الهجرة، والأقليّات، والشبكات الراديكاليّة: الحركات العماليّة وجماعات المعارَضة في السعودية (1950-1975م)

توبي ماثيسن

تاريخٌ مُستضعَف:

يسلّط هذا المقال الضوء على جوانب من أهمية العمّال المهاجرين، والطلاب والأساتذة، والشبكات الردايكاليّة المتخطيّة لحدود الدوُل، وثقافة النشر الغنيّة بالأفكار التقدميّة، وحضور مظالم سوسيو- اقتصاديّة ومظالم مبنيّة على الهوية في خلق تعبئةٍ سياسيّةٍ واسعة النطاق. كما يُظهر كيف ساعدت الموارد التنظيمية وشبكات العلاقات الشخصية الموجودة مسبقاً – بما فيها الروابط العائلية – على صمود التعبئة العمالية وتنظيمات الإضراب. إن صنع طبقةٍ حديثة من القوى العاملةِ في مخيّماتِ النفط في المنطقة الشرقية في السعودية مثّلَ شرطاً أولياً لتكوّن النشاط العماليّ، كما أن ضعفَ الوضع المعيشيّ للعمّال سابقاً في هذه المخيمات ضيمٌ رئيسيٌّ أدى لإضرابين كبيرين في عاميّ 1953 و1956م. بعدَ أن تم كسر الإضرابات، سعى قادتها إلى إيجاد تشكيلةٍ من أحزاب المعارضة العلمانيّة التي ظلّت فاعلةً خِفْيةً أو في المنفى.

لا يُذكَر تاريخ النشاط اليساريّ السعوديّ – عمومًا – إلا بشكلٍ عابرٍ في الأدبيّات حول السعودية واليسار العربيّ. إلا أن بعض الأعمال الحديثة أبرزت جاذبيّة القوميّة العربية في المنطقة الشرقية السعوديّة، ودور النخبة القوميّة في البيروقراطيّة الناشئة. إن أفضل التقارير الموثّقة موجودة في أعمال النشطاء اليساريين على امتداد الخليج.

كان عليّ العوامي، وهو شيعي شيوعي، أول سعودي يساريّ يدوّن سيرة ذاتية شاملة. إلا أنها لم تُنشَر إلا بعد وفاته عام 2012 بسبب حساسية الموضوع، وهي مرجع رئيس لهذا المقال. نشر شيوعيٌّ آخر سنيّ من المنطقة الشرقية – وهو إسحاق الشيخ يعقوب – مذكراته أيضاً. كما أن بعثياً سابقاً، وهو أيضًا سعوديٌ شيعي من المنطقة الشرقية، كتبَ مقالات عن المعارضة الوطنية. أحد أسباب قلة المصادر هو أن المعارضين السعوديين لم يدوّنوا تأريخاً رسمياً، ولم يُؤَرشفوا إصداراتهم ومنشوراتهم على وجهٍ منتظم. مُنِحَ عفوٌ عام 1976 مبنيٌّ على وفاقٍ بألّا يتحدّث أحدٌ عن تاريخ أنشطة التخريب والحركات السريّة. كان الانتماء لهذه التنظيمات يُعاقب بأحكامِ سجنٍ صارمة، أو بحكم الإعدام أحياناً. كما أن عمليات الاعتقال الموسعة أدّت لإحراق الملفات الشخصية أو إتلافها بغرض إخفاء الأدلة.

الشبكات الراديكاليّة وهجرة الأفكار في الشرق الأوسط

تجاوز انتشار الأفكار الراديكاليّة قلبَ الإمبراطورية البريطانية أواخرَ القرن التاسع عشر ومطلعَ القرن العشرين إلى شرق البحر المتوسط والموانئ الممتدة على الطريقِ المؤدّي للهند. تغيّرت المستعمرات والتابعيات البريطانية في أرضِ الرافدين والخليج بفعل انخراطها في مجال التجارة والهجرة والتبادل الثقافي مع الإمبراطورية. نشأت الحركات الشيوعية في العراق، في العشرينات، كما أثّر الحِراك في مدينة البصرة الجنوبيّة بشكلٍ خاص في دول الخليج العربي كالكويت.

رسم 1: خريطة المنطقة الشرقية في السعودية أواخر الخمسينات
رسم 1: خريطة المنطقة الشرقية في السعودية أواخر الخمسينات

باعتبارِ القرب النسبيّ للمنطقة الشرقية من العراق، كان للأخيرة تأثير مهيمن على النشطاء السياسيين في الشرق، وانعكست تطوّرات الوضع في العراق على الضفة العربية من الخليج. وبعد استيلاء حزب البعث على السلطة في العراق واصطدامه مع  مع الشيوعيين العراقيين، انقسم اليساريون والقوميون في الخليج بينَ هذين الخطّين أيضاً. امتلك شيعة القطيف والأحساء على وجهٍ خاص روابطَ دينية وتجارية قديمة مع العراق، وسافروا بشكلٍ منتظم إليها. سهّلت هذه الروابط تدفّق الأفكار السياسية من العراق إلى المنطقة الشرقية.

خاضت محميّة جزيرة البحرين البريطانيّة – وبالخصوص عاصمتها المنامة – تجربةً طويلة مع الحراك المناهض للاستعمار. حيث وُلدت فيها شبكات سريّة وتنظيمات مجتمع مدنيّ وحركة صحافة راديكاليّة في النصف الأول من القرن العشرين. باعتبار أن المسافة بين البحرين وموانئ شرق الجزيرة لم تتطلب أكثر من رحلةٍ بالقارب، وصلت الأفكارُ والمنشورات الراديكاليّة الأراضي السعوديةَ عن طريق البحرين، وكانت الروابط العائلية بين المنطقة الشرقية والبحرين عامِلًا رئيسيًا أيضًا في وصول هذه الأفكار والمنشورات.

في حين شكلت المنطقة الشرقية القاعدة الرئيسية للحركات اليسارية والقومية في السعودية، امتلكت هذه الحركات مؤيدين في الرياض والحجاز ومناطق أخرى من البلاد، إلا أن المعلومات المتوفرة عن الحراك في هذه المناطق أشد ضآلة ممّا هو متوفر حول المنطقة الشرقية.

تلقّى أفراد الطبقة العليا المحليّة وموظفو شبكة النفط الناشئة – خاصةً منذ أربعينيات القرن الماضي – تعليماً حديثاً في البحرين أو في مراكز العالم العربي الثقافية كبغداد والقاهرة وبيروت، حيثُ تعرّفوا على فكر القومية العربية والاشتراكية.

ومنذ منتصف الثلاثينات، وتحديداً منذ اكتشاف النفط عام 1938، عمدت شركة النفط المحلية التي تم تغيير اسمها إلى شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو)، إلى توظيف آلاف الأجانب والسكّان من المنطقة الشرقية. وفي حينَ كان أغلب من وُظِّف من السعوديين في بادئ الأمر عمّالًا غير مهرة، قدم الفلسطينيون والسوريون والمصريون واللبنانيّون والإيطاليون والسودانيون والهنود إلى المنطقة الشرقيّة ليشغلوا غالباً وظائف تتطلّب بعضاً من المهارة. اختلط هؤلاء العمّال المغتربون الذين أتوا من بلادٍ تحمل تاريخاً طويلاً من الحراك الراديكاليّ بالقوى السعودية العاملة وبذروا فيها أفكاراً راديكاليّة. تكوّن هؤلاء العمّال من شيوعيين وبعثيين وعروبيين وقوميين سوريين وناصريين. وبدلاً من نشر الأفكار التقليّدية لأحد هذه التوجهات دون سواه من إيديولوجيا اليسار، فإنَّ جواً عاماً من السياسة الراديكاليّة انتشر بين مخيمات العمال في أرامكو ومدن النفط الناشئة في الدمام والجبيل ومجتمعات الشيعة في ميناء القطيف. أضحت منطقة الخليج حقلاً عابرًا للحدود، قطَعَت فيه الأفكارُ والطلابُ والثوّارُ الحدودَ الوطنية وزادت من الحراك السياسيّ في البلاد الأخرى.

labour movement 2
رسم 2: مدرسة أرامكو في الظهران، السعودية

يعدّ المدرسون في مدارس أرامكو عاملاً ذا أهميةٍ بالغة، والأغلبُ منهم فلسطينيّ أو لبناني. كان البعض منهم أعضاء في أحزاب سياسيّة يسارية في بلادهم الأم، فأخذوا بنقاش طلابهم حول الأفكار الراديكالية وبدؤوا يوزّعون فيما بينهم أدبياتٍ سياسية محظورة. كما قاموا بتوزيع مجلاتِ الحزب الشيوعي اللبناني خفية، مثل «الصرخة» و«النداء». فكّر أحد التجار المحليين في القطيف باستثمار رغبة طلبة مدارس أرامكو في حيازة كتبٍ كمؤلفات كارل ماركس وفريدرك انجلز، ففتحَ متجراً للكتب في القطيف وبدأ باستيراد الأعمال اليساريّة الكلاسيكية. ويبدو أنه كان متجر الكتب الوحيد في المنطقة الشرقية الذي باعَ أدبياتٍ محظورة، من ضِمنها الكثير من الأعمال الشيوعية واليسارية العربية المهمة، إلى جانب روايات ومسرحيات روسية. مما ترتب عليه أن راوَد هذا المتجر اليساريون الطامحون من الشباب من مدن المنطقة الشرقية الأخرى وجاؤوا إلى القطيف لشراء هذه الكتب.

«الشيعيّ الشيوعيّ»: الأيديولجيّات الراديكالية وشيعة القطيف

أصبحت خطابات القومية العربية والاشتراكية والمناهِضة للاستعمار وشبكاتِهم متعلقةً أيضاً بالمجتمع الشيعي ذي الحجم المُعتدّ به في المنطقة الشرقية ضدّ التفرقة الدينية والسياسية. ولم تكن هذه ظاهرة يتيمة، فقد شكّلت المجتمعات الشيعية في العراق ولبنان والبحرين العمودَ الفقري للأحزاب الشيوعية في هذه البلاد. أدار أبناء الوجهاء الأثرياء ورجال الدين المعروفين ظهورهَم للدِّين ووجدوا في الشيوعية أيديولجيةً جديدةً للخلاص. سُمّيَت هذه الظاهرة بـ«الشيعيّ الشيوعيّ»؛ تلاعباً بالجذر اللغوي المشترك للمصطلحين في اللغة العربية. ففي واقع الأمر، كان كثيرٌ من أعضاء الجماعات السعوديّة اليساريّة السرية  وقياداتها من سكّان الشرقية المحليين، وكثيرٌ منهم شيعة.

كما ذكرت آنفاً، لم ينجذب العمّال والفلاحون فقط إلى هذه الجماعات، بل أفرادُ الطبقة العُليا المحليّة من عوائل الوجهاء أيضاً. لقرونٍ ممتدةٍ لعبَت عوائل الوجهاء دوراً اجتماعياً وسياسياً ودينياً في المجتمعات الشيعية في القطيف والأحساء،  هذه المجتمعات هي المراكز الحضريّة القديمة في المنطقة قبل إنشاء مدن النفط الحديثة. كما مثّلوا – في ذلك الوقت – دور الوسطاء بين السلطات والسكان المحليين. إلا أنه بعد الاستيلاء السعوديّ على المنطقة عام 1913، عانت هذه العوائل – كبقية المجتمع الشيعي في المنطقة الشرقية – من التفرقة الدينية والمؤسساتية وَمحاولات التحويل عن المذهب وَالضرائب الخاصة والإحساس العام بالإقصاء من قبل الدولة الناشئة التي ستصبح المملكة العربية السعودية.

Labour movement 3
رسم 3: مدرسة أرامكو في الظهران، السعوديّة

وإذ تسارعت خُطى الحركة العمّالية في أرامكو، غمر وجهاء الشيعة الشباب الحماسَ تجاه خطاب القومية العربية والاشتراكية غير الطائفيّ والذي يتسع للجميع. ونظروا إلى أنفسهم كمثقفين متنوّرين يبتغون قيادة عمّال النفط والفلاحين، وقاموا بشكلٍ رئيسي بتعيين نظائرهم من النشطاء من دوائر أصدقائهم المقرّبين وزملائهم وأفراد عوائلهم.

كان حَسَن الجِشّي – الذي أصبح لاحقًا عمدَة القطيف – أحد أبرز هذه النماذج. وُلِد حسن في القطيف عام 1918 لواحدةٍ من أغنى عوائل رجال الدين والمتاجِرة باللؤلؤ في المنطقة. بعض أفرع عائلة الجشّي عاشت في البحرين أيضاً، كرمزٍ للعلاقات المتداخلة بين الأراضي السعودية وجزيرة البحرين، حيث أصبحت أيضاً أحد أبرز العوائل الشيعية وشاركت في تأسيس الفرع المحلّي لحزب البعث. لذا كان من البديهيّ أن ينتقل حسن إلى البحرين عامَ 1930 بعدَ موت والده للعيش مع أقاربه. في القطيف درسَ في المدارس الدينية غير الرسمية، إلا إنه التحق بالمدرسة الجغرافية بالبحرين فيما بعد. عمل بدوام جزئي في تجارة اللؤلؤ، وفي عمر السادسة عشر التحق بـ بابكو (شركة نفط البحرين)، حيث تعلم اللغة الانجليزية. مما ساعده على الحصول على وظيفةٍ في القسم الجغرافي في شركة أرامكو في 1938، فعاد مجدداً إلى القطيف حيث لعب دوراً مهماً في أنشطة المعارَضة التي ظهرت أواخر الأربعينيات وما تلاها.

مَأسسَة المُعارَضة: المكتبات وَالصحف ونشوء الفضاء العام

،في أواخر الأربعينات، قرر حسن الجشي وَعددٌ من المثقفين الشيعة، من أمثال عبد الله الجشي (ابن عمّه) أو عبد الرؤوف الخنيزي ضرورةَ رفع الوعي السياسيّ والثقافي للسكان المحليين. تلقّى العديد من هذه الرموز تعليمهم في الخارج. فعبد الله الجشي، على سبيل المثال، وُلِد في النجف وفيها درس أيضاً. عادَ إلى القطيف في 1948 حيث كان والده يتولّى منصب قاضي الشيعة. وَأعانَ  والده في المحكمة الشيعية لفترةٍ قبل أن يبدأ العمل مع قائد العمّال اليساري عبد العزيز بن معمّر.

زرعَ هؤلاء الوجهاء الشيعة بذرة النشاط السياسيّ في القطيف في عامَيّ 1948 و1949م، حين أسسوا «جمعية العِلم للنِضال». أرادت هذه المنظمة السريّة رفع مستوى الوعي السياسي العام عن طريق التعليم وتأهيل القيادات، وعُرفت عَلَناً باسم «لجنة تشجيع الطلاب» التي أُسست عام 1950 وعُيّن عبد الله الجشي أميناً لها. قدّمت الجمعية العونَ للطلاب ذوي الأصول الفقيرة الملتحقين بأوّل مدرسةٍ ابتدائية حكومية في القطيف، والتي أُسست عام 1948. كما فتحت اللجنة أيضاً مركزاً في القطيف بمكتبةٍ تضم الأدب «التقدميّ»، وأولَ مدرسةٍ مسائية في المنطقةِ، ومسرحاً. حاولت «جمعية العِلم للنضال» نشرَ أفكارها في هذه المؤسسات من خلال التجمّعات والخُطب والمسرحيات. وَرغم أن السلطات أغلقت المركز بعد سبعة أشهرٍ من فتحه فقط، إلا أن الجمعية واصلت عملها سِرّاً. كما وقفت خلفَ إنشاء مكتبة القطيف العامّة التي أُسست عام 1955م وَتكرر فتحها وإغلاقها خلال الخمسينات والستينات.

كان حسن الجشي الشخصيةَ المعروفة التي ارتبطَ اسمها بالمكتبة العامة، فقد حشدَ لتمويلها، ورأسَ إدارتها، وتواصل مع السلطات.  شغل علي العوامي دورَ أمين السرّ وأخوه حسن كان عضواً في إدارتها، في حين كان عبد الواحد الخنيزي أمين الصندوق. تبرَّع العديد من النشطاء الشباب بالكتب للمكتبة. كما كانت دورياتٌ عربية عِدّة معروضةً في المكتبة. اندمجت القطيف بقوّةٍ حينئذٍ مع خطاب العالم العربي الواسع وَديناميّته السياسية. وَعلى الرغم من صعوبة تقدير عدد مُستخدمي هذه المكتية، إلا أنها مثّلتْ مقرّاً رئيساً للقراءة والاجتماع في المساء والنقاش، خاصّةً بالنسبةِ للشباب المتعلمين من الذكور في القطيف. حين قُبضَ على العديد من منظميها ضمن الحملة الأمنية على الحركة العمّالية عامَ 1956م، أُغلقت المكتبة وحُوِّلت كتبها إلى متجرٍ صغير في البلدة القديمة في القطيف. وحين اعتُقلت مجموعة أخرى ارتبط اسمها بالمكتبة عامَ 1957م، تم فتح المكتبة من جديد، غير أنّ انقساماتٍ إيديولجية بدأت بالظهور بين نشطاء القطيف، لتعكسَ انقسام العالم العربي الأوسع ما بينَ بعثيين وناصريين وعربٍ قوميين وشيوعيين. كان لهذه الانقسامات أثر على المكتبة، فبدأت المجموعات الإيديولوجية المتنافسة بالتشكيك في أحقية المؤمنين بتيارات إيديولجية أخرى في الدخول إلى المكتبة.

رسم 4: منشور وُزِّع في الخبر في 19 و20 أغسطس 1954
رسم 4: منشور وُزِّع في الخبر في 19 و20 أغسطس 1954

كانت المكتبة معروفة على نطاق الخليج الواسع. يتذكّر ناشط عمّالي بحرينيٌّ مخضرمٌ، عمل في الدمام خلال منتصف الستينات وتواصل مع النشطاء السعوديين المحليين، مدى انبهاره بالمكتبة في القطيف وذكرَ كيف كانت أكبر من مكتباتٍ في أغلب مناطق دول الخليج الأخرى. لم ينحصر التسييس على المكتبة فحسبٍ على كل حال. فقد سعت «المنشورات ذات الهوى الشيوعيّ» (انظر رسم 4) والحلقات الدراسية غير الرسمية وَالمجلات وَالصحف إلى تحقيق الغرض ذاته.

شكّلَ التغلب على الانقسام بين السنة والشيعة المُسلمين جزءاً مهمّاً من هذه الجهود السياسية. فبدأ الشيعة القطيفيون في جمعية العلم للنضال بالتعاون مع شبابٍ سنةٍ من الجبيل عام 1950 وقاموا قانونياً بنشرِ مجموعةٍ من الأعداد للجريدة الأسبوعية «الفجر الجديد» عام 1955م. صدرت هذه الجريدة رسمياً يرأسها الأخوان يوسف وأحمد الشيخ يعقوب، إلا أنّها مثلت منبراً للنشطاء اليساريين والقيادات التي برزت خلال إضراب 1953م. لكن الجريدة أُغلقت من جديدٍ فور توجيه تهمةٍ إلى محررها، يوسف الشيخ يعقوب، بالإساءة إلى وزير الداخلية. أرسل اليساريّون الشبابُ من القطيف عريضةً للملك سعود سائلينه مخاطبة أمير المنطقة الشرقية، دونَ جدوى. أسس المسؤولون عن «الفجر الجديد» أيضاً مكتبة الدمام العامة في 1955م، التي أمّنوا لها تبرّعاتٍ من شركة أرامكو.

رسم 5: صورة لشارعٍ في الدمام
رسم 5: صورة لشارعٍ في الدمام

عامَ 1953، أرادَ أحد المنتمين إلى «جمعية العِلم للنضال» تأسيس جريدةٍ تُدعى «الجزيرة» لكن السلطات رفضت منحه تصريحاً. مثّلت هذه المحاولة جزءاً من محاولاتٍ لخلق صحافةٍ حرّةٍ، وإن قَصُر عمرها، في المنطقة الشرقية منتصفَ الخمسينات، والتي تضمنت أيضاً «أخبار الظهران» وَالصحيفة الثقافية «الإشعاع»، التي صدرت في الخبر ما بين 1955 و1957. امتلأت هذه الصحف برسائل وافتتاحيّات تناقش قضايا الأمة العربية ومظالم المجتمع. أصبح «توظيف القومية العربية» في هذه الصحف «نموذجاً لنقد الدولة السعودية وانتقاد التنمية».

تأثرت حركة الطباعة هذه، وخاصةً صحيفة «الإشعاع» الثقافية، بمطبوعاتٍ سبقتها في البحرين مثل «صوت البحرين». أصبحت هذه الصحيفة، التي صدرت ما بين 1950 و1954م، مِنصَّةً للكُتّاب القوميين التقدميين من الخليج، بما فيهم الكثير من السعوديين. فعلى سبيل المثال، كان عبد الرسول (عبد الله) الجِشّي، الناشط اليساريّ من القطيف، مُساهِماً دائماً. كانت الصحيفة تُوزَّع على نطاق الخليج الواسع وتتضمَّن مقالاتٍ عن المنطقة الشرقيّة، بما فيها الحركة العماليّة في أرامكو. شكّلت «صوت البحرين» مِنصّة انطلاقٍ للحركة السياسية الوطنية متداخلة الطوائف في البحرين، المُسمّاة بـ«الهيئة التنفيذية العُليا». أصبحت هذه الهيئة القوّةَ الدافعة للاحتجاجات الشعبية في البحرين في الخمسينات، وَكان لها أثرٌ بالغ على الأرضِ السعودية. في واقع الأمر، تابع السعوديون عن كثبٍ التطوّرات السياسية في دبي والكويت والبحرين، حيث وقعت اضطراباتٌ في الحضر، وازدهرت حركاتٌ معادية للاستعمار، ودعا البعضُ إلى إنشاء برلماناتٍ منتخبة. كذلك شكلت البحرين مقرّاً لتنظيم الإضرابات والاحتجاجات ولتوطيد الشبكات السريّة. توجَّهَ بعضُ العمّال المتّحدين من أرامكو إلى البحرين خلال عطل نهاية الأسبوع ليستمتعوا بأجواء أكثر تحرراً، ويُعِدّوا للخطوة القادمة.

إضراب 1953م: العُمّال المهاجرون وَالموارد التنظيمية ومحاولات التنظيم النقابي

إنَّ ضآلة المصادر المتوفّرة والاستخدام الواسع للأسماء الوهميّة في المطبوعات يجعلان من العسير التعرّفَ بموثوقيةٍ إلى الفاعلين الحاضرين في فضاءات المُعارَضة الموصوفة آنفاً وَأولئك المنخرطين في التعبئة العمّالية اللاحقة في شركة أرامكو. غير أنَّ النظر إلى تسلسل الأحداث والمطالب المرفوعة والإحالات السياسية والإيديولجية المُستخدمة يرجحُ أن النشاط الشعبي حول القطيف، والجوّ الثوريّ في المنطقة، والصحافة الراديكالية مهّدت جميعاً للإضرابات في قطاع النفط. أدَّت هذه العوامل، إلى جانب شبكات العلاقات الشخصية والموارد التنظيمية، إلى تمكين الحركة العمّالية وأمّنت لها الدعم في المجتمعات المحيطة خارج مخيمات العمال، كما أمنت لها إمكانية الاستمرار فترةً معينةً من الزمن.

وقعت أوَّل تعبئة عمّالية موثقةٍ في أرامكو بتاريخ 11 يونيو 1945م، حينَ قام مئات العمال بأعمال شغبٍ في مصفاة راس تنورة احتجاجاً على التمويل الغذائي السيئ وَمضايقات حُرّاس الشركة. في 12 يوليو 1945م، بدأ 137 عاملَ حفرٍ عربيٍّ في مدينة الظهران إضراباً احتجاجاً على الرواتب والحوافز غير المتكافئة مقارنةً بالعمّال الأمريكيين والأجانب، وفي الرابع من أغسطس استأنفت «القوى العمالية بأسرها متمثلةً في 9 آلاف عربي موظفين في الظهران وراس تنورة ومناطق العمل المجاورة» إضراباً ضد شركة أرامكو. اضطرت أرامكو آخر الأمر للتفاوض مع لجنة العمال المختارة من قبل الحاكم المحليّ لإنهاء الإضراب. كما نفذ قرابة الثمانمئة عامل إيطاليٍّ إضراباً لمدة أسبوع في مايو 1947م. انتهى الإضراب باستقالاتٍ مُوسَّعة وترحيل 40 بالمئة من العمال الإيطاليين إلى إريتيريا، التي قدموا منها إلى السعودية ابتداءاً.

إلا أن حركة الإضراب الأكبر وقعت في عاميّ 1953 و1965م وتم تنفيذها من قبل السعوديين والمهاجرين العرب معاً. في 1953، طالبت لجنة عمالية مكونة من سبعة سعوديين ابتعثوا للدراسة في الولايات المتحدة وبيروت بأوضاعٍ أفضل للعمال السعوديين. قدّمت عرائض لشركة أرامكو والحكومة السعودية وطالبت بالاعتراف بها كممثلٍ قانونيٍّ لعمّال أرامكو، المطلب الذي كان سيؤدي إلى تنظيم نقابي فعالٍ للقوى العاملة السعودية. كان عبد العزيز السنيد، رئيسَ اللجنة، شيوعياً. وُلد السنيد في سوق الشيوخ في العراق لأمٍ عراقية وأب سعودي، وتلقى تعليمه في العراق حيث تأثر بالأفكار الشيوعية. التحق بأرامكو كمُدَرِّسٍ مساعدٍ عامَ 1949 ثم تابع دروساً صيفيةً في الجامعة الأمريكية في بيروت، واحدة من المراكز الثقافية الرئيسية لليسار العربيّ. في أرامكو، أنشأ لجنةً للعمال مع عددٍ من العمال الشيوعيين الفلسطينيين.

رسم 6: صورة جوية للظهران، السعودية
رسم 6: صورة جوية للظهران، السعودية

بعثت الحكومة بلجنةٍ للنظر في ظروف العمل في أرامكو، وحين طالبت لجنة العمال بالاعتراف الرسميّ بهم كشرطٍ أوليٍّ للمباحثات مع لجنة الحكومة، تم اعتقال أعضائها في 15 أوكتوبر 1953 وسجنهم في مدينة الهفوف. واحتجاجاً على الأمر، نظَّم عمال أرامكو إضراباً لمدة تقارب الأسبوعين. اجتمع العمال في مخيم العمال السعوديين المنفصل للتشاور، أما من كان من المنطقة الشرقية فتوجهوا إلى منازلهم في قراهم ومدنهم، حيث واصلوا إقامة الاجتماعات الشعبية لمناقشة تطورات الإضراب. في القطيف، على وجهٍ أخصّ، عُقدت التجمعات في منازل العزاء الشيعية، المٌسمَّاة بالحسينيات، مثل حسينية العوامي في البلدة القديمة. هذه الموارد التنظيمية كانت مختصةً بالمناطق الشيعية ولعبت دوراً في الحركة العمالية في المنطقة بأسرها. قامت الحكومة السعودية – بالتعاون مع أرامكو- بترحيل قادة الإضراب والعديد من العمال الأجانب المتورطين في الاحتجاجات. إلا أن أرامكو أجبرت على منح بعض الامتيازات للعمال بعد موت الملك عبد العزيز في 9 نوفمبر 1953.

اتسم عهد الملك سعود بالصراع داخل العائلة المالكة، والذي تجلّى في ظهور حركة «الأمراء الأحرار» المعارضة تحت قيادة الأمير طلال وَفي المنافسة مع أخيه غير الشقيق فيصل. كانت السياسات الداخلية والتحالفات الخارجية للسعوديّة في حالِ تَبدُّلٍ حينها، متجهةً بشكلٍ منتظمٍ نحو حكومةٍ أكثر تحملاً للمسؤولية، متجسدةً في انتخاباتٍ بلديةٍ على مستوى البلاد، وحقوق عمالية أكبر، واقترابٍ من حركة عدم الانحياز، لكنها من جهةٍ أخرى اتسمت بقمع حركة العمّال ومركزية السلطة السياسية والتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة في الحرب الباردة.

إذن لم يقتصر تأثير الأيديولوجيات والشبكات اليساريّة على شركة أرامكو فحسب. فخلال هذه الفترة، امتاز المسؤولون من القوميين العرب واليساريين بالقوّة في الطبقة البيروقراطية متزايدة النمو، خاصةً في وزارة النفط التي منحت النشطاء الموظفين في قطاع الزيت فرصةً للمناورة. كما كسب اليساريون والقوميون مقاعد في الانتخابات البلديّة التي أقيمت في السعودية في الخمسينات والستينات، ولا سيما في مدن القطيف والدمام والخبر والهفوف.

إضراب 1965م: تجدد الحركة العماليّة والمظاهرات والقمع

بعد اعتقالات 1953، واصلت الحركة العمالية نشاطها خفيةً، وفورَ عودة المفصولين من أعمالهم إلى شركة أرامكو، سعى النشطاء  لتعبئة العمّال مرّةً أخرى. واصل المدرسون الأجانب من سوريا ولبنان وفلسطين نشر أفكارهم اليسارية والعروبية، وحين أُطلق سراح قادة إضرابات 1953 و1955، قاموا بعقد جلسات نقاشٍ سريةٍ أسبوعيةٍ مع العمّال حولَ مستقبل الحركة العمالية. تزامنت هذه الحركة العماليّة المتجددة مع ذروة التعاون بين السعودية ومصر، ومعَ رفض السعودية توقيعَ حلف بغداد الذي أُطلق في فبراير 1955 كتحالفٍ بين الأنظمة المحافظة في الشرق الأوسط. بعثت الحكومة بلجنةٍ أخرى لتقصّي وضع العمال خلال مايو 1956. حين قام الملك سعود بزيارة الظهران عامَ 1956، نادت إحدى المظاهرات بإزالة القاعدة العسكرية الأمريكية هناك وتأميم شركة أرامكو. كان هذا الاستفزاز محسوباً، وإن لم تندد المظاهرة بالمَلِكِ مباشرة.

في أوائل يونيو 1956، نُظِّم إضرابٌ عام في أرامكو حيث طالب العُمّال بتحسين ظروف العمل والرواتب وبحقّ التنظيم النقابيّ. إلا أن الإضراب تعرض للقمع بعنف، تبعَ ذلك إصدار مرسومٍ يحظر أي شكلٍ من أشكال الإضراب. في منتصف يوليو اندلعَ اشتباكٌ في راس تنورة حينَ حاول عمّال أرامكو السعوديين اقتحام دارٍ للسينما كانوا ممنوعين من ارتيادها على أسسٍ عنصرية. قام أفراد الأمن، بمعونة الحرس الشخصي لأمير المنطقة، بضرب المتظاهرين، ليقتلوا ويجرحوا منهم العديد. ذاعت أنباء الحادثة سريعاً في المنطقة، بما فيها القطيف، حيث نظّم طلاب مدارس أرامكو اجتماعاً، وازدادَ الوضع توتّراً.

ردّت الدولة بحملةِ قمعٍ، وعلى أعقاب حوادث الإضراب تمّ اعتقال قادة الحركة العمالية وحظر المظاهرات والنقابات العمالية والإضرابات. كما أغلقت أهم ثلاث صحف واعتُقل محرريها لمُددٍ قصيرة. وفي حين استهدفت الموجةُ الأولى من الاعتقالات النشطاء من شركة أرامكو، فإنّ أولئك المنخرطين في الحركة العمالية من خارج الشرطة عانوا من القمع لاحقاً أيضاً. إلا أن بعض القيادات تمكنوا من الهرب، كناصر السعيد على سبيل المثال. يشيع الاعتقاد بأن ناصر السعيد، وأصله من حائل في شمال البلاد، كان واحداً من قادةِ الإضرابات وأحد مؤسسي «جبهة الإصلاح الوطني». هربَ من السعودية إلى دمشق بعد إضراب 1956 وأسس «اتحاد شعب الجزيرة العربية» الناصريّ.

تمّ حبس الكثير في الدمام وفي السجن العثماني السابق في البلدة القديمة في الهفوف بالأحساء. بعد حملة الاعتقالات الأولى، توجه وفدٌ من وجهاء القطيف تحت قيادة القاضي الشيعي في القطيف، محمد علي الخنيزي، لمقابلة سعود بن جلوي في محاولةٍ لإطلاق سراح السجناء. غير أنّ بن جلوي اسشتاط غضباً ورفضَ طلبهم. 

تأثير الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر

حين زار الملك سعود المنطقة الشرقية بصحبة الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1956م، قدم جمهورٌ ضخم لاستقبالهما معاً، إلا أن دعم الجمهور كان موجهاً لناصر خصيصاً. تمتع ناصر بشعبيةٍ واسعة بين العديد من السعوديين، ولا سيما في المنطقة الشرقية والحجاز، كذلك اعتنق بعض النشطاء السياسيين السعوديين الناصريةَ كإيديولوجية سياسية. نالت رؤيته حول التنمية الاقتصادية ومناهضة الاستعمار والقومية العربية استحسان الكثيرين، بما في ذلك بعض الأمراء وَ بعض المسؤولين الجدد من الشريحة البيروقراطية.

وانعكاساً للمنصب الذي تمتع به ناصر حول العالم العربي، قرر بعض السجناء السياسيين الكتابة لناصر والملك سعود بشكلٍ منفصل مطالبين إطلاقَ سراحهم. وصلت الرسائل الملك سعود وناصرَ معاً، إلا أنّ ناصر لم يرد التورط بالشؤون الداخلية السعودية في هذه المرحلة، ورفض استخدام الضغط الدبلوماسي للإفراج عن السجناء.

بعدَ ذلك، وفي خريف 1956، تم اعتقال مجموعة أخرى من النشطاء السياسيين بتهمة توزيعِ منشوراتٍ تخريبية. تم العثور على بعض الدعايات السياسية في منزل شيخٍ شيعي من سيهات، اسمه عبد المحسن النصر، والذي تم اعتقاله على إثرها. قام ابنه، جعفر النصر، وهو ناشط وعامل أرامكو، بتوزيع المنشورات. قائد المجموعة الصغيرة التي أصدرت المنشورات كان عراقياً مُنح الجنسية السعودية خلال فترة عمله في أرامكو. وَنُزعت الجنسية منه بعد الإفراج عنه من السجن.

حين قام الملك سعود بزيارة المنطقة الشرقية ثانيةً، تقدّم له قاضي الشيعة الجديد في القطيف، محمد صالح المبارك، بطلب الإفراج عن السجناء السياسيين. ويبدو أنه لهذا السبب وبسبب مطالب مشابهة، أُفرِج عن السجناء السياسيين في 27 أوكتوبر 1957. قد يحسب المرء أن النظام شعرَ ذلك الوقت بقدرته على السيطرة على الحركة العمّالية ليُقدِمَ على هذه الخطوة. إلا أنه باعتبار القرب الجغرافيّ والصلات التاريخية لمنطقة الحجاز الغربية بمصر، فإنّ تأثير الناصرية عليها كان أكبر منه على المنطقة الشرقية.

الانقسامات الإيديولوجية وَالشيوعيون وتأسيس الأحزاب المعارضة

أدّى حظر المظاهرات والإضرابات، والحملة الأمنية القاسية على قادة حركة العمّال، والتحسين التدريجي لوضع السعوديين في أرامكو إلى منع حدوث إضرابات واسعة النطاق بعد 1956م. عوضاً عن ذلك، فإن ما بدأ كحركة عمالٍ ذات أسس طبقيّة (class-based) بهدفٍ محدودٍ هو تحسين وضع العمّال في أرامكو أضحى صراعاً سياسياً، أما اليساريون الذين واصلوا نشاطهم بعد 1956 فشكّلوا جماعات سريةٍ سعت إلى تغيير سياسي واجتماعيٍ واسعٍ على امتداد السعوديّة. حُبس قادة إضراب أرامكو 1956م معاً في السجن القديم بالهفوف. ورغم أن النشطاء اليساريين من مختلف التوجهات الإيديولوجية عملوا معاً في بداية الأمر، لكنْ يبدو أن الوقت الذي أمضوه معاً في السجن أدّى لشحذ انقساماتهم الإيديولوجية. كانَ الصدع الأكبر بينَ الماركسيين والقوميين العرب. في السجنِ بُذرت نواةُ الأحزاب السياسية السرية الأولى، والتي ستبُنى وفقاً للاتجاهات الإيديولوجية.

سبق عددٌ من النشطاء إلى تأسيس جبهة الإصلاح الوطني عام 1954م، والتي أُعيد تسميتها إلى «جبهة التحرر الوطني» حوالي 1957-1958م. ضمَّت هذه الجماعة، التي حشدت أغلب مؤيديها من الحركة العمالية في المنطقة الشرقية، مختلف التيارات الإيديولوجية بادئ الأمر، رغم تميزها بطابعٍ شيوعي قويّ.

تمثلت التيارات الرئيسية للمعارضة السعودية العلمانية في الشيوعيين التقليديين، وَالماركسيين الذين ابتغوا الحفاظ على استقلالهم عن الشيوعية السوفييتية الرسمية، وَالقوميين الذين ضمّوا صنوفاً عدةً من البعثيين والعروبيين والناصريين. في المنفى انحازوا إلى ميول السياسة الخارجية المتبدّلة للأنظمة الثورية لتلك الدول. إذن انعكست انقسامات اليسار العربي على المشهد المحليّ وضاعفت تشظي اليساريين السعوديين الذين كان عددهم ضئيلاً على أي حال.
استغلت جبهة التحرر الوطني موسم الحج إلى مكة عامَ 1958 لتوزيع منشوراتٍ على الحجاج، لم تطالب فيها بتحرير عمال أرامكو فحسب، بل بالمساواة بين الشيعة والسنة وإلغاء الضرائب الخاصة على الشيعة. انضمت جبهة التحرر الوطني لتحالفات عدّةٍ مع جماعات أخرى، منها جبهة التحرر الوطني العربيّة بقيادة الأمير السعودي المعارض طلال بن عبد العزيز. كانت الجماعة مزيجاً ضمَّ بعضاً من «الأمراء الأحرار» الملتفين حول طلال، بالإضافة إلى الشيخ ابراهيم أبو طقيقة، وعبد العزيز السنيد، وعبد الله الطريقي، والشيخ الشيعيّ عبد الكريم الحمود من سيهات. رغم أن الأخير لم يكن عاملاً في أرامكو، إلا أنه شارك في المظاهراتِ عامَ 1956م، واعتُقل لمدة وجيزة، قبل أن يغادر إلى بيروت في العام ذاته. في بيروت عمل إلى جانب ناصر السعيد وقامت الحكومة السعودية بسحب جنسيّته بسبب نشاطاته المعارِضة.

بعد ثورة الرابع عشر من يوليو عامَ 1958 في العراق، والتي أطاحت بالنظام الملكيّ، تمكن الحزب الشيوعيّ العراقيّ من العمل بشكلٍ أكثر علنيّة. عزز هذا الأمر الشيوعيين في المنطقة، بما فيها المملكة العربية السعودية. غادر عبد العزيز السنيد – الذي كان نصفَ عراقيٍّ وأحدَ قادة الشيوعيين السعوديين – إلى العراق. لكن حين تضاعف اضطهاد الشيوعيين في العراق وأضحوا أحدَ الأعداء الداخليين لحزب البعث العراقيّ، انتقلَ إلى بيروت وأصبحَ ممثِّلاً للشيوعيين السعوديين في الخارج. بعدَ رحيله اضطر السعوديون الشيوعيون في الداخل إلى إعادة تنظيم أنفسهم. تولّت إدارةٌ ثلاثية دفة القيادة في المنطقة الشرقية: أصبح علي العوامي، وَ هو وجيهٌ قطيفيُّ عمل في بلدية القطيف، قائد الخليّة في القطيف، أما يوسف الشيخ يعقوب، المحرر السابق للجريدة الراديكالية «الفجر الجديد»، فأصبحَ قائد الخلية في الخبر والدمام.

العروبيّون في الجزيرة العربية بين البعث السوريّ والعراقيّ

شايعَ بعض عمّال أرامكو السعوديون حزبَ البعث، متأثرين بعضَ الشئ بأفكار المدرّسين أو العمّال العرب من غير السعوديين، وَشيئاً بالطلاب السعوديين العائدين من بغداد ودمشق والقاهرة وبيروت. شمل هؤلاء محمّد الربيع، وَهو عاملٌ في أرامكو اعتُقل في 1956م وَمات في السجن، والوجيه الشيعي ميرزا الخنيزي. يعدُّ علي غنّام من الجبيل، الذي عمل في أرامكو حتى 1950، ناشطاً آخر من النشطاء الأوائل، أصبح لاحقاً الوجهَ الشعبيّ لحزب البعث السعوديّ في الخارج. أسس هؤلاء «منظّمة أحرار الجزيرة العربية» التي كانت نواة حزب البعث السعوديّ وشاركت في التعبئة العمالية في أرامكو عامَ 1956م.

لم يتّخذ البعثيّون اسمَ «حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ في السعودية» إلا بعدَ عدة سنوات. أصدرَ الحزب صحيفةً سريّة اسمها «صوت الجماهير» بدءاً من 1961م. اقتفى نشاطُ البعثيين في السعوديّة الهيكلَ العامَّ للتنظيمِ الذي أنشأه حزب البعث في البلاد الأخرى. كان التنظيمُ هرميّاً جداً وَمكوَّناً من خلايا سريّةٍ قد يبلغ عدد أعضائها ستّةً تقريباً. تُكوِّنُ ثلاثٌ إلى سبع خلايا منها جزءاً من «الفِرقة»، في حين تنضوي فرقتين إلى خمسِ فرقٍ تحت «الشعبة». في عام 1963م، أصبح حزب البعث السعوديّ يتكوّن من خمسِ فِرق: واحدة في الرياض، وأخرى في الساحل الشرقي (متضمِّنةً القطيف والدمام والخبر)، وثالثةً في الأحساء، والرابعة ضمَّت الحجاز والشمال معاً.

حضرت قيادات الفرق السعوديّة المؤتمرَ السنويَّ لحزب البعث على مستوى المنطقة. أصبح علي غنّام ممثلَ فرعِ حزب البعث في «الجزيرة والخليج العربي» في القيادة القوميّة لحزب البعث في العراق منذ أوائل الستينات حتى 1982م. عبد الرحمن منيف، المولود في عمّان لأبٍ سعودي وأمٍ عراقية، كانَ عضواً سعودياً آخر في القيادة القومية لحزب البعث في العراق. كان منيف خبيراً في النفط عملَ في قطاع النفط السعوديّ قبل مغادرته للخارج، تركَ حزب البعث لاحقاً ثمَّ ذاعَ صيته كروائيّ. يتناول الجزء الأول من خماسيّته «مدن الملح» على وجهٍ أخص أثر صناعات النفط على المنطقة الشرقية والحركة العمالية في شركة أرامكو.

رسم 7: دعاية مناهضة للشيوعيّة في عُمان
رسم 7: دعاية مناهضة للشيوعيّة في عُمان

أنشأ الطلاب البعثيون واليساريون جماعةَ «الطلائع الطلابية الثورية» عامَ 1962، التي امتدّت إلى الدمام والرياض والقصيم، إلا أن أعضاءها اعتُقلوا في 1964م. جنَّد البعثيون الطلابَ في المدارس والجامعات، فصاروا يقرؤون الأدب البعثي والاشتراكي في الاجتماعات الأسبوعية لخلاياهم السريّة. أصبحَ عبد المجيد الشمّاسي، الذي درس في العراق أوائلَ الخمسينات، عضواً قيادياً في حزب البعث السعوديّ عامَ 1962. أكثر من دزّينةٍ من أفراد آل الشمّاسي، وهي إحدى العائلات الوجيهة الشهيرة في القطيف، تمَّ اعتقالها في الخمسينات والستينات بسبب أنشطةٍ سياسية بعثية. في الستيناتِ عمل عبد المجيد في بنكٍ في الدمام أولاً ثم في القطيف، ويُنقَل أنه مات تحت التعذيب في 1969. أصبح يوسف مكّي، وهو شيعيٌّ من سيهات، مؤيداً للحزب في 1963 وشارك في تنظيم مظاهراتٍ في 1967، التي تمَّ اعتقاله على إثرها.

وإذ كان حزب البعث قويّاً نسبياً في أوساط المثقفين والمناطق الشيعية، فقد حاول التغلغل في الجيشِ أيضاً دون نجاحٍ يُذكر. بعد عام 1963، وقع انقسامٌ حادٌّ في حزب البعث ما بين الاشتراكيين الراديكاليين وَالجناح اليمينيّ الأشدّ اتساماً بالعسكريّة، وَبين الفرعين السوريّ والعراقي. كان لهذه الانقسامات على مستوى المنطقة بالغ الأثر على السعوديين وفروع الخليج الأخرى. أنشأ الجناح اليساريّ لحزب البعث «الجبهةَ الديمقراطية الشعبية في الجزيرة العربية»، مُعيّناً أنور ثابت كواحدٍ من قياداتها وَميرزا الخنيزي أميناً لها. وعلى النقيض من الجناح اليمينيّ، فقد حددت الجبهة هويّتها كماركسيّةٍ لينينيّة. على الرغم من إيمانها بالصراع المسلّح، إلا أنها فشلت في تنفيذ أي هجماتٍ مخططة. كما كانت مرتبطة بادئ الأمر بالفرع البحرينيّ لحركة القوميين العرب، المنظمة العروبية ذات القاعدة الفلسطينية القوية التي أسسها جورج حبش.

تلقّى بقيّة السعوديين البعثيين الموالين لصدّام حسين دعماً بعد الانقلاب في العراق عامَ 1968م وانتقلَ قادة البعث على إثره إلى بغداد. هناكَ منحهم الدعم العراقيّ وقتاً في إذاعة بغداد ومكّنَ من إنتاج دوريّةٍ سُمّيت «صوت الطلائع» ابتداءاً من 1973. حررَ الصحيفة أعضاء حزب البعث السعوديّ المنفيين في القاهرة وبغداد، وطُبعت في العراق. ضمّت الصحيفة عدة مقالات عن تاريخ الحركة العمالية في السعوديّة ومثّلت مصدراً رئيساً لهذا المقال. بعد العفو الصادر عام 1975 عن المعارضين السعوديين، توقفت عن الصدور بانتظام، رغم أن بعض الأعداد نُشرت من وقتٍ لآخر حتى أوائل الثمانينات. حين تحالف صدام حسين والسعوديّة مع بعضهم البعض ضد إيران في الحرب الإيرانية العراقية، كُممت النشاطات الترويجية الصادرة عمّن تبقى من البعثيين السعوديين.

إحدى أبرز أنشطة البعثيين السعوديين كانت انخراطهم في المظاهرات وأحداث الشغب التي وقعت عام 1976 كردٍ على حرب الستة أيام بين العرب واسرائيل. ضمَّت هذه المظاهرات عدّة آلاف من المتظاهرين من الظهران وراس تنورة والقطيف والدمام، متصدّرين الهجوم على القنصلية الأمريكية في الظهران إلى جانب الهجوم على بنية أرامكو التحتية. إنّ اعتقال مئات النشطاء في 1967 و1969 بعدَ محاولة محبطة للانقلاب وجّهَ ضربةً قاضية لجميع المنظمات السعودية المعارضة، بما فيها البعثيين. في عام 1969، تم تفكيك العديد من الخلايا المتهمة بتدبير انقلاباتٍ، تلاها بعض الخلايا في القوات الجوية وبين الحجازيين. بما أن المخططات تركّزت في الجيش، التي لا يمثل الشيعة إلا نسبةً ضئيلة منه، فإنَّ القليل من الشيعة فقط تورطوا في الأمر. لكن العديد منهم قد اعتقلوا عامَ 1970 بتهمة الانتماء لحزب البعث، رغم أن الاعتقال قد يكون متعلقاً بمراسم الشيعة الدينية المقامة في الوقت ذاته.

من فلسطين إلى الخليج: حركة القوميين العرب

نُسب مخطط الانقلاب في 1969م (وهو واحدٌ من عدّة مخططات في أواخر الستينات) إلى حركة القوميين العرب. كانت قيادات جناح الخليج للحركةِ من الكويتيين عادةً، إلا أن الأعضاء الخليجيين من غير الكويتيين قرروا في اجتماعٍ سرّيٍ في دبي عام 1968 تكوين فروعٍ وطنية لكل منطقة في الخليج. أسس السعوديون «منظمة الثورة الوطنية في السعوديّة». وفي 1969 وَ1970 أسس هؤلاء «الحزب الديمقراطي الشعبي في الجزيرة العربية» ذا التوجه الماركسيّ اللينينيّ بمعيّة من تبقى من كوادر الجبهة الديمقراطية الشعبية في الجزيرة العربية من أمثال أنور ثابت.

سعى الحزب اللاحتفاظ باستقلاله عن الأنظمة الأجنبية والتوسّع على امتداد المملكة العربية السعودية، لذا شكّلت لجنة مكونة من أربعة: ميرزا الخنيزي وعبد المحسن الخنيزي في المنطقة الشرقية، إضافة إلى آخر نجديٍ ورابعٍ حجازي. كان من المعتاد أن ينخرط أفراد العائلة الواحدة في السياسة وينضمّوا لنفس الحركة. عمل عبد المحسن الخنيزي مع ميرزا الخنيزي حتى اعتقال الأخير في 1969. وخلافاً لأفراد عائلة الخنيزي الآخرين الذين سكنوا البلدة القديمة في القطيف، نشأ عبد المحسن في قرية العوّامية. شكّل هذا أحد أسباب عدم انضمامه إلى الشيوعيين أو حزب البعث، الذين تمركزت قاعدتهم في بلدة القطيف. على النقيض منهم، حظى الحزب الديمقراطي الشعبي بشعبيّةٍ في القرى الشيعيّة كالعوامية وصفوى، وسيهات لاحقاً.

احتفظ الحزب بصلاتٍ محدودة بحركة القوميين العرب وفرعه الفلسطينيّ المُسمّى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. قاتل بعض السعوديين إلى جوار الجبهة الشعبية ضد اسرائيل، لكن مجال التعاون الرئيس بين يساريي الخليج وحركة الثوميين إنما وقعَ في ظفار. قادت حركة القوميين العرب إلى جوار جماعات ظفار القبليّة تمرَّد عصاباتٍ في جبال ظفار في عمان. انخرط الفرعان الكويتيّ والبحرينيّ للحركة على وجه الخصوص بقوّةٍ في ظفار، إلا أن الفرع السعوديّ قدَّم دعمه أيضاً ونشط نفرٌ من أعضاءه هناك. كان أوّل مقاتل أجنبيّ يموتُ دعماً لثورة ظفار سعوديّاً، كما تضامنت حركات اليسار السعوديّ مع ظفار.

رسم 8: صورة لمقاتلي ظفار

ضَعف الحزب الديمقراطي الشعبي عامَ 1971 بانشقاق اثنين من فصائله: جبهة النضال الشعبي، التي أصدرت صحيفة «النضال»، وجبهة التحرر الوطني في السعوديّة. مع حلول عام 1972، تعرَّض الكثير من أعضاء الحزب للاعتقال في الحجاز والرياض والمنطقة الشرقية. وقد بلغ عدد أعضائه ربّما عدّة مئاتٍ، شكّل الشيعة نصفهم تقريباً. ولعلّها كانت أول جماعة معارَضة سعوديّة تملك جناحاً نسائياً. تم اعتقال أربع نساء عام 1969. وعلى الرغم من أمل الحزب في تحرير البلاد عن طريق الصراع المسلَّح، إلا أن البقية من كوادره غادرت السعودية بعدَ 1972 واستخدمت دمشق وبيروت واليمن الجنوبيّ لنشر صحيفةِ «الجزيرة الجديدة» منذ 1972 وحتى 1974. كما مكّنهم دعم اليمن الجنوبيّ من بثّ أول برامجهم الإذاعية إلى السعودية «صوت الجزيرة العربية» حتى عام 1975. وانعكاساً لقوّة المكوّن الشيعيّ فيه، لم يقتصر الحزب على التحليل الطبقيّ في منشوراته فحسب، بل شجبَ علناً التمييز الطائفي في السعودية.

الاحتواء: الحزب الشيوعيّ وانتفاضة 1979م

مع تولّي الملك خالد العرش في 1975م، صدر عفوٌ عام يقضي بالإفراج عن السجناء السياسيين المتبقين من الأحزاب العلمانية المعارضة والسماح لمن غادر خارجاً بالعودة. ضُمَّ العائدون تحت كنف جهاز الرعاية (patronage) التابع لدولة الريع السعوديّة التي ازدهرت منذ أزمة النفط عامَ 1973، قام هؤلاء بترسيخ أسمائهم كـ«ليبرالين» في الحقل الثقافي السعوديّ. البعض منهم، مثل عبد الكريم الحمود، أصبح جزءاً من سياسة الوجاهة الشيعية. في حين استقرّ القائد الشيوعيّ السعودي السابق إسحاق الشيخ يعقوب في البحرين، حيث أصبح مُدافعاً تبريرياً عن العائلة البحرينية الحاكمة.

أدّى العفو أيضاً إلى انحلال الحزب الديمقراطي الشعبي الذي أوقف نشاطاته الدعائية وعادَ أعضاؤه إلى البلاد. أصبح حزب العمل الإشتراكي في الجزيرة العربية، والذي سندعوه حزب العمل، الوريث الإيديولوجيّ للحزب الديمقراطيّ، بسبب توجهاته الماركسية اللينينية وتحالفه مع حركة القوميين العرب وَالجبهة الشعبية. أسس الطلاب السعوديون في الولايات المتحدة، الذين تأثروا بالقومية العربية، الحزبَ عام 1972. في ذلك الوقت تنافست على السيادة عدّة تيارات يسارية في «منظمة الطلاب العرب» في الولايات المتحدة: بعثيّون (من جناح العراق غالباً)، شيوعيون، عروبيون، وليبيون. شكّل هؤلاء الآلاف من الطلاب السعوديين في الولايات المتحدة أهميةً لهذه المنظمة، ولذا سعت التيارات المختلفة للتأثير عليهم وحملهم على قراءة إصداراتها.

في آخر الأمر، عاد الكثير من أعضاء حزب العمل إلى السعودية، وخاصةً إلى المنطقة الشرقية، وأصبحوا بيروقراطيين أو صحفيين. طالب حزب العمل بإنهاء التمييز ضد الشيعة، وعلى غرار سلفه دعا إلى الصراع المسلّح، إلا أن صوته لم يجد صدىً حتى انخراطه في انتفاضة المنطقة الشرقية عام 1979م.

رغم أن فصيلاً شيوعياً وُجِد مسبقاً داخل جبهة التحرر الوطني وجبهة التحرر الوطني العربيّة منذ 1961، إلا أن «الحزب الشيوعي في السعودية» (أو ما سندعوه «الحزب الشيوعي») لم يتأسس رسمياً حتى عام 1975م. عقد الحزب الشيوعي مؤتمراً تأسيسياً تضامن فيه بحزمٍ مع الشيوعية السوفييتية الرسمية، وطالب بدستورٍ ومجلس برلماني وبتأميم موارد النفط في السعودية. بعد 1975 لم يتبقَّ من الأحزاب اليسارية السعودية الفاعلة إلا حزب العمل والشيوعيون. غير أن العدد الفعليّ للمنتمين للحزب الشيوعيّ كان محدوداً ولم يتجاوز المائة.

رسم 9: انتفاضة عام 1979م
رسم 9: انتفاضة عام 1979م

شاركت الجماعتان في انتفاضة الشيعة في المنطقة الشرقية عام 1979م. وفي حين قاد الإسلاميون الشيعة الانتفاضة، انضم اليساريون للمظاهرات بشكلٍ مستقل: إذ حملوا يافطاتهم الخاصّة وحاولوا حثَّ الإسلاميين على عدم استخدام شعاراتٍ طائفية، مذكرين إياهم بأن «السعودية ليست إيران». كذلك جادلوا بأن على المتظاهرين التركيز على قضايا أوسع وأن الحكومة ستستغل الخطاب الطائفي كذريعةٍ للقمع. شاركَ اليساريون الشباب على وجه الخصوص في المظاهرات مدفوعين بمشاعر «التضامن المشترك» مع أقرانهم الشيعة وبرغبةٍ في الثورة، متجاوزين حدود الانتماءات السياسية بعد موجة العنف الأولى. بل زعمَ الشيوعيون بأنَّ الانتفاضة امتدت في أيامها الأولى إلى الخبر والدمام. قبل بدء الانتفاضة في المنطقة الشرقية بأيامٍ معدودة، اقتحمت مجموعة مسلحة من المتمردين تحتَ قيادة جهيمان العتيبي الحرمَ المكي. وعلى غرار الإسلاميين الشيعة، حاول اليساريون ربط احتلال الحرم المكي بالانتفاضة في المنطقة الشرقية. إلا أنهم على النقيض من الإسلاميين، لم ينظروا إلى الحادثة كعلامة على صعودٍ إسلامي يتجاوز الانقسامات الطائفية والجغرافية، بل وصفوا الحدثين كجزءٍ من ثورةٍ شعبيةٍ واسعة النطاق في السعودية.

خُلاصة

يمكن تتبع تاريخ الحراك السياسي المنظم في المنطقة الشرقية في السعودية إلى الحركة العمالية في أرامكو في الخمسينات. في ذلك الوقت، شهدت المنطقة الشرقية إضراباتٍ وتأثيراً لأصنافٍ متنوعةٍ من الحركات والأفكار العلمانية، من الناصريين والبعثيين وحتى الشيوعيين. غيّرت صناعة النفط وجه المنطقة الشرقية جذرياً وأدت إلى تنمية متسارعةٍ ضاعفت من النشاط الاقتصادي وَوفرت فرصاً وظيفية للكثيرين. لكنّها غيرت جذرياً أيضاً التركيب الاجتماعي للمنطقة، وأدت إلى خلق الحركات العمالية الأولى ورفع مستوى التوقعات مما ينبغي على عائد النفط أن يحققه للشعب. أثبتت الإضرابات وجودَ قدرة تعبوية معيّنة ذات طابع طبقيّ في الخمسينات. وعلى هذا الحال، عوضاً عن أن يقوم النفط بتخدير الشعب، فإن تدفق أموال النفط والمهاجرين غذَّى حركات المعارضة الأولى في المملكة أيضاً. سهَّل للحركة العمالية والنشاط اليساريّ وجودُ فضاءٍ عام، متمثلاً في الصحف وانتشار الإيديولوجيات من مراكز السياسة الراديكالية في العالم العربي عبر المدرسين والطلاب والعمال المهاجرين.

في عيون هؤلاء النشطاء، كانت منطقة الخليج والجزيرة العربية بأسرها حقلاً عابراً للأوطان، دعت فيها الحاجةُ لتعاونٍ بين النشطاء يتجاوز الحدود الوطنية. مثّل القرب من محمية جزيرة البحرين البريطانية عاملاً مهمّاً آخر. حيثُ سبقت الجزيرة إلى تقديم مفاهيم حقوق العمّال والتمثيل العمّالي، كما استُخدمت البحرين كقاعدةٍ تنظيمية من قبل بعض النشطاء العماليين السعوديين. كذلك تنقّل النشطاء البحرينيون بين البحرين والمنطقة الشرقية. كانت الكثير من العلاقات بالبحرين عائليّةَ المنشأ، مما يسلط الضوء على سمةٍ اتسمت بها الحركةُ العمالية وعمليّةُ التجنيدِ للحركات القومية واليساريّة السريّة. ولأن عقوبة الانتماء لهذه المنظمات هو الإعدام، تعيَّنَ تجنيدُ من هم موضع ثقةٍ فقط، لذا اتجه المناضلون عادةً لتجنيد أشخاصٍ من أفراد عوائلهم ومن دوائرهم المقرَّبة. بناءً عليه ارتبطت عوائل معيّنة أو أحياء أو قرى حضريّة بعينها بجماعة سياسيّة واحدةٍ أحياناً.

وكما في بقية البلدان العربية الأخرى، بحثت الأقليات الدينية كالشيعة عن ملجأ في الحركات اليسارية العلمانية غير الطائفية. على وجهٍ رئيسٍ، انجذبت لهذه الحركات النخبةُ المتعلّمة – من عوائل الوجهاء- وَالعاملين في شركة أرامكو. وَللموارد المؤسساتيّة -التي كان بوسع الوجهاء الشيعة تقديمها للحركة العماليّة وَسياسيات المعارضة، متمثلةً في النوادي الاجتماعية والمنازل الخاصة – أهميّةٌ عظمى. ذلك أنها وفّرت حلقة وصلٍ بين من لا أرضَ لهم والعمّال الفقراء الساكنين في مخيّمات النفط من جهة وَبين المسؤولين القوميين في وزارة النفط ومكاتب العمل الحكومية من جهة أخرى. اتّخذ بعض هؤلاء المسؤولين موقفاً مؤيداً لمطالب المضربين، إلا أنههم أُبعِدوا عن مناصبهم تدريجيّاً.

دفعت تجربة الحركات العمالية والسياسة الراديكاليّة على امتداد دول الخليج في منتصف القرن العشرين الأنظمةَ للسعي عن وسائل لمنع أمثال هذه التحديات الشديدة ضدَّ حكمهم مستقبلاً. أصبح القمع وسيلةً مهمة. وقعت اعتقالاتٌ واسعة، عُومل السجناء بغلظة، وَمُنعت الإضرابات والمظاهرات وكل أشكال التنظيم السياسي بعدَ عام 1956. لكنّ الأنظمة اتخذت إجراءاتٍ أخرى أيضاً. بسبب إدراكها أن بعض الأفكار الراديكاليّة إنما انتشرت بين عمّال النفط عبر الفلسطينيين والمصريين والعراقيين والسوريين وعمّال مهاجرين آخرين، بدأت الأنظمة الخليجية تدريجياً باستبدال هؤلاء العمال العرب المهاجرين المنخرطين في السياسة بعمّالٍ من جنوب شرق آسيا. بدا هؤلاء – الذين يشكلون حالياً معظم الطبقة العاملة في دول الخليج – أسهل احتواءاً. إذ يسهل إعادتهم لأوطانهم الأصل لو طالبوا يوماً بحقوقٍ أكثر. كما أن حواجز اللغة والثقافة حالت بشكلٍ كبير دونَ تعاونهم مع النشطاء المحليين.

إضافة لذلك، ضاعفت الطفرة النفطية في السبعينات من الموارد الاقتصادية المتوفّرة للنظام والتي أتاحت له شراء المعارضين الحاليين والمحتملين. سكَّنت المكرماتُ الاقتصادية التي قدمها النظام العديدَ من النشطاء العماليين والمعارضين السياسيين السابقين. بعدَ عفوٍ عامٍ صدر في 1975م والذي سعى لاحتواء من تبقى من المعارضين، عاد معظم اليساريين إلى السعودية وأوقفوا نشاطاتهم السياسية. في واقع الأمر، أصبح العديد من المعارضين السابقين أعضاء مهمين في شبكة الرعاية (patronage) السعوديّة والجهاز البيروقراطي. تمثلت المشاكل الرئيسية لحركات اليسار السعوديّ في اختلافاتهم الأيديولوجية، وَفي عجزهم عن تعبئة نسبة واسعة من الشعب، باستثناء إضرابات الخمسينات. وكَردٍ على تصاعد الحراك اليساري في الخمسينات والستينات، عمدت العائلة السعودية المالكة إلى توظيف الإسلام ونوعٍ من الرمزية القبليّة العربية بغرض خلقِ هويّةٍ جمعية فارقة للسعوديين. تم استخدام الإسلام الوهابي من قبل الدولة لمجابهة الأيديولوحيات العلمانية واليسارية. إلا أن لغة الإسلام أضحت تالياً الحقلَ الخطابيَّ الذي يمكن من خلاله تحدّي سياسةِ الهيمنة التي تتخذها الدولة السعودية. ابتداءً من السبعينات، أصبحت الحركات الإسلامية – بشقيها السني والشيعي معاً- القوى السياسية الكبرى التي وجّهت مشاعر التمرّد تحت هذه المَلَكيّة المطلقة.

المقال الأصلي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s