هُدنة عيد الميلاد

قبلَ مئة عامٍ من اليوم [الخامس والعشرين من ديسمبر]، ألقى الجنود أسلحتهم، تجاهلوا ضبّاطهم، وقاوموا الحرب.
قبلَ مئة عامٍ من اليوم [الخامس والعشرين من ديسمبر]، ألقى الجنود أسلحتهم، تجاهلوا ضبّاطهم، وقاوموا الحرب.

 بِقلم: روروي فانينغ

مع بزوغ الفجر قبل مئة عامٍ في مثِل هذا اليوم [الخامس والعشرين من ديسمبر]، كان جنود الحلفاء والألمانِ منهكين في خنادقهم المتقابلة على الجبهة الغربيّة في بلغاريا وفرنسا حين عصوا أوامِر رؤسائهم وأعلنوا بدأ هدنة.

حين ألقوا بأسلحتهم أرضًا، أخافوا بذلك صنّاع الحرب في العالم، مقدّمين لمحةً عن القوّة التي يمتلكها أُناسٌ بِلا رُتبةٍ ولا امتيازات، قوةٌ عن طريقها يستطيعون تحديد مصائرهم.

كان ذلك الشهر الخامس ممّا عُرِف في ذلك الوقت بمسمّى «الحرب العُظمى». كِلا الطرفين تاقوا للعودة لأوطانِهم. شعر الرجّال بالموت يلوّح في الخنادق، حيث رأوا أصحابهم يفارقون الحياة. حمِل هؤلاء الجنود أسلحةً وحشيّة: قاذفات لهب، غاز الكلوريد والخردل، أسلحة رشّاشة بإمكانها إطلاق 500 طلقة في كلّ دقيقة. وقد صُرِع مليونُ شخصٍ حتّى تلك اللحظة.

ولكن في ليلة عيد الميلاد عام 1914، انكشف مشهدٌ لا يصدّق. أصواتٌ خافتة، ترانيمٌ…تاهت مِن خنادقَ موحلة، شِبه متجمّدة، وملطّخةٍ بالدماء، حيث جلس جنودٌ إنكليزيّون وألمانيّون في تلك الليلة. ترانيمُ ألمانيّة وإنكليزيّة غُنِيّت: «كلٌ هادِئ، كلٌ ساطِع». عانق الجنود رؤوس بعض أشجار الصنوبر المقطوعة، المزيّنةِ بالشموع والفوانيس الورقيّة. زيّـنَت الأنوار الورقية المدافع وصناديق الذخيرة والحصص الغذائية، والأعمدة الخشبيّة التي أبقت جدران الخنادق في مكانها.

«ميري كريسماس» [عيد ميلادٍ مجيد]، صُرِخت بلكنةٍ ألمانيّة؛ تبِعتها «فخوي فايناختين» بلكنةٍ إسكوتلندية. كانت الخنادق المتعارضِة متقاربةً جدًا لدرجة أنّ سماع هذه الكلمات كان سهلًا. بدأت أشجارٌ منوّرة بالارتفاع على مدى أطراف الأخاديد الألمانيّة؛ شاهد ذلك الجنود البريطانيّون باستخدام مناظيرهم.

لقد كانت هنالك إشاعاتٌ تُداوَل لأسابيع طويلة عن هدنةٍ في عيد الميلاد. هل هذه هي؟ أمّ أنّ هذا فخ؟ حدّق الجنود تجاه عتادهم العسكري وتأمّلوا وفكّروا بخطوتهم التالية. ملأ الخنادق مزيجٌ متساوٍ من الفرح والشكوك.

كان هؤلاء الرجال يحاربون في حربٍ لا تخدِم مصالِحَ أيٍ منهم. كانت تِلك حربًا إمبريالية، حربٌ ما بين أقوى أمم العالم، هدفها إعادةُ تقسيم العالم، حربٌ هدفها ضمانة أنّ الديون البنكيّة ستُسدّد. كان هؤلاء الرجال يعلمون أنّها ليست إلّا مسألة وقت حتّى يلاقون نفس المصير الذي لاقاه كثيرٌ آخرون ممن خسروا حياتهم.

ما كان غرضُ كلّ ذلك؟ أن يبقى الأغنياءُ أغنياءً؟ يرى هؤلاء الجنود في مخيّلتهم محبوبيهم، آباءهم، أبناءهم، إخوتهم، أخواتهم، جالسين بعيدًا في منازلهم الدافئة، قِبال أشجار عيد الميلاد الخاصة بِهم. لم تستطع صفوف المجنّدين أن تقاتل في هذه الأوضاع، فَلَم تقاتِل.

أشرقت الشمس، وجرّ جنديٌ ألمانيّ نفسه من خندقه الغارق بالمَوت. أطلّ القناصون البريطانيّون من مواقِعهم؛ لم يكن يحمل سِلاحًا. وبعده ظهر جنديٌ ألمانيٌ آخر، وتلاهُ آخر. كانوا كلّهم عُزّلًا. شعَر هؤلاء الجنود المستعدّين لإطلاق النار في أيّ لحظة، وقد ضرّستهم شهورٌ من القتال، بموجةٍ من الحماس تغمرهم إذ اخفضوا بنادِقهم.

تلا الجنودُ البريطانيّون خطى الجنود الألمانيين وغادروا خنادِقهم. مرّ كلّ من الطرفين على جُثث رِفاقِهم القتلى وقد صلّبها الوحل البارد وكانت مغطّاة بغبارِ صقيع الصباح. تقابل الجنود في وسط ساحة المعركة – في المنطقة المحرّمة – لا زالوا قلقين بعض الشيء، ولكنّهم باسِمون.

سُرعان ما اصطدم الجنود بذكرى فظائع الأشهر الماضية. فجُثث رِفقاهم القتلى متناثرة وسط ساحة المعركة، لم يعد بالإمكان تجاهلها لوقتٍ أكثر. فِرقٌ مختلطة من الطرفين وضعت أجسادًا زرقاءَ ممزّقة في قبورٍ، بصمتٍ نسبي.

اقترح شخصٌ ما أن يلعبوا كرة القدم، ولكن لم تكن هنالك كرات. رما أحدهم علبة صفيحٍ في مساحةٍ خالية كبديلٍ مثيرٍ للشفقة، ولكنّ الجنود وظّفوها لأبعد الحدود. بدّل هؤلاء واجبات الحرب المقيتة بالرياضة. لعِب الجنود الكرة وكأنّها مسألة حياةٍ أو موت. استمتعوا بكلّ ركلة وتمريرة خرقاء وهدفٍ أرعن، راغبين لهذه المتعة أن تدوم إلى الأبد. تدفّق الاحترام والروح الرياضية بين الفريقين. في تلك اللحظات، لم يكن هؤلاء الرجال أعداءً.

كان الوقت أبطأ في لحظاتِ الهدوء. شَعَرَ بذلك كلا الطرفين. فاجأهم ذلك هدوءٌ، فهو هدوءٌ لم يعلموا بوجودِه فبل الحرب. كلّ نظرة، ضحكة ولمسة كانت مهمّة ومليئة بالحياة. شعروا بأنّها أفضل مخدّر.

شارك في الهدنة جنودٌ يتراوحون من أقلهم رتبة حتى العُقداء، ولكنّ المرح لم يدم لدى أصحاب الرتب العالية. لم يستطع ضبّاط الحلفاء تجاهل الكلمات التي وصلتهم قبل أسابيعٍ قليلة من الجنيرال سير هوراس سميث-دورين، الذي أصدر تعليماتٍ لضبّاط كلّ الشُعب: «يتواجد خلال [الأعياد] أكبر خطر على معنويات الجنود. أثبتت لنا تجاربٌ في هذه الحرب وفي كلّ حربٍ أخرى أنّ الجنود في الخنادق القريبة من الأعداء ينحدرون بلا شك – إن سُمِح لهم بذلك – لنظرية الحياة القائلة: “عِش ودع الآخرين يعيشون”…ولذلك يعطي قائد الفيالق أوامرًا لقادة الشُعب بأن يُقنعوا القادة المرؤوسين بالضرورة المطلقة للتشجيع على الروح القتالية…إنّ التخالط الودّي مع الأعداء والهدنات غير الرسمية مهما بدت مغريةً ومسليّة، فهي محرّمة إطلاقًا».

غربت الشمس وصدى كلمات الجنيرال سميث-دورين يتردّد في أسماع الضبّاط، فأعطوا أوامِرًا للجنود بأن يعودوا لخنادِقهم. لم يريدوا للجنود أن يكسبوا ثقةً كافية ليتحدّوا السلّم القيادي. ولم يريدوا لجنود الصفوف الدنيا أن يروا أنّهم أقوى ممّن هم في الرتب العليا – فهؤلاء هم الأقليّة.

كان اليوم التالي هو «يوم فتح الهدايا»، ظلّ الهدوء مخيَمًا، ولكن بنهاية اليوم مات أكثر من مئة جندي. بدأ القِتال بقيادةِ الضبّاط. أُمِرَ الجنود من كلا الجهتين أن يُطلِقوا النار على أشخاصٍ كانوا يلعبون معهم الكرة ويتبادلون معهم الهدايا ويعرضون عليهم صورًا قبل ساعاتٍ قليلة.

قتلَ هؤلاء الجنود أُناسًا يحملون معهم صفاتٍ مشتركة أكثر بكثير ممّن أمروهم بالقِتال. كان أغلبهم فقراء ومن الطبقة العاملة. أمّا الجنيرالات فحمِلوا ألقابًا مِثل «سير» و«لورد»، وملكوا عقاراتٍ ضخمة، وكانوا متواطئين مع لصوصٍ من باروناتٍ وملوكٍ ورؤساء دول، وعاشوا في عوالِم لم يسمع عنها الرجال المقاتلون إلّا في الكتب.

سقط ضحيّة الحرب العالميّة الأولى ما مجموعه ستّة عشر مليون شخص. والجنود الذين شكّكوا في عقلانية الحرب ومصلحتهم الشخصيّة فيها تساءلوا: ماذا لو رفضنا أن نعود لخنادقنا؟ هل سينتشر خبر ذلك؟ ماذا كان من الممكن أن يحدث بعد ذلك؟

في أرجاءِ أوروبّا، تختطف فِرقُ كرةٍ القدم الاحترافية، والشركات، والبيروقراطيون الذكرى المئويّة لهدنة عيد الميلاد. إنّها محاولة مستمرة للتعقيم والتحكم بلحظة مُقاومِة في التاريخ.

لا تصبِح الهدن ممكنة إلّا إذا ملأت الشكوك من يقاتلون. فصدى هذه الهدنة بلا شك تردّد في مسامع الروس والألمانيين الذين تآخوا وهجروا الجبهة الغربية بالجموع في بدايات عام 1917. وتلك الشجاعة بلا شك بدت كبشيرٍ لأُمميّة الثوّار الروسيّين الذين أسقطوا القيصر ودعوا في النهاية للسلام مع ألمانيا.

ولا بدّ أن هذه الهدنة هذا قد نوقِشت حين رفض مئة ألف جنديٍ فرنسي اتّباع أوامر قادتهم وألقوا بأسلحتهم أرضًا في أواخر لحظات الحرب. إنّ أحداث عيد الميلاد لعام 1914 بذورٌ لإلهامٍ لا زال بإمكاننا زرعها اليوم في قلوب الجنود الذين يقاتلون لمصالِح إمبريالية، ويجب لهؤلاء أن يُربطوا بهذا التاريخ.

كتب هاورد زِن مرّةً – حيث اقتبسه صديقه ستوتن ليند – في كتاب «دوينغ هيستوري فروم ذا بوتم آب”(أن تؤرِّخ من الأسفل للأعلى): «لكي “يثقَ الناس بأنفسهم” يجب عليهم أن “يعلموا شيئًا يعلمُهُ التاريخ جيدًا”: أنّ الناس “الذين يظهر عليهم أنّهم بلا قوّة، بإمكانهم خلق قوّةٍ إن قررّوا أنهم لن يتمّ التحكّم بِهم، بأن يتعاونوا مع آخرين لتغيير حياتهم”. لا يجب أن يتركنا التاريخ بنظرة مظلمة يائسة”، بل يجب أن يتركنا “بإحساسٍ جيد لكوننا نقِف جنبًا إلى جنب مع أُناسٍ قاوموا”».

فلنأمل أن يسمع الجنود المتمركزون في أيٍ من الـ 668 قاعدةٍ عسكريّة أمريكية حول العالم قِصّةَ هدنة عيد الميلاد. فلنأمل أن يروا أنفسهم في أولئك الرجال في ساحة المعركة بتلك اللحظة في فرنسا أو بلغاريا، متكاتفين مع بعضهم البعض، رامين أسلحتهم أرضًا، متجاهلين أوامر الضبّاط، و – هذه المرّة – معلنين هدنة من نوعٍ دائم.


المصدر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s