بترودولار وحلم

o-DUBAI-TIME-LAPSE-VIDEO-facebook

بِقلم: آدم هنيّة

أحد الصِفات البارزة لكلّ التطورات السياسية تقريبًا في العالم العربيّ اليوم هو الدور المركزي الذي تلعبه الدول الستّ لمجلس التعاون الخليجي: السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وعمان. فمنذ بداية الانتفاضات العربية في أواخر 2010، نفّذت هذه الدول حُزمةً من المبادرات المالية والدبلوماسية والعسكرية البارزة، إذ لعبت دول الخليج دور أهمّ القنوات العربيّة لتمرير السياسات الأوروبيّة والأمريكية في الشرق الأوسط؛ عاملةً على تقويض وتوجيه منحنى الصراعات في أنحاء المنطقة.

مرّت ثلاثٌ من دول الخليج (ألا وهي السعودية، عمان، البحرين) بِمظاهرات ذات شعبيّة واسعة، إذ اشتدّت المظاهرات في البحرين خصوصًا، وتمّت مواجهة تلك المظاهرات بأجهزة قمع الدولة، وكان دور الحكومات الغربيّة أن أكّدت لدول الخليج دعمها للوضع الحالي. إن تأييد الغرب بالغ الأهميّة للممالك الغنيّة بالنفط والدّور المقابل الذي يلعبه الخليج الرئيسي في ترسيخ السياسات الأمريكية والأوربية في المنطقة يبيّن لنا نموذجَ المصالح المشتركة التي تحكم الشرق الأوسط اليوم.

أدّت سيادة دول الخليج الحديثة لتنامي اهتمام اليسار في محاولة فهم سماتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، وهذا ابتعادٌ يُشاد بِه عن تاريخٍ مضى لم يحظ الخليج فيه إلا باهتمامٍ قليل؛ باستثناء دوائر محدودة من الأكاديميّين المختصّين غالبًا ما كانوا متيّمين باستعاراتٍ استشراقيّة عن الحياة القبليّة في الجزيرة العربيّة. مع ذلك – وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد – لا تزال أغلب التحليلات المتعلّقة بالخليج ودورِه في المنطقة تتّكل على نظريّات «دول الرّيع» التبسيطيّة أو العوامل الدينيّة والقبليّة، أو التصاعد المُفترَض للطائفيّة – المُـبّهرّة كثيرًا بحكاياتٍ صارخة عن تفسّخ العوائل المالِكة وتبذير الثورة.

إن ما يغيب عن هذه الروايات الرائجة – والتي كثيرًا ما تردّد الصور النمطيّة المنتشرة في إعلام الشركات الكبرى – هو الإدراك الفعليّ للتغيرات الحقيقيّة التي جرت للاقتصاد السياسيّ للمنطقة بأكملها. وفهم كيفيّة عمل الاقتصاد السياسيّ على المنطقة وكيفيّة تغيّره خلال العقود الماضية لَهُوَ أمرٌ ضروريّ إن أردنا شرح وتفسير قوّة الخليج السياسيّة الصاعدة.

كما هو الحال مع كثيرٍ من القضايا في الشرق الأوسط اليوم، إنّ نقطة الانطلاقٍ الرئيسيّة لفهم هذه المسألة الإقليمية هي اعتماد الحكومات العربية الشامل تقريبًا للسياسات النيوليبرالية منذ تسعينات القرن الماضي فصاعدًا، فوقعةً هذه السياسات على بنيةِ الدولة والبنى الطبقيّة الاجتماعيّة المختلفة تمّ توثيقه بشكلٍ جيد. ولكنّ ما هو غير مُسلّمٍ بِه هو أنّ هذه السياسات قد عمِلت مُشترِكةً على إعادة ترتيب أنماط تراكم الثروة على النطاق الإقليمي، فقد تحرّكت النقلة النيوليبراليّة بالتحديد متزامِنةً مع تدويل رأس المال الخليجي.

مع ازدياد فوائض النفط خلال العقد الأول من القرن الجديد، طمح المستثمرون الخليجيون للتوسّع للأسواق المجاورة، وحين انفتحت الدول العربيّة للاستثمار الأجنبي وباعت العقارات الزراعيّة والمدينيّة وباعت الصناعات والموانئ وشركات الاتصالات والمؤسسات التمويليّة، بَسَط الرأسمال الخليجي هيمنته على المنطقة كمستفيدٍ رئيسي من هذه سياسات التحرّر هذه.

إن قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر المُعلَن من قِبل مستثمري الخليج العربي في دول البحر المتوسط فاق الاستثمارات القادمة من أيّ منطقة أخرى خلال فترة 2003 حتى 2009 كاملةً. فأكثر من 60% من مجموع الاستثمارات الخليجيّة ذهبت للأردن ولبنان ومصر وفلسطين وسوريا، وفي كلٍ من هذه الدول كانت استثمارات دول الخليج أكثر بثلاثِ مرّات من استثمارات الاتّحاد الأوروبي وأكثر بإثني عشر مرّة من استثمارات أمريكا الشماليّة. ومع أنّ تدفّق الاستثماراتِ هذا قد تراجع خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، ظلّت دول الخليج تملك أكبر المشاريعٍ الاستثماريّة في المنطقة، وذلك من ناحية القيمة الإجماليّة التي أُعلِن عنها في مصر والأردن وفلسطين وليبيا وتونس منذ 2008 حتى 2010. علاوةً على ذلك، هذه الأرقام لا تبيّن حقًا مدى توغّل رأس المال الخليجي في الاقتصادات المجاورة، وذلك لكون هذه الأرقام لا تشمل ما يسمّى بالاستثمارات المحفّظة (portfolio investments) في أسواق الأسهم الإقليمية والقروض الثنائية المباشرة والمساعدات التي تُقدّم للحكومات.

يجب أن تندرج تأثيرات تدفق رؤوس الأموال هذه في أي تقييمٍ للدور الذي لعِبته النيوليبراليّة في العالم العربي، فإعادة الهيكلة الفظيعة للعلاقات الطبقية التي حدثت بالتزامن مع الإصلاح النيوليبرالي لم تقم فقط بإغناء طبقاتٍ رأسماليّة وطنية مدعومة من حكوماتٍ سلطويّة، وإنما عمِلت أيضًا على تقوية دور دول الخليج ضمن المنظومة الإقليمية الأوسع. استُبطِنت رؤوس الأموال الخليجيّة في بنىً طبقيّة وطنية، مهيمنةً على الكثير من القطاعات الاقتصاديّة الرائدة في العالم العربي. ولهذا السبب يجب ألّا يعامَل الشرق الأوسط كـتكتّل لدولٍ محدودة قائمة بذاتها، يُفصلُ الداخليّ فيها فصلاً حادًا عن الدُولي.

هذه هي السمة المُميّزة لما وُصِف بـ«الوطنيّة المنهجيّة»(methodological nationalism): أي: تفضيل الفضاء الوطني وتعيينه كمَطلٍّ تُفسّر الظواهر الاجتماعيّة انطلاقًا منه. تكمن مشكلة هذا النهج في كون العلاقات الاجتماعيّة لا تنحصر في داخل الحدود الوطنيّة – فتدفّقات العمالة ورأس المال وإطارات السياسات المتنوعّة التي تمرّرها تعمل على ربط الفضاءات المختلفة مع بعضها البعض في حاصلٍ كليّ يتخطّى حدود أيّ دولة. لا زالت الحدود الدوليّة بالطبع تلعب دورًا مهّـمًا كما كانت دائمًا ولكن العلاقات الاجتماعيّة التي اعتدنا على رؤيتها كشيءٍ كائن في «داخل حدود الدولة» يجب النظر لها – حقًا – كجزءٍ لا يتجزّأ من مجموعٍ إقليميّ متجاوزِ للدولة.

الاستقطاب الإقليميّ والنموّ غير المتكافئ

هذه النظرة تكشف عن صفةً صارخة في العالم العربيّ المعاصر، ألا وهي التفاوت المتوسّع في الاقتصاد السياسي الإقليمي المتجليّ بحدّة استقطاب القوّة والثروة بين دول الخليج وبقية العالم العربي، فعلى الرغم من انفجار فقاعة العقار الأوليّ في مدنٍ كـ«دبيّ»، خرجت دول الخليج نسبيًا بدون أي ضرر من أزمة 2008 و2009 العالمية، ومنذ ذلك الوقت استمرّت هذه الدول في تكديس حوضٍ متوسّع من فوائض رؤوس الأموال إلى جانب نموٍ جديد في أسعار النفط والغاز منذ 2010 فما بعد.

رسّخ الركود الجاري للسوق العالمية من جهة أخرى– بالخصوص في حالة الاتحاد الأوروبي وهو الشريك التجاريّ الأهم للمنطقة – والأزمات السياسيّة والاقتصاديّة التي حطّمت دولًا كمِصر وتونس وسوريا التدرّجَ الهرميّ في المنطقة أكثر من السابق. إن هذه المسارات المختلفة تذكّرنا أن الأزمات لا تؤثر على الجميع بالقدر نفسِه، وأن غياب التحديات السياسية غالبًا ما تكون نعمةً لمن هم في مواقع السلطة.

هنالك مؤشّرات إحصائية كثيرة تبيّن هذا التفاوت المتنامي، فحسب تقريرٍ صدر مؤخرًا من مؤسسة التمويل الدولي – وهي «جماعة ضغط» لأكبر البنوك العالمية والمؤسسات المالية – إن صافي أرصدة الأصول الأجنبية (أرصدة الأصول الأجنبية الإجماليّ ناقصًا الدَين الخارجي) لدول مجلس التعاون الخليجي ارتفعت من 879 مليار دولار في 2006 لـ 1.79 ترليون دولار في نهاية 2012، ومع نهاية 2013 يُتَوقّع أن يفوق هذا الرقم 2 ترليون دولار، وهذا الرقم يعادل أكثر من 120% من الناتج المحليّ الإجمالي الخليجي. انخفض صافي أرصدة الأصول الأجنبية – في المدة نفسها – في مصر وسوريا والأردن ولبنان وتونس والمغرب من فائضٍ قدره 20.4 مليار دولار لعجزٍ قدره 24.3 مليار دولار.

بالإمكان رؤية التباينات هذه في أرصدة الحسابات الحاليّة. فقد قُـدِّر فائض كشف حساب دول مجلس التعاون الخليجي الست في 2012 بما مجموعه 400 مليار دولار، أو ما يعادل أكثر من ضعف معدّلهم السنوي منذ 2006 حتى 2010 (وما يوضّح حجم هذا التباين أكثر هو كونُ هذا المبلغ يعادل ضعف فائض الصين في 2012). بينما وصلَ فائض دول الخليج لمستوياتٍ غير مسبوقة، واجهت أرصدة حسابات باقي دول العالم العربي انخفاضًا خطيرًا، فمجموع أرصدة الحسابات الحاليّة لمصر وسوريا ولبنان وتونس والمغرب وصلت لعجزٍ كليّ يُقدّر بـ 35 مليار دولار في 2012، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف معدل عجزهم في فترة 2006-2010.

إن أحواض رأس المال الشاسعة في دول الخليج ليست – خلافًا لما هو شائع – مملوكة من قِبل المؤسسات الحكومية أو صناديق الثروة السيادية فقط، فقد أوردت الـ«فايننشال تايمز» في منتصف 2013 أن مستويات الثروة التي تحتفظ بها بنوك مجلس التعاون والشركات الخاصة وأغنى الأفراد والعوائل تصل لـ 3 ترليون دولار، وهذا رقمٌ لا يشمل الثروة التي تحتفظ بها صناديق الثروة السياديّة. إن الثروات الخاصّة [غير الحكوميّة] ازدادت بنسبة 7% خلال العام الماضي في دول الخليج، وهي الآن أعلى بـ 10% مما كانت في 2007 –وتلك السنة كانت قمّة سنوات الطفرة التي سبقت الانحسار العالمي. وأحد المؤشّرات الجديرة بالذكر لهذه الظاهرة هي نسبة العوائل صاحبة المليارات في دول الخليج، فحسب تقريرٍ نُشِر مؤخرًا من «مجموعة بوسطن الاستشارية»، تحتلّ دول مجلس التعاون خمسة مراكِز من إحدى عشر مركزًا في نسبة العوائل صاحبة المليارات على المستوى العالمي، حيث تحتلّ قطر المركز الأول عالميًا (بنسبة 14.3% من العوائل)

هذه الثروة بالتأكيد ليست موزّعةً بشكل متساوٍ في أرجاء مجلس التعاون الخليجي وتتجاهل هذه الأرقام عاملًا مهمًا جدًا وهو وجود ملايين العمال الوافدين ذوي الأجور المتدنيّة وهم يشكّلون الغالبية العظمى من القوّة العاملة في دول الخليج، وأحد الأسباب الرئيسيّة لاستقطاب الثروة الحاصل في العالم العربي يمكن أن نراه – حقيقةً – في وجود هؤلاء العمال في دول الخليج، فحين واجهت دول الخليج أزمة 2008 و 2009 وانهيار الطفرة العقارية في دبي وغيرها، استطاعت دول الخليج أن توظّف هذا الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة – التي تمثّل على الأقل نصف القوّة العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي – لتفرغ حمولة آثارِ الأزمة على الدول المجاورة التي توفّر المنطقة بقوتها العاملة سهلة الترحيل والاستغلال.

تمّ ترحيل آلاف العمّال الوافدين ذوي العقود المؤقتة من الخليج أثناء الأزمة وتمّ تثبيط توظيف عمّالٍ جدد. منذ 2008 وحتى 2009 انخفض تدفّق العمالة الهندية إلى الإمارات العربية المتحدة بنسبة 67.7% وبنسبة 45% في البحرين وانخفض تدفّق العمال للسعودية بنسبة 44%، أما بالنسبة للعمالة البنجلادشية فقد انخفض عدد المسافرين منهم للسعودية والإمارات العربية المتحدة في نفس الفترة – وهاتان الدولتان تشكّلان وجهة أكثر من 60% من كلّ العمّال البنجلادشيين في الخارج – بنسبة 89% و38% على التوالي، أما باكستان فقد سجلّت انخفاضًا حادًا أيضًا في نسبة العمّال المسجّلين بأنهم يعملون في دول الخليج– فقد انخفضت نسبة العمّال الباكستانيين في الإمارات العربية المتحدة (وهي الوجهة الكبرى للعمالة الباكستانية في الخارج) بمقدار 36%  وانخفضت في قطر بنسبة 60% وفي الكويت 75% في نفس الفترة. أحد المؤشّرات على قدرة دول الخليج على إزاحة تأثيرات الأزمة لمحيطها في العالم العربي يمكن رؤيتها في انخفاض التحويلات النقدية لليمن بنسبة 17.7% وللأردن بنسبة 5.2% أثناء 2009.

هذه الأرقام تؤكّد الأسلوب المعين الذي شكّلت من خلالِه البناءات الطبقية المُكوِنة لقاعدة الرأسماليّة الخليجية ردّة فِعلها تجاه الأزمة العالمية، فخلافًا للدول الأخرى في المنطقة التي اضطّرت لأن تتعامل محليًا مع ضغوطات ارتفاع البطالة وجفاف سوق الواردات، تمكنت دول الخليج من إزاحة أسوء آثار الأزمة ورمي حملها على الدول المجاورة التي شكّلت خطوطَ إمداد للعمالة المؤقتة ضخمة العدد والتي تشكّل قاعدة البناء الطبقي في الخليج. إن مرونة سوق العمل المقنّنة هذه هي مؤشّر لـ«دستوبيا» مفرطة في رأسماليتها مخفيّة خلف صورة «ملاهي الأغنياء» السائدة عن الخليج – وهي صورة تروّجها الحكومات الخليجية عن ذاتها.

المسألة السياسية

تقع هذه الأنماط الإقليمية بالطبع ضمن موقع دول الخليج المركزي في بناء القوّة الإمبريالية، فحين تبلورت رأسماليّة عالمية مبينةً على النفط مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، أُدمِج الخليج بشكلٍ متعمّد كركنٍ أساسي ضمن هندسة بناء الهيمنة الأمريكية التي نمت في تلك الفترة. وهنالك سمتان مهمّتان للرأسمالية الحديثة – وهما تدويل (internationalization) وأَموَلَة (financialization) رأس المال – قد أعطتا السِلع المصدّرة مِن دول الخليج وفائضها المالي وزنًا استراتيجيًا ضخمًا ضمن الاقتصاد السياسي العالمي، ولهذه الأسباب فإن السيطرة على الخليج وفرض الهيمنة عليه ظلّا هدفًا أساسيًا للقوى الغربية حتى بعد دخول القرن الواحد والعشرين. عرضت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودولٌ أخرى على دول ممالك الخليج حماياتٍ عسكرية وسياسة (وغيرها) صريحةً ولا لبس فيها مقابل تأمين تدفقٍ المنتجات الهيدروكربونية غير منقطع للسوق العالمية بسعر مناسبٍ ومعها إعادة التوجيه المستمرة لفوائض الـ»بترودولار» للأسواق المالية الغربية (وأهمّها سندات الخزينة الأمريكية).

لا تزال سِمات هذه العلاقة مع الخليج هاجسًا مهيمنًا حتى يومنا هذا، بالخصوص في سياق صعودِ منافسين محتملين للقوة الأمريكية. إن اعتماد هذه القوى الصاعدة على النفط والغاز والبتروكيماويات الخليجية يعني أن هيمنة الولايات المتّحدة على المنطقة أصبح اليوم ذات أهمية أكثر بروزًا مما كانت عليه سابقًا، ففي يوليو 2013 استوردت الهند مِن السعودية والكويت وقطر والإمارات – على سبيل المثال – 44% من استهلاكها من نفطٍ خام، مقارنةً بـ 36% في 2011. أمّا الصين فتعتمد الآن على دول الخليج للحصول على ربعِ وارداتها النفطية، مقارنة بـ 21% في 2007. مع أن الاتكاليّة المتبادلة بين الاقتصادين الأمريكي والصيني يعني أن علاقتهما لا يمكن اختزالها لعلاقةِ تنافسٍ فقط، فإن الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط تعطيها مصدرَ ضغطٍ قويّ على الصين في حال احتاجت للقيام بذلك.

يحتل الخليج أيضًا مكانةً حيويّة كسوقٍ رئيسية للدول الغربية، بالخصوص لصفقات الأسلحة وعقود الإعمار والهندسة المتنوعة. فقد تضاعفت مبيعات أسلحة الولايات المتحدة العالمية ثلاث مرات في 2011 حتى وصلت لـ 66.3 مليار دولار، وهو رقمٌ قياسي شكّل ثلاثة أرباع مبيعات الأسلحة العالمية في ذلك العام، والمسبّب الرئيسي لهذه القفزة في المبيعات هي  دول الخليج وحدها فقد وقّعت السعودية صفقة ضخمة لشراء أسلحة قيمتها 33.4 مليار دولار من الولايات المتحدة – إذ أصبحت بذلك أكبر زبون للأسلحة الأمريكية في العالم (99% من الأسلحة التي اشترتها السعودية كانت من الولايات المتحدة)، وفي السنة ذاتها أخذت الإمارات المركز الثالث في شراء الأسلحة من الولايات المتحدّة الأمريكية بما مقداره 4.5 مليار دولار. منذ 2008 حتى 2011 احتلّت السعودية المركز الأول عالميًا في شراء الأسلحة من بين كل دول الجنوب العالمي، محتلةً أكثر من ربع تحويلات صفقات الأسلحة في تلك السنين الأربع.

ليست الولايات المتحدّة الدولة الغربية الوحيدة المستفيدة من «بازار» الأسلحة الشاسع هذا، فقد أوردت الجرائد الألمانية في أغسطس 2013 أن مبيعات الأسلحة الألمانية للخليج – بالخصوص لقطر – وصلت لأرقامٍ قياسيّة في ذلك العام، وتلقّت بريطانيا انتقادًا لاذعًا بسبب بيعها لمعدّات السيطرة على الحشود والأسلحة والذخيرة للبحرين في أثناء قمع حكومة البحرين الوحشي للمظاهرات المحليّة.

هذه الاتّكاليّة المتبادلة التي تربط دول الخليج بالقوى الغربية ليست منفصلةً عن النقلة النيوليبرالية التي شهدتها المنطقة – فكلاهما تمّثلان أنماطًا مختلفة للطرق التي أُدخِل فيها الشرق الأوسط للسوق العالمية، إذ أنّ مصلحة دول الخليج الوجودية في الإبقاء على علاقتها مع الإمبريالية واستمرار النمو المندمج وغير المتكافئ (uneven and combined development) في المنطقة تأتي بعواقِب سياسيّة عميقة. ولهاذا السبب اتخذت دول المجلس التعاون الخليجي الرائدة – بالخصوص السعودية وقطر والكويت والإمارات – دورًا هجوميًا شديدًا جدًا في محاولة تحوير نتائج الانتفاضات التي هزّت العالم العربي خلال الثلاث السنوات الماضية.

إنّ المصالح الغربيّة من ناحيةٍ سياسية واقتصادية يتم ترجمتها حاليًا بشكلٍ كبير من خلال دول الخليج، وذلك لا يعني انعدام وجود التنافس أو الخلافات في وجهات النظر بين دول الخليج والدول الغربية أو ما بين دول الخليج ذاتها ولكنّ هذه التنافسات – التي يجب أن تُوضع ضمن إطار المصالح المشتركة المسلِّم بِها حول موقع الخليج في قمة الهرم الإقليمي – هي نتاج نفس العملية التي أنتجت الأوضاع التي أدّت للانتفاضات الشعبية في المقام الأول.

مصر وسوريا

يمكن رؤية هذه الديناميكيات بوضوح في مصر وسوريا، فقد كان لانتفاضتيّ البلدين ضد الأنظمة الشمولية جذورٌ متشابهة ألا وهي حرمان وإقصاء غالبية الشعب كنتيجة للإصلاح النيوليبرالي وإغناء شريحة صغيرة من النخبة المرتبطة بالأنظمة الشمولية وقد زادت الأزمة العالمية من شدّة الأوضاع التي عمّقت استقطاب الثروة والقوة.

في حالة مصر لعبت دول الخليج دورًا أساسيًا منذ إسقاط حسني مبارك شهر فبراير 2011 في محاولةٍ لتخفيف مدى التغيير السياسي والاجتماعي؛ ففي المرحلة الأولى حدث ذلك عن طريق دعم قطر الصارخ والأخرق للإخوان المسلمين حيث حاولت قيادات الإخوان أن تستمر بنفس منحنى سياسات نظام مبارك النيوليبرالية إذ جرّموا الإضرابات والمظاهرات والأعمال المنظمة الأخرى، وفي المرحلة الثانية –  بعد أن أسقط الجيش المصري «الإخوان» في منتصف 2013 – ظلّ تدفق المساعدات والدعم السياسي من السعودية والإمارات ودولٍ خليجية أخرى يعمل كدعامة للقمع العسكري لمؤيّدي الإخوان المسلمين والحركات الاجتماعية والسياسية الشعبيّة الأخرى. في كلتا المرحلتين تم استخدام قوّة الخليج السياسية والاقتصادية بهدف إعادة مصر لوضعها السابق نفسه محاوِلين قمع أي محاولة لمعالجة المظالم التي أنتجت الانتفاضة.

في حالة سوريا دخلت دول الخليج – بقيادة السعودية – في محاولة لا زالت مستمرة لغرس نفوذها وأخذ دعم القوى المحاربة لإسقاط نظام الأسد، وأشارت بعض التقارير مؤخرًا لوجود مزاعم عن كون المملكة قد وافقت على تمويل وتنظيم تدريب «جيش الإسلام» عبر باكستان؛ وهي قوّة أُسِست في أواخر سبتمبر [2013] من خلال تجميع أكثر من أربعين جماعة تمرّد سورية.

ومع ذلك ومع كون السعودية وقطر وغيرهنّ من دول الخليج قد حاولن مرارًا مدّ نفوذهن على جماعات التمرّد المختلفة فإن ذلك لا يعني أنه بالإمكان صبغ الانتفاضة هذه – زورًا – بأنها مجرّد امتدادٍ لهذه الدول (ولا امتدادًا للإمبريالية الأمريكية حتى). إن الحركة لإسقاط نظام الأسد – التي لا يكون فيها تيّار «الأصوليّة الإسلامية» إلّا أقلية (وإن كان يبدو عليها أنّها تنمو) – تواجه كلًا من قوى النظام المسلحة ومحاولات ترسيخ الخلافات الطائفية.

تلعب دول الخليج دورًا رئيسيًا في محاولات ترسيخ الخلافات الطائفية هذه، ومن هذا المنطق فالانتفاضة السورية تواجه تحدّياتٍ صعبة جدًا – أحدها ضدّ النظام نفسه والآخر ضد النفوذ الخبيث للقوى المتحالفة مع الخليج، وتحت هذا السياق فإن الاستراتيجية المتعمّدة للأعمال الوحشية والحرمان التي شنّتها الحكومة السوريّة تعني أن الوقت لا يصبّ في مصلحة الانتفاضة. هذا الفهم يساعدنا على شرح التقارب الجلي ما بين الولايات المتحدة وروسيا في موقفهما تجاه حكومة الأسد، حيث تريد كلتا القوّتين العالميتين نوعًا من الاستمرار للنظام الحالي للفترة القادمة على الأقل.

من المحتمل على المدى الطويل أن تتصارع كل القوى الخارجية على فرض نسختها من الوضع الذي انكشف بعد الانتفاضة في اليمن على اليمن، إذ تقوم بفرض إصلاحٍ شكلي ينزع الأسد ويبقي على جوهر دولته القمعيّة ومبقيًا أيضًا على قوّتها في الدفاع عن مصالح كلٍ من النُخب المحلية والتوازن الإقليمي للقوى.

التنافس

تتشابك المصالح المشتركة التي تتميز بها دول الخليج والقوى الغربية في الشرق الأوسط مع التنافسات المستمرة بين دول الخليج ذاتها – المتجذرة في الطريقة التي نمت عليها المنطقة خلال الفترة النيوليبرالية الحديثة ومركزيتها المستمرة في توازن القوى العالمية –على الرغم من هذه المصالح المشتركة، ففي داخل مجلس التعاون الخليجي يمكن رؤية ذلك بكل وضوح في الخلاف السياسي الحاصل بين قطر والسعودية حيث يدعم كلٌ منهما حركاتٍ إسلامية متنافسة في المنطقة (فقطر تدعم الإخوان المسلمين وتدعم السعودية جهاتٍ سلفيّة مختلفة).

لقد كانت أحداث 2013 في مصر مؤشرًا جليًا على هذه الخلافات في داخل مجلس التعاون الخليجي حيث أدانت قطر إسقاط الجيش المصري للرئيسي «الإخواني» محمد مرسي، بينما رحبت كلٌ من السعودية والكويت والإمارات أعمال الجيش، وبالفعل وفرّت الدول الخليجية هذه 12 مليار دولار من مختلف أنواع المساعدات للحكومة العسكرية الجديدة بعد الانقلاب مباشرةً.

في حالة الولايات المتحدة والخليج، إن «الحميمية» المتزايدة في علاقة الحكومة الأمريكية مع إيران خلال الأسابيع الماضية (نُشِرت هذه المقالة في ديسمبر 2013) قوبِلت باستنكارٍ من مسؤولين سعوديين (وكذلك من إسرائيل – ممّا يبيّن الجانب الآخر من المصالح المشتركة في المنطقة). هذه الخلافات برزت بقوّة حين رفضت السعودية أخذ كرسيٍ مؤقت لمدة سنتين في مجلس الأمن في نوفمبر 2013، حيث أشار مسؤولون سعوديون أن أسباب الرفض هي انعدام التدخل الدوليّ في سوريا وتوتّرات مع الولايات المتحدة بسبب استكمالها للمفاوضات مع إيران.

مع أنه من غير الممكن إنكار وجود هذه التوترات، لا يجب أن يصرف ذلك نظرنا عن واقع كون كلّ دول الخليج – ومعهم الولايات المتحدة – لديهم نظرة مشتركة تجاه المنطقة ككُل، وليس هنالك أي مؤشر يوحي بوجود خلافاتٍ جوهرية لدى دول الخليج حول المنحى النيوليبرالي الذي تتخذه مصر، سواءًا أكان ذلك بقيادة الإخوان المسلمين أم بقيادة حكومة عسكرية، ولا توجد خلافاتٌ حول طبيعة النظام الإقليمي الذي شكلته الدول الغربية خلال العقود القليلة الماضية. ولا يجب أن نتوهم بأن اختلافاتٍ مؤقتة عرضية في الرأي – أو حتى حقيقة التنافسات المستمرة بين الدول – هي خلافات استراتيجية جوهرية حول مستقبل المنطقة ككل؛ إن تعايش هذه التوجهات التكتيكية المختلفة لهذه القوى المتنوعة يعمل في الواقع – بطرقٍ عديدة – في تنوعّه هذا على تعزيز المسار الكلّي العام، ممكنةً المحور الخليجي-الأمريكي من أن يعيد إنتاج نفسه كقوّة مهيمنة.

تحدّي قوّة الخليج

أحد النتائج المستخلصة من هذه السردية هي أن أي عكسٍ لأنماط النموّ النيوليبرالي في الشرق الأوسط ولخضوع المنطقة للقوة الغربية مرتبط ضرورةً بتحدّي دول الخليج ذاتها، ولهذا السبب فإن النضالات السياسية في الخليج مهمّة بشكلٍ هائل وتشكّل استمراريّة مباشرةً مع النضال في باقي الشرق الأوسط، وفي هذا الصدد تبرز قضية البحرين والتي على الرغم من القمع الشديد من نظام آل خليفة لا تزال حركات الاحتجاج مستمرة فيها. خلال 2011 و2011، اندلعت مظاهراتٌ في السعودية وعمان والكويت حيث تظاهرت قطاعاتٌ من الشعب أحسّت بأنها استُقصيَت سياسيًا واقتصاديًا من ثروة هذه الدول الهائلة.

هذه النضالات لم تتلق اهتمامًا (ولا تضامنًا) من داخل المنطقة ولا من خارجها. بعيدًا عن حركات المظاهرات هذه، يجب أن يكون الدفاع عن العمّال الوافدين في المنطقة عاملًا حيويًا لتحدّي رأس المال والدولة الخليجيين، فاستغلال هؤلاء العمّال جزءٌ لا يتجزأ من كيفية تكوّن الطبقات العمّالية في الشرق الأوسط وضروريّ في طرق استمرار رأس المال الخليجي في فرض قوّته وتعامله مع الأزمات.

يجب أن تكون هنالك حملات جادّة لبناء حملاتٍ إقليميّة مبنيّة على توسيع حقوق المواطنة وحقوق التنظيم العمّالية وتحسين أوضاع العَمل مع العمّال الآتين من خارج الشرق الأوسط، فالعمّال من الهند والفلبين جزءٌ من الطبقة العاملة في الإقليم وليسوا أجانبًا أو «عمالًا زائرين» أو «خدمًا». هنالك عوائق كبيرة تقف في طريق هذه الحملات (منها اللغوي والثقافي والسياسي – ناهيك عن العنصرية المترسّخة ضد الوافدين في أرجاء العالم العربي) ولكن الابتعاد عن هذا النضال سيعمل فقط على تعزيز التشقق الحاصل في التضامن الطبقي في أرجاء المنطقة. تجدر الإثارة – على سبيل المثال – أن قتل عامليَـن وافديـَن في السعودية في بدايات نوفمبر (2013) أثناء حملة ترحيل تضمنها اعتقال عشرات آلاف الوافدين لم تتلق اهتمامًا من داخل الخليج ولا من خارجه، وقد قُدِّر عدد العمّال الذين أُجبِروا على مغادرة السعودية بـمليون عامل وافد خلال الثلاثة الأشهر الماضية فقط. (كانت السعودية ثاني أكبر مصدر من الحوالات ما بين 2006 و2012 في العالم – حيث الولايات المتحدة كانت المصدر الأول)

إن أردنا حلًا طويل الأمد على مستوى الأقطار للمشاكل التي يواجهها الشرق الأوسط فلا يمكن ترك هذا القدر الهائل من الثروة في أيدي فئة قليلة، وذلك لا يعني بالطبع أن الحركات الثورية ستبدأ مباشرة على مستوً إقليمي دون أن تمر بمواجهة الطبقات الحاكمة الوطنية، ولكن المقصد هنا هو أن نرى طبيعة كون هذه النضالات المختلفة لا تنفصل عن بعضها البعض، فبدون اتجاهٍ إقليميّ يتصدّى استراتيجيًا لمكانة وقوة الممالك الخليجية، لن يكون هنالك تغيّرٌ جوهري في المنطقة.

في 2014، قد تبدو فكرة نضالٍ شاملٍ للإقليم بأكمله فكرةً «طوباويّة»، ولكن أحداث السنين القليلة الماضية تؤكّد الحاجة له – وهذا حقًا هو الشبح الذين أقلق مضاجع السلطة في واشنطن والرياض والدوحة.

المصدر: مجلة جاكوبين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s