وهم أوسلو

لم تفشل اتّفاقية أوسلو بالنسبة لإسرائيل، بل عمِلَت كغطاءٍ لتعزيز وتعميق تحكّمِها بِحياة الفلسطينيين.

erin-schell

آدم هنيّة

في هذه السنة تمرّ الذكرى العشرين لتوقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. تمّ إقرار اتفاقية أوسلو هذه – المعروفة رسميًا بـ «إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي» – ضمن إطار حلّ الدولتين داعيةً «لوضع حد لعقود من المواجهات والصراع»، والاعتراف «المتبادل لحقوقهما السياسية والشرعية» وبهدف تحقيق «تعايش سلمي وكرامة وأمن متبادلين والوصول إلى تسوية سلمية عادلة وشاملة ودائمة».

يدّعي مُؤيّدو أوسلو أنّه تحتها ستخفف إسرائيل تدريجيًا من سيطرتها على مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وموازاةً لذلك تقوم السلطة الفلسطينية المنشأة حديثًا بتكوين دولة مستقلة في النهاية. ولكن عملية المفاوضات والاتفاقيات التي تبعتها بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عبّدت الطريق للوضع الحالي في الضفة الغربية وغزة. وأصبحت السلطة الفلسطينية، التي تحكم حالياً حوالي 2.6 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، المهندس الرئيسي لاستراتيجية السياسة الفلسطينية، فمؤسساتها تتلقى شرعيةً دولية من «أوسلو» وهدفها الذي تصرّح به هو «بناء دولة فلسطينية مستقلة» لا يزال مبنيًا ضمن نفس الإطار. والدعوات المستمرة للعودة للمفاوضات – من قِبل قادة أمريكيين وأوروبيين بشكلٍ شبه يومي – تعيد نظرنا للمبادئ الموضوعة في سبتمبر 1993.

اليوم وبعد عقدين من الزمن، من الشائع أن تسمع الناس يصِفون أوسلو بـ «فشل» نسبةً لواقع الاحتلال الإسرائيلي المستمر. ولكنّ مشكلة هذا التقييم هو أنه يخلط ما بين أهداف «أوسلو» المُعلنة وأهدافه الحقيقية. فمن وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، هدفُ أوسلو لم يكن أبدًا إنهاء احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، أو معالجة المشاكل الجوهرية لحرمان الفلسطينيين، وإنما كان هدفه وظيفيًا على الأغلب. فبخلق نظرة توحي بأنّ المفاوضات ستؤدي لنوعٍ ما من «السلام»، استطاعت إسرائيل أن تقدّم نفسها كصديقٍ للسيادة الفلسطينيّة عوضًا عن عدوٍ لها.

وبناء على هذه النظرة، استخدمت الحكومة الإسرائيلية «أوسلو» كـ «ورقة تينٍ» تتستر بها على سيطرتها المتعمقة والمترسخة على الحياة الفلسطينية، مُوظِفةً العديد من الآليات الاستراتيجية التي استخدمتها منذ بداية الاحتلال سنة 1967: بناء المستوطنات، والتضييق على التنقل والتجوال في فلسطين، سجن الآلاف والسيطرة على الحدود والحياة الاقتصادية؛ كلها أتت مُتصاحِبةً لتشكّل جهازَ سيطرة مُعقّد. لربما يبرز وجهٌ فلسطيني على الإدارة اليومية للعلاقات الفلسطينية، ولكن القوة المطلقة تكمن في يديّ إسرائيل. وصل هذا الجهازُ أوجه في قطاع غزة – حيث يعيش 1.7 مليون شخص في مقاطعةٍ مطوّقة حيث دخول وخروج الأشخاص والبضائع تسيطر عليه غالبًا إملاءاتٌ إسرائيلية.

كان لـ «أوسلو» تأثيرٌ سياسيٌ خبيث أيضًا، حيث اختزلت النضال الفلسطيني لعملية مقايضة بِقطعٍ من الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونزعت «أوسلو» أيضًا السلاح الأيديولوجي للقطاعات الشعبية غير الصغيرة مِنَ الحراك السياسي الفلسطيني الداعية للمقاومة المستمرة للاستعمار الإسرائيلي طامحةً لتحقيق الآمال الفلسطينية الحقيقية. وأهمّ تلك الطموحات كان مطالبة اللاجئين الفلسطينيين بحق العودة لبيوتهم وأراضيهم التي هُجّرِوا منها في 1947 و1948. جعلت الاتفاقية الحديثَ عن هذه الأهداف يبدوا كمجردِ حديثٍ واهمٍ وغير واقعي، مطبّعةً البرغماتية الخادعة بدل أن تعالج الجذور الأساسية للنفي الفلسطيني. وخارج فلسطين، أدّت «أوسلو» لإضعافٍ مُميت للتضامن والتعاطف المنتشر للنضال الفلسطيني الذي بني أثناء سنين الانتفاضة الأولى، مستبدلاً التوجّه الدّعم الشعبي الجماعي بآمالٍ بـمفاوضاتٍ تقودها الحكومات الغربية، وتطلّب الأمر أكثر من عقدٍ كامل كي تعيد حركات التضامن هذه بناء نفسها من جديد.

بينما أضعفت الاتفاقية الحراك الفلسطيني، فقد ساهمت في دعم مكانة إسرائيل الإقليمية. فالنظرة الواهمة لكون «أوسلو» ستؤدي للسلام سمح للحكومات العربية، بقيادةِ الأردن ومصر، ببدء علاقاتٍ اقتصادية وسياسية مع إسرائيل تحت رعايةٍ أمريكية وأوروبية. وبذلك استطاعت إسرائيل أن تعتق نفسها من المقاطعة العربية، التي تقدر أضرارها بما مجموعه 40 مليار دولار منذ 1949 حتى 1994، والأعظم من ذلك أن خروج إسرائيل من هذه العزلة مكّن الشركات الدولية من أن تستثمر في الاقتصاد الإسرائيلي بدون أن تخاف من مقاطعة الدرجة الثانية من شركائها العرب. قدمت اتفاقية أوسلو نفسها بكل هذه الطرق كآده لتعزيز سيطرة إسرائيل على الفلسطينيين وتعزيز موقعها في الشرق الأوسط الموسع في آنٍ واحد، فلم يكن هنالك تناقضٌ بين دعم «عملية السلام» وتعميق الاستعمار – فالأول عَمِلَ دائمًا على تمكين الثاني.

ويجب أن نتذكر أنه ما بين التصفيق الدولي الحار لـ «أوسلو» – حيث توَّجَ ذلك منحُ جائزة نوبل للسلام بشراكة ما بين رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين مع وزير الخارجية شمعون بيريز وقائد منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات سنة 1994 – كان هنالك جمعٌ من الأصوات الفطينة التي تنبأت بالوضع الحالي. يُذكر منهم إدوارد سعيد، حيث كتب بقوةٍ ضد «أوسلو»، وقد وصف التوقيع بكونه «منظرًا مُهينًا لياسر عرفات يشكرُ فيه الجميع على تضييع غالبية حقوق شعبه، واحتفال أبله بأداء بيل كلينتون، إذ بدى كإمبراطورٍ روماني في القرن العشرين يرعى ملِكين تابعين له عن طريق طقوسِ التصالح والولاء»، واصفًا الاتفاقية بـ «أداةٍ لاستسلامٍ فلسطيني، وفيرساي فلسطين»، وأشار إدوارد سعيد لكون منظمة التحرير ستصبح «أداة فرض السلطة الإسرائيلية» مساعِدةً إياها على تعميق هيمنتها الاقتصادية والسياسية على المناطقة الفلسطينية ومعززةً لـ «وضع اتكّاليةٍ دائمة» على إسرائيل. مع أنه من المهم ذكر تحليلاتٍ كتحليلِ إدوارد سعيد لاستبصارها وتقديمها كثقل مقابل للأسطرة المستمرة للحادِثة التاريخية، فهذه التحاليل مهمّة أيضًا لكون قادة العالم كلهم تقريبًا لا يزالون يقسمون اليمين باسم «عملية السلام» الخيالية هذه.

أحد الأسئلة التي يندر طرحُها في تحليلات أوسلو واستراتيجية الدولتين هو عن سبب تواطئ القيادة الفلسطينية طواعيةً مع هذا المشروع الكارثي، والتفسيرات دائمًا تكون مجرد تحصيل حاصل كأن يُقال: «القيادات الفلسطينية اتخذت قرارات سيئة لأنهم قادة سيئون»، وتشير أصابع الاتهام دائمًا للفساد أو لصعوبة الوضع الدولي ومحدودية الخيارات السياسية المتاحة.

المفقود من هذا النوع من التحاليل هو حقيقةٌ صارخة: بعض الفلسطينيين لديهم مصلحة في استمرار الوضع القائم، فخِلال العقدين الماضيين أدّى تطوّر الحكم الإسرائيلي لتغيّرات بالغة في طبيعة المجتمع الفلسطيني، وهذه التغيرات تمركزت في الضفة الغربية صاقلةً قاعدة اجتماعية داعمة للاتجاه السياسي للقيادة الفلسطينية في توقها للتنازل عن حقوق الفلسطينيين مقابل إدراجها في البناء الاستعماري-الاستيطاني الإسرائيلي، فعملية التحوّل الاجتماعية والاقتصادية هذه هي ما تفسر خضوع القيادة الفلسطينية لـ «أوسلو»، وتشير أيضًا للحاجة لابتعادٍ جذري عن استراتيجية الدولتين.

القاعدة الاجتماعيّة لأوسلو واستراتيجية الدولتين

إن تجلي نهج «أوسلو» تشكّل أساسًا من بنية الاحتلال التي أنشأتها إسرائيل في العقود التي مضت، ففي تلك الفترة بدأت الحكومة الإسرائيلية حملة منظمّة لمصادرة الأراضي الفلسطينية وبناء مستوطنات طُرِد منها الفلسطينيون أثناء حرب 1967. وكان منطق هذه الحملة متجسدًا في خطتين رئيسيتين وهما خطة آلون (1967) وخطة شارون (1981)؛ إذ كان تصور هذين الخطتين هو بناء مستوطنات إسرائيلية ما بين التجمعات الفلسطينية الرئيسية وفوق طبقات المياه الجوفية والأراضي الزراعية الخصبة، حيث يتم إنشاء شبكة طرق خاصة بإسرائيل تربط المستوطنات فيما بينها ومع المدن الإسرائيلية الرئيسية خارج الضفة الغربية. وبهذا الأسلوب تتمكّن إسرائيل من الاستحواذ على الأراضي والموارد وأن تفرّق المناطق الفلسطينية، وإضافةً إلى ذلك، أن تتجنب أي مسؤولية مباشرة على السكان الفلسطينيين قدر الإمكان. إن التفاوت ما بين السيطرة الإسرائيلية والفلسطينية على الأراضي والموارد والاقتصاد يعني أن الخطوط العريضة لإنشاء دولةٍ فلسطينية تتكّل تمامًا على تخطيطٍ إسرائيلي.

أدّت القيود المفروضة عسكرياً على تحرّك المزارعين الفلسطينيين ووصولهم للمياه والموارد الأخرى جنباً إلى جنب مع موجات المصادرة الشاسعة وبناء المستعمرات منذ بداية الاحتلال لتحويل ملكية الأراضي الفلسطينية وطرق الإنتاج الاجتماعية. منذ 1967 وحتى 1974، انخفض عدد الأراضي الزراعية الفلسطينية في الضفة الغربية بحوالي 30 بالمئة، فمصادرة المستوطنين الإسرائيليين للأراضي في وادي الأردن معناه أن 87% من مجموع الأراضي المروية في الضفة الغربية تم نزعها من الأيدي الفلسطينية. ومنعت الأوامر العسكرية حفر آبارٍ جديدة لأغراضٍ زراعية وقيدت الاستخدام العام للمياه من قِبل الفلسطينيين، بينما تمّ تشجيع المستوطنين الإسرائيليين على استخدام المياه قدر حاجتهم.

هذا التدمير المتعمد للقطاع الزراعي أجبر الفلسطينيين الفقراء – بالأخص الشباب منهم – على النزوح من المناطق الريفية تجاه العمل في قطاعي البناء والزراعة داخل إسرائيل، ففي 1970 احتوى القطاع الزراعي أكثر من 40% من القوة العاملة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولكن بحلول 1987 انخفض لـ 26% فقط. أما حصّة القطاع الزراعي الفلسطيني من الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من 35% لـ 16% ما بين 1970 و1991.

وتحت الإطار الذي أسسته اتفاقية أوسلو استطاعت إسرائيل بسلاسة أن تُدرِج هذه التغييرات في الضفة الغربية لنظام سيطرةٍ شامل، فقد تم تحويل الأراضي الفلسطينية تدريجيًا لأراضٍ محاصرة ومرقّعة، حيث التكتلات الثلاث الرئيسية تكمن في شمال ووسط وجنوب الضفة مفصولةً عن بعضها البعض بكتل استيطانية، ومُنِحت السلطة الفلسطينية استقلاليةً محدودة في المناطق التي تعيش فيها غالبية فلسطينية (المسماة بالمنطقة «ألف» والمنطقة «باء»)، ولكن بإمكان الجيش الإسرائيلي إيقاف التنقل ما بين هذه المناطق في أي وقت. تقع كل التحركات ما بين المنطقتين «ألف» و«باء» – ومعهم السلطة للتقرير من لديه حق المعيشة في هذه المناطق – تحت السلطة الإسرائيلية، وسيطرت إسرائيل على الغالبية العظمى للمياه الجوفية وكل الموارد التي تقبع تحت الأرض ومعها المجال الجوي للضفة الغربية، وأدّى ذلك لأن أصبحت إسرائيل تتصرّف في مسائل الطاقة والماء حسب ما يحلو لها، ويعتمد الفلسطينيّون في هذه المسائل على تقدير إسرائيل.

معنى تحكّم إسرائيل الكامل على كل الحدود الخارجية – الذي تم الإقرار به في بروتوكول باريس عن العلاقات الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل – هو أنه من المستحيل على الاقتصاد الفلسطيني أن يطوّر علاقاتٍ اقتصادية ذات قيمة مع دولة ثالثة. فقد أعطى بروتوكول باريس إسرائيل الكلمة الأخيرة فيما يُسمح للسلطة الفلسطينية باستيراده وتصديره، وبذلك أصبح قطاع غزة والضفة الغربية معتمدين بشدة على البضائع المستوردة حيث تشكّل الواردات ما بين 70% لـ 80%. وبحلول 2005، قدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن حوالي 74% من واردات الضفة الغربية وقطاع غزة مصدرها إسرائيل وحوالي 88% من مجموع صادرات هاتين المنطقتين كانت وجهتها إسرائيل.

فبدون قاعدة اقتصادية حقيقية ظلّت السلطة الفلسطينية معتمدةً تمامًا على تدفق رؤوس الأموال الخارجية من مساعدات وقروض، وهي تخضع أيضًا لسيطرة إسرائيل، فما بين 1995 و2000 كان 60% من دخل السلطة الفلسطينية مصدره ضرائب غير مباشرة جمعتها الحكومة الإسرائيلية على بضائع مستوردة من الخارج وِجهتها الأراضي المحتلة. وهذه الضرائب تجمعها الحكومة الإسرائيلية ثمّ تنقلها للسلطة الفلسطينية كلّ شهر حسب عملية وردت في برتوكول باريس. والمصدر الثاني الرئيسي لدخل السلطة الفلسطينية هو مساعدات ومدفوعات من الولايات المتحدة وأوروبا والحكومات العربية؛ وتشير إحصائيات المساعدات حين تقاس حصتها من جموع الناتج القومي لكون الضفة الغربية وقطاع غزة من ضمن أكثر المناطق في العالم اعتمدًا على المساعدات.

تغيير بنية الطبقة العاملة

خلق نظام السيطرة هذا تغيّرين رئيسيين في البنية الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع الفلسطيني، أولهما له علاقة بطبيعة العمل الفلسطيني التي أصبحت كالحنفية التي يمكن فتحها أو غلقها حسب الوضع الاقتصادي والسياسي وحسب حاجة رأس المال الإسرائيلي. بدأ الأمر في 1993، حيث قامت إسرائيل متعمدةً باستبدال الأيدي العاملة الفلسطينية الآتية يوميًا من الضفة الغربية بعمّال من آسيا وأوروبا الشرقية، وكان لانخفاض أهمية البناء والزراعة دورٌ جزئي في تمكين هذا الاستبدال، حيث ابتعد الاقتصاد الإسرائيلي في التسعينات عن هذين القطاعين متوجهًا للصناعات عالية التقنية وتصدير رأس المال النقدي.

ما بين 1992 و1996، انخفض التوظيف الفلسطيني من 116،000 يد عاملة (تشكل 33% من اليد العاملة الفلسطينية) لـ 28،100 (6% من اليد العاملة الفلسطينية)، والأجور الواردة من العمل في إسرائيل انهارت من 25% من مجموع الناتج المحلي الفلسطيني في 1992 لـ 6% في 1996. وما بين 1997 و1999، أدّى نهوض الاقتصاد الإسرائيلي لزيادة صافِية في أعداد العمّال الفلسطينيين لما يصل تقريبًا لمستوى ما قبل 1993، ولكن مع ذلك فإن حصّة اليد العاملة الفلسطينية داخل إسرائيل من كليّ العمّال أصبحت حوالي نصف ما كانت عليه قبل عقدٍ من الزمن.

فعوضًا عن العمل داخل إسرائيل، أصبح الفلسطينيون معتمدين بشكل متزايد على توظيف القطاع العام داخل السلطة الفلسطينية أو على تحويل المدفوعات من قِبل السلطة الفلسطينية لعوائل المعتقلين أو الشهداء أو المحتاجين، فأصبح القطاع العام يشكّل قرابة ربع مجموع الوظائف في الضفة الغربية وقطاع غزة بحلول سنة 2000، ممّا يعني أنّه قد تضاعف منذ 1996. فأكثر من نصف نفقات السلطة الفلسطينية ذهبت كرواتب لعمّال القطاع العام، ووفر القطاع الخاص فرصًا وظيفية كثيرة، بالخصوص في مجال الخدمات، حيث غلبت عليه المشاريع التجارية العائلية الصغيرة – أكثر من 90% من شركات القطاع الخاص توظّف أقل من عشرة أشخاص – وذلك نتيجة عقودٍ من سياسات إلغاء التنمية التي فرضتها الإسرائيل.

رأس المال والسلطة الفلسطينية

يتعلّق ثاني الملامح الرئيسية لتحوّل الاجتماعي الاقتصادي في الضفة الغربية – بجانب اتكّالية العوائل الفلسطينية على توظيف أو مدفوعات السلطة الفلسطينية – بطبيعة الطبقة الرأسمالية الفلسطينية. ففي وضعٍ سِمتهُ ضعف الإنتاج المحلي والاتكالية الشديدة على الواردات وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية، لا تنبع القوة الاقتصادية للطبقة الرأسمالية الفلسطينية في الضفة الغربية من الصناعة المحلية، وإنما من قرابتها من السلطة الفلسطينية كمجرى لرؤوس الأموال الخارجية. وخلال سنين «أوسلو» تكونت هذه الطبقة عن طريق انصهار ثلاث فئات اجتماعية مختلفة: الرأسماليون «العائدون»، أغلبهم من البرجوازية الفلسطينية التي انبثقت في دول الخليج وكانت لديها علاقات قوية مع السلطة الفلسطينية الناشئة، والعوائل والأفراد التي سادت على المجتمع الفلسطيني تاريخيًا، أغلبهم كبار الإقطاعيين من فترة ما قبل 1967، بالتحديد من المناطق الشمالية في الضفة الغربية، أما الفئة الأخيرة فهي عبارة عن أولئك الذين تمكّنوا من تكديس ثروةٍ من خلال مكانتهم كمتحاورين من داخل الاحتلال منذ 1967.

مع أن الانتماء لهذه الفئات كان فيه الكثير من التداخل، كان للفئة الأولى بالذات تأثيرٌ في تشكيل طبيعة الدولة والطبقة في الضفة الغربية، فقد كان دائمًا للأموال الآتية من الخليج دورٌ مهم في تليين الطرف الراديكالي من الوطنية الفلسطينية، ولكن اندماجهم مع عملية إنتاج دولة «أوسلو» عمّق بشدّة الميل نحو ترسيخ الدولة والبيروقراطية في المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.

هذا التكوين الثلاثي للطبقة الرأسمالية نزع نحو اجتذاب ثروته عن طريق علاقته المتميزة مع السلطة الفلسطينية، وساعدت الأخيرة هذه في نموّه عن طريق منحه احتكارات لمنتجات مثل الإسمنت والبترول والطحين والحديد والسجائر، معطيًا إياهم تصاريح استيراد حصرية وإعفاءات عن الرسوم الجمركية، ومنحهم حق احتكار توزيع البضائع في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوزيع الأراضي الحكومية عليهم بأقل من قيمتها الحقيقية. بالإضافة لهذه المساعدات الحكومية لتكديس الثروة، فإن غالبية الاستثمارات للضفة الغربية خلال فترة «أوسلو» التي أتت من متبرعين أجانب – إنشاء البنية التحتية ومشاريع إعماريه، ومشاريع التنمية الزراعية والسياحية – كانت كلها مرتبطة بطبقة الرأسماليين الجديدة هذه بطريقةٍ ما.

وفي سياق مكانة السلطة الفلسطينية الخاضعة تمامًا، فإن القدرة على تكديس الثروة ارتبطت دائمًا بالرضى الإسرائيلي ولذلك كان لها ثمنٌ سياسيّ – ثمنٌ مصمم لشراء الخضوع للاستعمار القائم وفرض الاستسلام. وكان معنى ذك أن المكوّن الرئيسي للنخبة الفلسطينية – أغنى رجال الأعمال، وبيروقراطية السلطة الفلسطينية وبقايا منظمة التحرير الفلسطينية نفسها – أصبحت لديهم مصلحة مشتركة في المشروع السياسي الإسرائيلي. يشكّل كلٌ من الانتشار المستشري للمحسوبية والفساد الناتج المنطقيّ لهذا النظام الذي يعتمد فيه بقاء الفرد على العلاقات الشخصية مع السلطة الفلسطينية. هذا الفساد المنظّم في السلطة الفلسطينية والذي اشتكت منه إسرائيل والحكومات الغربية مِرارًا خلال التسعينات وفي الألفية الجديدة كان – وبعبارة أخرى – نتيجة حتمية وضرورية لهذا النظام الذي أنشأته هذه القوى.

الانعطاف النيوليبرالي

إن هتين السِمتين الرئيسيّـتين للبناء الطبقي الفلسطيني – الأيادي العاملة المتّكلة على توظيف السلطة الفلسطينية والطبقة الرأسمالية المرتبطة بالهيمنة الإسرائيلية من خلال مؤسسات السلطة الفلسطينية نفسها – لا تزالان تشكّلان ملامح المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة. أدّى تقسيم الضفة الغربية وقطاع غزة بين فتح وحماس سنة 2007 لترسيخ هذا البناء، حيث تخضع الضفة الغربية لتقييدِ حركة وتحكّمٍ اقتصادي أكثر عقيدًا. من جهةٍ أخرى، أخذ نموّ غزة منعطفًا آخر، حيث اعتمد حكم حماس على أرباح تجارة الأنفاق ومساعدات من دول كقطر والمملكة العربية السعودية.

ولكن في السنوات الأخيرة، حدث تغيّرٌ مهم في المنحنى الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، متشكّلًا في برنامجٍ نيوليبرالي قاسٍ متركّز على تقشّف في القطاع الحكومي ونموذج نموٍّ هدفه دمج رأس المال الفلسطيني والإسرائيلي في مناطق صناعية تصديريّة. لا تعمل هذه الاستراتيجية الاقتصادية إلّا على ربط مصالح رأس المال الفلسطيني مع مثيله الإسرائيلي، مُدخِلةً الاتّكالية على الاستعمار الإسرائيلي في عمق البناء الاقتصادي الفلسطيني نفسه. في الضفة الغربية، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد مما يزيد قليلاً عن 1400$ في 2007 لحواليّ 1900$ في 2010، وكانت تلك أسرع نسبة نموّ خلال عقدٍ كامل. وفي الفترة ذاتها، ظلّت نسبة البطالة ثابتة واقعًا على ما يقارب 20%، وهي من أعلى النسب في العالم. وأحد عواقب هذا الأمر هو مستوى الفقر عالٍ، حيث يعيش 20% من فلسطينيّي الضفة الغربية (سنة 2009 و2010) على أقل من 1.67$ يوميًا؛ أغلبهم عوائل فلسطينية مكونة من خمسة أفراد. وعلى الرغم من مستويات الفقر العالية هذه، فقد ارتفع استهلاك أغنى 10% بنسبة 22.5% من مستواه السابق سنة 2010.

كان النموّ في هذه الظروف مبنيًا على ارتفاعٍ مذهل في الإنفاق القائم على الديون في قطاعيّ الخدمات والعقار، ووِفقًا لـ «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (الأنكاد) نمى كلٌ من قطاعيّ المطاعم والفنادق بنسبة 46% في 2010 بينما ازداد قطاع العمران بنسبة 36%، وفي الفترة نفسها، اخفض قطاع الصناعة بنسبة 6%. إن المستويات الضخمة لديون المستهلكين في العقار السكني الظاهرة في أرقام سلطة النقد الفلسطينية تبيّن أن مقدار التسليف البنكي تضاعَف تقريبًا ما بين 2008 و2010. وغالبية ذلك كان في الإنفاق على العقار السكني وشراء السيارات والبطاقات الائتمانية؛ وازدادت كميّة التسليف الذي وصل هذه القطاعات الثلاثة ما بين 2008 و2010 بنسبة ملفتة مقدارها 245%. تحمِلُ هذه النماذج – من الأفراد المستهلكين والعوائل المستدينة – عواقِب وخيمة على نظرة الناس لقدرتهم على النضال الاجتماعي وارتباطهم بالمجتمع؛ فبحكم كون هؤلاء الأفراد عالقين في شبكةٍ من العلاقات المالية، يؤدي ذلك لاعتمادهم عل السوق لتلبية احتياجاتهم: يكون ذلك عادةً بالاستدانة، كبديلٍ للنضال الجماعي للحقوق الاجتماعية. إنّ نموّ هذه العلاقات المبنية على التمويل والاستدانة يجعل من المجتمع الفلسطيني مجموعةَ أفرادٍ غير مرتبطين ببعضهم البعض؛ وزاد هذا الأمر من الانعطاف اليمينيّ (اقتصاديًا) في النصف الأخير من بداية الألفية الجديدة، فأصبحت هنالك أغلبية في المجتمع همّها «الاستقرار» الاقتصادي والقدرة على تسديد الديون بدل أن تتجه للمقاومة الشعبية.

هل يمكن تجاوز هذا المأزق؟

هذا المأزق الذي تمر به استراتيجية السياسة الفلسطينية لا يمكن فصلُه عن مسألة الطبقية، فاستراتيجية حلّ الدولتين المتجسدة في «أوسلو» أنشأت طبقةً اجتماعية مستفيدة بشكل كبير من عملية المفاوضات وارتباطها ببنية الاحتلال. فهذا هو السبب الرئيسي لموقف السلطة الفلسطينية المتخاذل، وذلك يعني أن أحد العوامل الرئيسية الضرورية لإعادة بناء المقاومة الفلسطينية هي مواجهة هذه النخب. وخلال السنين الماضية كانت هنالك إشارات مبشّرة على هذا الصعيد؛ منها بروز حركات المظاهرات التي تناولت الأوضاع الاقتصادية المزرية في لضفة الغربية وواجهت بصراحة دورَ السلطة الفلسطينية في تكوينها. ولكن إن ظلّت الأحزاب السياسية الفلسطينية الرئيسية تتجنب مسألة الطبقية بسبب الحاجة المفترضة للوحدة الوطنية، سيكون من الصعب لهذه الحركات أن تكسب زخمًا أكبر.

إضافةً لذلك، فإن تاريخ العقدين الماضيين يبيّن لنا أن نموذج «الصقور والحمائم» للسياسة الإسرائيلية – المشهور جداً في التغطية الروتينية من قِبل الإعلام الشركاتيّ (Corporate Media) والمعتنق تمامًا من قِبل القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية – هو زائفٌ قطعًا. فقد كانت القوة عاملًا أساسيًا في «مفاوضات السلام»، وقد رسّخ توسيع المستعمرات، وتقييد الحركة والتنقل، والوجود العسكري الدائم، بالتأكيد السيطرة الإسرائيلية على اتفاقية أوسلو. وذلك لا يعني أننا ننفي الاختلافات الموضوعية بين القوى السياسية في داخل إسرائيل، ولكننا نقول إن هذه الاختلافات توجد على طول سلسلة متصلة بدل أن تكون في انفصام ٍ حاد. إن العنف والمفاوضات مكملّان لبعضهما وكلاهما يدعمان جوانب معينة من مشروعٍ سياسيٍ واحد مشترك بين كل الأحزاب السياسية الرئيسية؛ فكلاهما يعملان ترادفيًا لتعميق السيطرة الإسرائيلية على الحياة الفلسطينية، والعقدان الماضيان قد أثبتا حقيقة هذا الأمر.

إن حقيقة السيطرة الإسرائيلية اليوم هي نتيجة عملية واحدة تضمنّت بالضرورة مزجًا بين العنف وبين وهمِ المفاوضات كبديلٍ سلمِي. إن تعارض اليمين المتطرّف مع ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي يعمل على إخفاء مركزية العنف والتحكم الاستعماري المتجسدة في البرنامج السياسي للأخير.

وسبب هذا الأمر هو الافتراض المشترك لليسار واليمين الصهيوني أن حقوق الفلسطينيين يمكن حصرها في مسألة دولةٍ في بعض أجزاء فلسطين التاريخية. بينما الحقيقة هي أن المشروع المهيمن على الثلاثة وستين سنة من استعمارِ فلسطين كان محاولة حكوماتٍ إسرائيلية متتالية لتفرقة وتمزيق الشعب الفلسطيني، محاولين سحق الهوية الوطنية المتماسكة بتفرقتهم عن بعضهم البعض، ويمكن رؤية هذه العملية بوضوح في التصنيفات المختلفة للفلسطينيين: اللاجئين، الذين ما زالوا مبعثرين في مخيّماتٍ في جميع أنحاء المنطقة، وأولئك الذين ظلّوا في أراضيهم سنة 1948 وأصبحوا لاحقًا مواطنين للدولة الإسرائيلية، وأولئك الذين يعيشون في «كانتونات» معزولة في الضفة الغربية، والآن أولئك الذين تمّت تفرقتهم عن طريق تفتيت الضفة الغربية وقطاع غزة. كل هذه المجموعات تشكّل الأمة الفلسطينية، وقد كان حرمانهم من الوحدة هو المنطق المهيمن على الاحتلال إلى ما قبل 1948، ويتّفق كلٌ مِن اليمين واليسار الصهيوني على هذا المنطق ويتصرفّان بانسجام لتضييق «المسألة» الفلسطينية لشظايا معزولةٍ من أمةٍ كاملة. وهذا المنطق اعتنقته السلطة الفلسطينية بحرارة وهو مجسّدٌ في رؤيتها لـ «حلّ الدولتين».

قد تكون اتفاقية أوسلو قد ماتت، ولكن جثتها المتعفنة هي جثّة لا يجب أن يأمل أي فلسطينيّ لإحيائها. نحن بحاجةٍ لاتجاهٍ سياسيٍّ جديد يرفض تقسيم الهوية الفلسطينية لمناطق جغرافية مبعثرة، ومن المشجّع أن نرى الأصوات المتصاعدة المنادية لتغيير الاستراتيجية الفلسطينية، لاستراتيجيةٍ مبنية على دولةٍ واحدة في فلسطين التاريخية كلّها. وهذه النتيجة لن يتم تحقيقها عبر الجهود الفلسطينية فقط، وإنما نحن بحاجة لتحدٍ أوسع للعلاقة المتميزة لإسرائيل مع الولايات المتحدة وموقعها كعمودٍ رئيسي للقوة الأمريكية في الشرق الأوسط. ولكن استراتيجية الدولة الواحدة تقدّم نظرةً لفلسطين تؤكد وِحدَة القطاعات الفلسطينية كلّها على الرغم من الجغرافيا.

وهي توفّر أيضًا طريقًا للتواصل مع الشعب الإسرائيلي رافضًا الصهيونية والاستعمار، آملاً لمجتمعٍ مستقبلي لا يفرّق عنصريًا على أساس الهوية الوطنية، يمكن للجميع أن يعيشوا فيه بغضّ النظر عن دينهم أو إثنيّتهم. في نظرةٌ توفّر طريقًا لتحقيق السلام والعدالة.

المصدر: مجلّة جاكوبين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s