون أن أقوم أولًا بالحديث – بوضوح – تجاه أكثر موّردٍ للعنف في العالم في يومنا هذا – حكومتنا ذاتها».

المصدر: جريدة سوشالست ووركر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s